تجربة العراق تدفع لتغيير الإستراتيجية العسكرية الأميركية


حرب بلا نهاية في العراق أنهت الإستراتيجية العسكرية الأميركية لصالح أخرى جديدة (الفرنسية)

بعد عامين من غزو العراق واستمرار القتال ضد المسلحين الذين يتصدون للقوات الأميركية يجد الجيش الأميركي نفسه مرغما على إعادة النظر في إستراتيجيته القائمة على كسب حروب سريعة تستخدم جنودا مزودين بتقنيات متقدمة, وذلك بعد فشل هذه الإستراتيجية في توقع استمرار النزاع فترة طويلة.

فقد وضع وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفلد هذا الشهر أمام جيشه أربع قضايا "أساسية" تتوجب معالجتها أثناء إعادة النظر بشكل كبير في القدرات العسكرية. وقال مسؤولون في وزارة الدفاع إن على رأس تلك المسائل بناء "شراكات إستراتيجية" مع دول أخرى.

وأوضح مسؤول في وزارة الدفاع (البنتاغون) قائلا نريد أن نتدخل قبل أن ينشب نوع من النزاع لمنع النزاعات من التطور لتصبح حروبا، وهو ما يعتبر طريقة مختلفة للقتال وكسب الحروب. ويقول المحللون إن هذا التغيير جاء بحكم الضرورة لأن أعدادا كبيرة من القوات البرية الأميركية تنتشر في العراق لدرجة يصعب فيها توفير أعداد كافية من الجنود لخوض حرب برية كبيرة ثانية كما تتطلب الإستراتيجية الحالية.

ويصر القادة العسكريون على أن الولايات المتحدة يمكنها أن ترد بسرعة على الحالات الطارئة في أنحاء أخرى من العالم. ويؤكدون أن القوة الجوية والبحرية الأميركية, وليس القوات البرية, هي العوامل الرئيسية للردع في أماكن من بينها إيران وكوريا الشمالية وتايوان.

حلفاء كاليابان أصبحوا أكثر ضرورة للولايات المتحدة (الفرنسية-أرشيف)
الحاجة لحلفاء
ألا أن لاندرو كريبينفيتش وهو رئيس مؤسسة فكرية في واشنطن متخصصة في الإستراتيجية العسكرية, يرى أن اضطرار البنتاغون لوضع خطط طوارئ في "منطقة عدم الاستقرار" من شرق المتوسط إلى منطقة الخليج إلى شرقي آسيا, يزيد احتمالات حاجة الولايات المتحدة إلى حلفاء خلال الـ15 عاما القادمة أكثر من حاجتها لهم طوال الـ15 عاما السابقة.

ويضيف كريبينفيتش عندما تنظر إلى الانتشار الحالي للجنود سترى أن القوات الأميركية تعمل بأقصى قدراتها في الوقت الحالي خاصة القوات البرية. ويرى أن البنتاغون يعيد بناء التحالفات التي شكلها أثناء الحرب الباردة, ويمنح أولوية أكبر للعلاقات الأمنية مع دول في مناطق خطرة لديها أعداد كبيرة من القوات العسكرية التي تمكن الاستعانة بها.

ومن بين تلك الدول التي تتزايد أهميتها يحدد كريبينيفتش أستراليا واليابان وسنغافورة وربما الفلبين والهند وتركيا وإسرائيل, ويضيف أن حلف شمال الأطلسي الذي كان أكبر حلفاء واشنطن العسكريين, سيكون أقل أهمية.

وخلصت آخر مراجعة شاملة للإستراتيجية جرت قبل أربع سنوات إلى أن القوات الأميركية يجب أن تكون قادرة على ضرب الأعداء بسرعة في حربين كبيرتين متزامنتين على بلدين والتخلص من النظام في أحد البلدين أو كليهما.

واعتبرت تلك المراجعة أن الجيش قوة قادرة على القيام بمبادرة خلال عشرة أيام وتحقيق أهداف عسكرية محدودة خلال 30 يوما كما أنه قادر على أن يكون مستعدا للانتقال إلى جزء آخر من العالم خلال 30 يوما أخرى.

وفي العراق جسد الجيش الأميركي ذلك الهدف بشكل رائع إذ تمكن من السيطرة على بغداد والإطاحة بالحكومة هناك في أقل من شهر. ألا أن ذلك كان الجزء الأسهل من النزاع الذي أسفر حتى الآن عن مقتل 1500 جندي أميركي حسب تقديرات البنتاغون.

تغيير الأولويات

"
مسؤول بالبنتاغون: القتال لم يعد بين دول ولكن داخل دول مما يدعو إلى تغيير التركيز عبر بناء شراكات يقوم بموجبها الجيش الأميركي بلعب دور في المساعدة على تقوية جيوش دول حليفة يهددها المتمردون داخل أراضيها
"
وطبقا لمسؤولين في وزارة الدفاع فقد تخلى رمسفلد أثناء مراجعة الإستراتيجية لهذا العام عن سيناريو شن حربين في وقت متزامن. وبدلا من ذلك فقد أوعز إلى الجيش الأميركي بالاستعداد لحرب غير تقليدية وهجوم كارثي على الولايات المتحدة ولحصول اختراقات تكنولوجية قد تقلب موازين القوى بشكل مفاجئ, إضافة إلى الاستعداد للحروب التقليدية.

وقال المسؤولون إن رمسفلد طلب من الجيش إضافة إلى إقامة التحالفات والشراكات, التركيز على الدفاع عن الولايات المتحدة بطرق من بينها شن ضربات ضد "الإرهابيين", ومنع وصول أسلحة دمار شامل إلى الدول العدائية أو "الإرهابيين", والتأثير على خيارات المنافسين المحتملين الذين يقفون على "منعطفات إستراتيجية".

وصرح مسؤول في الدفاع طلب عدم الكشف عن هويته بأن "القتال لم يعد بين دول ولكن داخل دول مما يدعو إلى تغيير التركيز". ويتطلب التركيز على بناء شراكات, أن يقوم الجيش بلعب دور في المساعدة على تقوية الجيوش المهددة بالتمرد.

وقد بدأ البنتاغون ببناء قوات عمليات خاصة للعمل مع الجيوش في أفريقيا وغيرها من المناطق التي توجد فيها مناطق كبيرة غير خاضعة للحكومات يمكن أن تكون ملجأ للجماعات المتطرفة.

غير أن ميشال فلورنوي التي قامت بترأس عمليات مراجعة مشابهة للإستراتيجية, قالت إن رمسفلد يتجاهل السؤال الرئيسي الذي لا تمكن الإجابة عليه من خلال بناء التحالفات والشراكات وهو: هل حجم الجيش وقوات مشاة البحرية كاف لمواجهة التحديات المستقبلية؟"

وتضيف "تطرح مسألة بناء القوات وما إن كنا بحاجة إلى قوات برية، بشكل أكبر للنقاش بسبب الضغوط التي وضعها العراق على القوات، وإن عدم اتخاذ قرار بهذا الشأن هو في حد ذاته قرار". وتمضي إلى القول إن ما يقلق الآن هو أنه إذا لم يخف الطلب على تلك القوات فإن ذلك سيحدث ضررا على قوات المتطوعين والاحتياط. ويستغرق إصلاح ذلك العديد والعديد من السنوات.



المصدر : الفرنسية