أكراد العراق بين الاستحقاق الانتخابي والابتزاز السياسي


كريم حسين نعمة

تصاعدت في الأيام القليلة الماضية حدة المناورات السياسية بين اللوائح العراقية الفائزة في الانتخابات لاقتناص ما يتيسر من مكاسب قبيل انعقاد الجمعية الوطنية (البرلمان) وتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة.

ويرى المتابع للوضع أن الأكراد باتوا يشكلون الرقم الصعب في هذه المناورات لاسيما بعد مجيئهم بالمرتبة الثانية بعد لائحة الائتلاف العراقي الموحد المدعومة من المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني وضمانهم 75 مقعدا في البرلمان الجديد مقابل 240 للشيعة، وبالتالي أصبحت أصواتهم ضرورية لضمان تشكيل الحكومة الجديدة وكذلك الغالبية في البرلمان.

ولهذا السبب غدت مدينتا أربيل -حيث مقر زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود برزاني- والسليمانية -مقر زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني- قبلة لمرشحي اللوائح الأخرى المتنافسين على شغل منصب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة.

"
مطالب الأكراد: ضم مدينة كركوك لإقليم كردستان
وإقرار الفيدرالية وضمان بقاء قوات البشمرغة الكردية كجيش نظامي والحصول على مناصب سيادية من بينها قبول ترشيح زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني لرئاسة الجمهورية
"

رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي الذي يتشبث بالبقاء في منصبه رغم ضمان لائحته "القائمة العراقية" 40 مقعدا فقط من مقاعد البرلمان بعد مجيئها ثالثة في الانتخابات كان أول الزائرين لمعاقل الأكراد قبل عدة أسابيع، في محاولة لضمان دعم طالباني وبرزاني لترشيحه لرئاسة الوزراء.

وحذا مرشح اللائحة الشيعية إبراهيم الجعفري لرئاسة الوزراء حذو علاوي بالسفر إلى كردستان في محاولة لإقناع الأكراد بدعم ترشيحه، لكن طالباني وبرزاني أكدا له أنهما لن يتحالفا إلا مع الطرف الذي يقبل تلبية شروطهم المتمثلة بضم مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتعددة الأعراق لإقليم كردستان وإقرار مبدأ الفيدرالية، وضمان بقاء قوات البشمرغة الكردية كجيش نظامي في كردستان والحصول على مناصب سيادية من بينها قبول ترشيح زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني لرئاسة الجمهورية.

وقد أبلغ الجعفري القادة الأكراد استعداده للموافقة على تولي طالباني رئاسة الجمهورية لكنه أكد أنه لا يستطيع البت في الشروط الأخرى لاسيما مصير كركوك، وطلب إرجاء حل هذا القضية الشائكة لحين كتابة دستور دائم وشامل للبلاد وإجراء استفتاء على هذا الموضوع من قبل الشعب.

استغلال الفراغ
الأكراد -كما يرى بعض المراقبين- يحاولون استغلال الفراغ الدستوري والقانوني في البلاد بسبب عدم انعقاد البرلمان المنتخب حتى الآن رغم مرور نحو شهر على ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، وذلك لانتزاع المزيد من المكاسب من الأطراف العراقية الأخرى.

إلا أن تمسكهم بهذه الورقة وتغليبهم المصالح العرقية لفرض استحقاقات معينة على الدولة العراقية بطريقة الإملاء ولي الذراع وفي مثل هذه الفترة العصيبة التي تمر بها البلاد، ربما يؤدي إلى نتائج وخيمة لاسيما وأن اللائحة الشيعية عندما تشعر أن الآخرين يحاولون سرقة فوزها في الانتخابات قد تلوح بأوراق مقابلة ومن بينها التهديد بإقامة فيدرالية الجنوب وقد فعلت أطراف محسوبة عليها ذلك أمس، بحسب المحلل السياسي العراقي د. لقاء مكي.

"
مراقبون يرون أن تشبث علاوي بالترشح لرئاسة الوزراء ومطالبته كذلك بالاستمرار بالسيطرة على الملف الأمني وبعض المناصب السيادية يشكل تناقضا صارخا مع اللعبة الانتخابية التي قبل بها
"
ويرى مكي أن اللعبة السياسية لها قوانينها التي تقول إن الائتلاف العراقي الموحد الذي فاز بغالبية الأصوات له الحق في إدارة البلاد مع مراعاة حقوق الآخرين، مستغربا بهذا الصدد تشبث علاوي بالترشح لرئاسة الوزراء ومطالبته كذلك بالاستمرار بالسيطرة على الملف الأمني وبعض المناصب السيادية في تناقض صارخ مع نتائج الانتخابات.

الأكراد من جهتهم يحاولون الاستفادة من هذا التنافس بين الجعفري وعلاوي بإغراء الطرفين بالتحالف معهم والاستفادة من أصواتهم الـ 75 في البرلمان مقابل تلبية مطالبهم، لكن يدركون في نفس الوقت أن كلا الرجلين لن يجرؤ على فعل ذلك خشية من العواقب الوخيمة على مستقبلهما السياسي ومستقبل اللوائح التي يمثلانها.

واقع الأمر يقول إن الأكراد لا حاجة لهم بالتحالف مع علاوي، وهم يستخدمونه كورقة ضغط على اللائحة الشيعية للحصول على المزيد من التنازلات منهم.

ويرى د. لقاء مكي أن الخروج من المأزق السياسي الراهن في العراق لا يمكن أن يأتي إلا من خلال إرجاء الاستحقاقات الخلافية الصعبة كمصير كركوك والبشمرغة إلى مرحلة لاحقة، وتلبية المطالب الكردية الأخرى التي لا تؤثر على مستقبل البلاد مثل قبول رئاسة طالباني للجمهورية واعتماد مبدأ الفيدرالية دون أن يؤثر ذلك على وحدة البلاد.
ــــــــــــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة