الإصلاح عربيا.. خطوة للأمام خطوات للخلف

حركات تطالب بالتغيير لكن الأفق غائم (الفرنسية-أرشيف)
                                                    أشرف أصلان
يعتقد مراقبون أن ملف الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي بات واحدا من أكثر الملفات سخونة على مائدة الزعماء العرب في قمتهم السابعة عشرة بالجزائر، أصحاب هذا الرأي يجادلون بأن الأنظمة غدت في وضع لا تحسد عليه محاصرة بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان تحركات شعبية عبرت عن نفسها بشكل غير مسبوق في عدد من الدول العربية.
 
وبينما شهدت مصر ولأول مرة قبل أقل من شهر الإعلان عن نهاية عصر الاستفتاءات وفتح الطريق نحو انتخابات رئاسية متعددة, عرف السعوديون للمرة الأولى الطريق إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء المجالس البلدية.
 
الانتخابات التي شهدتها الضفة الغربية وقطاع غزة والعراق رغم كل ما شاب مشهدها بدت منظرا غير مألوفا في محيط السكون العربي، المفارقة أن الانتخابات جرت في منطقتين خاضعتين لقوى محتلة.
 
وعلى نفس الدرب تدرج عدة دول عربية يقول كثيرون إنها تحاول مقاومة الضغوط الخارجية من ناحية والتخلص مما تعتبره صداعا داخليا بدأ يتزايد بشكل لافت للنظر خلال الفترة الأخيرة, من ناحية أخرى.
 
السعوديون عرفوا الطريق إلى مراكز الاقتراع للمرة الأولى (الفرنسية-أرشيف)
متغيرات خارجية وداخلية
ويشير المتحمسون لفكرة أن التغيير قادم إلى سلسلة متغيرات عصفت بالمنطقة العربية مؤخرا وسلبتها ربما القدرة على الاختيار، لم يعد أمام الزعماء العرب إلا التحرك باتجاه التغيير.

أول هذه المتغيرات الغزو الأميركي للعراق وما نجم عنه من تأسيس وترسيخ لفكرة التدخل الدولي وتغيير أنظمة الحكم بالقوة مع توفر الغطاء القانوني اللازم من جانب الأمم المتحدة وحتى من دونه.

ثاني هذه المتغيرات هجمات 11 سبتمبر/ أيلول التي دفعت الولايات المتحدة إلى التحرك بقوة نحو مقاومة ما تصفه بالأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي بوصفها المصدر الرئيسي لنمو الإرهاب من وجهة نظر واشنطن، وهي في ذلك ترسخ مفهوم الضربات الاستباقية مع اختلاف الأسلوب، فما تحقق في العراق بالغزو العسكري يمكن إدراكه في مصر والسعودية ولبنان بأشكال أخرى من الضغوط.
 
ثالث هذه المتغيرات في رأي القائلين بحتمية التغيير تنامي تحركات شعبية عبرت عن نفسها بوضوح في الفترة الأخيرة، فظهرت على سبيل المثال مظاهرات في شوارع القاهرة تطالب الرئيس حسني مبارك بالتخلي عن السلطة وتؤكد رفضها توريث الحكم. كما أسفرت الضغوط الشعبية في لبنان عن استقالة حكومة رئيس الوزراء عمر كرامي والبدء في سحب القوات السورية.
 
رابع هذه المتغيرات ثورة الاتصالات الهائلة المتمثلة في كم هائل من الفضائيات التي ملأت السماء العربية, وساهمت بدرجة أو أخرى في رفع درجة الوعي لدى المواطن العربي ودفعته نحو المطالبة بمزيد من الحريات. وقد اعترف وزير الخارجية البريطاني جاك سترو قبل أسبوع بالتأثير الذي أحدثته هذه الفضائيات في تحريك "البحيرة الراكدة" بالعالم العربي.
 
خامس هذه المتغيرات تراجع الأداء الاقتصادي في العالم العربي وما تبعه من تزايد المصاعب المعيشية للمواطن العربي الذي بات أكثر اندفاعا نحو المطالبة بالتغيير هربا من واقع أليم يحيط به من كل جانب.

البوابة الإسرائيلية
ويرصد العديد من المحللين ما يعتبرونه هرولة من بعض الأنظمة العربية نحو التقارب مع إسرائيل بهدف التخفيف من وطأة الضغوط الأميركية والتفرغ من ناحية أخرى للتعامل مع المطالبات الداخلية بالتغيير على طريقتها الخاصة.
 
وانطلاقا من هذا المنطق يمكن تفسير دوافع مصر والأردن لإعادة سفيريهما إلى تل أبيب. كما يمكن تفسير اتجاه القادة العرب في قمة الجزائر نحو إحياء مبادرة السلام التي أعلنت في قمة بيروت، بل السعي لتعديل المبادرة لتصبح مقبولة أكثر من إسرائيل.
 
وقد رفضت تل أبيب المبادرة رسميا وعززت الرفض بإجراءات على أرض الواقع كان أبرزها الحصار المذل للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وتجاوز ما كان يعد خطوطا حمراء في التعامل مع فصائل المقاومة باغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس.
 
ويلاحظ في هذا الصدد ازدواجية واضحة للمعايير الأميركية تحاول الأنظمة العربية الإفادة منها, حيث تتعامل الولايات المتحدة بأكثر من وجه عندما تطالب بالإصلاح, فهي تتحدث مثلا مع السعودية ومصر بطريقة تبدو مختلفة تماما عن تلك التي تتعامل بها مع نظام الحكم العسكري في باكستان الحليف الأقوى لواشنطن.
 
"
يتخوف بعض المراقبين من شكلية الإصلاحات ويتشككون في الوقت نفسه إزاء نوايا الزعماء العرب على هذا الصعيد, لا سيما أن الضغط الأكبر يأتي من الخارج, ومن ثم لا تبدو الإجراءات الإصلاحية وكأنها انعكاس لمتطلبات داخلية
"
إصلاحات شكلية   
ويتخوف بعض المراقبين من شكلية  الإصلاحات ويتشككون في الوقت نفسه إزاء نوايا الزعماء العرب على هذا الصعيد, لا سيما أن الضغط الأكبر يأتي من الخارج, ومن ثم لا تبدو الإجراءات الإصلاحية وكأنها انعكاس لمتطلبات داخلية.

ففي مصر على سبيل المثال أعلن رسميا نهاية عصر الاستفتاءات والتحول عن انتخابات رئاسية متعددة بإلغاء المادة 76 من الدستور, الأمر الذي اعتبره البعض خطوة للأمام بينما اعتبره البعض الآخر خطوة أخرى إلى الخلف, نظرا للشروط التي تتجه الحكومة المصرية لوضعها بطريق من يرغب في الترشح للرئاسة, بحيث يظل الاستفتاء ولكن في صورة انتخابات متعددة. لهذا يطالب دعاة التغيير بحزمة واحدة من الإصلاحات تتجاوز ما تعتبره محاولات للالتفاف على الدستور والديمقراطية.
 
وقد بات القادة العرب في هذه المرحلة مطالبين أكثر من أي وقت مضى بالتحرك على طريق الإصلاح, الأمر الذي يجعل من قمة الجزائر نقطة فاصلة في التاريخ العربي, حيث لم يعد هناك الكثير من الوقت لإصدار بيانات ورقية حول الإصلاح دون التطرق لإجراءات حقيقية على أرض الواقع.
 
فالحركات الشعبية باتت أكثر جرأة في المطالبة بالتغيير, بينما تتواصل الضغوط الدولية بشكل لن ينفع معه الانحناء المؤقت للعاصفة.
__________________
المصدر : غير معروف