خلافات الدستور تحول دون الإجماع الوطني في السودان

الحكومة السودانية والحركة الشعبية تتمتعان بالأغلبية في لجنة الدستور (رويترز-أرشيف)

عماد عبدالهادى-الخرطوم

أعادت خلافات نشبت بين الحكومة السودانية وقوى المعارضة بشأن نسب مشاركة الأخيرة في لجنة دستور الفترة الانتقالية الوسط السياسى إلي دائرة الشك حول مدى جدية طرفي اتفاق السلام (الحكومة والحركة الشعبية) في تحقيق الإجماع الوطني وتوحيد الجبهة الداخلية لأجل إخراج البلاد من الأزمة السياسية التي تعيشها الآن.

ففي الوقت الذي أكدت فيه الحكومة بدء أولى جلسات اللجنة السبت المقبل دون انتظار لقبول أو رفض القوى السياسية التي أعلنت مقاطعتها، نأت الحركة الشعبية بنفسها عن حلبة الصراع الدائر دون إظهار أي موقف إيجابي أو سلبي. وهو ما وصفه سياسيون بالتكتيك، بينما اعتبره آخرون موقفاً انتهازياً يسعى إلى تحقيق مكاسب ذاتية دون أن يخسر طرفا من الأطراف المتصارعة (أصدقاء الأمس أو أصدقاء اليوم) .

لكن خبراء قانونيين يرون أن موقف القوى المعارضة الرافض للمشاركة وفق النسب التى تعرضها الحكومة والحركة الشعبية مقبول تماماً. ويعتبر الخبير القانونى كمال الجزولى أن الدستور الذي وضع مسودته طرفا اتفاق السلام والمعروض للموافقة عليه من قبل المعارضة ليس دستورا انتقاليا بل دائما وفق ما تنص عليه بعض فقراته.

أحزاب المعارضة وبينها حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي رفضت المشاركة في لجنة الدستور
وتساءل الجزولى الذي كان يتحدث للجزيرة نت متسائلا كيف يراد لدستور أن يحكم السودان بشكل دائم أن يجاز في لجنة يملك الأغلبية فيها حزبان (المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية) فقط، ومضى قائلا "أستطيع أن أتفهم قلق القوى السياسية المعارضة من المشاركة في لجنة يراد لها أن تجيز هذا الدستور دون أن يكون لها نسبة تمثيل تتيح لها أن تلعب دوراً مؤثراً في الخيارات المختلفة فيه".

وقال إن الحكومة والحركة يتشبثان بنسبة أغلبية لم تنص عليها الاتفاقية، ويبدو أن الحركة الشعبية ترى أنها حصلت على مكاسب كبيرة منحها لها حزب المؤتمر الوطنى، وبالمقابل تريد أن تترك له أن يستمتع بمكاسب لا حق له فيها وفي هذه الزاوية "يبدو الدستور كما لو كان صفقة سياسية أكثر منه إطارا ضابطاً لعلاقات دستورية".

ونصح بأن يضمن الدستور المطلوب حزمة حقوق وحريات أكثر مما ورد في الاتفاقية والمشروع المقترح من الحكومة والحركة، بينما قال الخبير القانونى على محمود حسنين للجزيرة نت إن قرار المعارضة عدم المشاركة مقبول لعدة أسباب وأكد أن الحكومة والحركة الشعبية ينويان جعل الدستور المقترح دستورا دائما للبلاد دون مشاركة من الشعب.

وقال حسنين إنه إذا لم يتم إشراك القوى السياسية في إعداد الدستور فلن يكون له نفاذ أو احترام ولن يضمن تنفيذ اتفاق السلام، ودعا إلى إشراك القوى السياسية حسب أوزانها وأحجامها الحقيقية ما قبل (الإنقاذ 1989) وألا تقتصر إجازته النهائية على برلمان الإنقاذ أو اللجنة المركزية للحركة الشعبية.

ووصف مقترح الحكومة والحركة بأنه ينطوي على زيف وخداع "وذلك لأن بروتوكول مشاكوس المضمن في مسودة الدستور التي أعدتها اللجنة المشتركة ينص صراحة على استفتاء سيجرى في جنوب السودان في نهاية الفترة الانتقالية والذي سيكون على أساس هذا الدستور".

بينما يرى الخبير القانوني حسن عبد الله الحسين ضرورة معالجة قضية الدستور بعيداً عن توجس الحكومة، وقال للجزيرة نت إن الدستور سيكون لكل أهل السودان جنوباً وشمالاًَ وفي ذلك استزادة وضمانة لكل المواقع التى شملها اتفاق السلام.

وأكد أن نسب المشاركة في مفوضية الدستور ليست واردة في صلب الاتفاقية كواحدة من المفوضيات التي ذكرت فيها النسب "ولم تكن الحكومة والحركة موفقتين في إقحام لجنة الدستور في الجدولة اللاحقة".

إسماعيل قلل من الخلاف مع المعارضة (الفرنسية-أرشيف)
وأشار الحسين إلى أن مشاركة كل الفصائل والقطاعات السودانية في صياغة الدستور تكسبه نوعاً من الاحترام والقدسية، وبالتالي سينسحب ذلك على الاتفاقية، وقال "حتى لو افترضنا ورود بعض العبارات في صياغة الدستور التي تمس بعض بنود الاتفاقية فإنها لا تمثل منقصة وهو افتراض منطقه الحرص المفرط والتوجس الزائد من قبل الحركة والحكومة كأنما هذه القوى السياسية جاءت خصيصاً لإجهاض الاتفاقية".

وأكد أن إجازة الدستور بصفة جماعية ستضفي عليه صفة الإجماع "وستكون الحكومة بذلك قد استجابت لطموحات المعارضة وحققت لها مخرجاً من مأزق رفضها العنيد للمؤتمر الجامع".

غير أن وزير الزراعة الدكتور مجذوب الخليفة قال للصحفيين إن المسيرة لن تتوقف إذا عزلت المعارضة نفسها عن المشاركة في صياغة الدستور.

بينما ترك وزير الخارجية الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل الباب مفتوحا لإمكانية قبول مشاركة بعض القوى السياسية وقال إن بداية اللجنة يوم السبت لا يعنى إغلاق الباب أمام الحوار مع كل القوى السياسية السودانية.
_________
الجزيرة نت

 

المصدر : الجزيرة