حسابات الربح والخسارة للعراق وإيران بتجديد اتفاق الجزائر

حسابات الربح والخسارة للعراق وإيران بتجديد اتفاق الجزائر

إحياء اتفاقية الجزائر تعزيز لحقبة تعاون جديدة بين العراق وإيران (الأناضول)
إحياء اتفاقية الجزائر تعزيز لحقبة تعاون جديدة بين العراق وإيران (الأناضول)

قال مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الإستراتيجية والأمنية إن العلاقات بين إيران والعراق تشهد تحسنا ملحوظا بعد عقود تخللتها أعمال عدائية وصراع دموي، مشيرا إلى أن طهران تسعى لتمتين علاقاتها السياسية والاقتصادية في غمرة الضغوط الناجمة عن العقوبات الاقتصادية المتزايدة من جانب الغرب، في حين تتطلع بغداد لمساعدة إيرانية في التخفيف من حدة المشاكل الزراعية والهواجس الأمنية التي تعاني منها.

وذكر المركز في تقرير نشره موقعه الإلكتروني أن إحياء اتفاقية الحدود الموقعة بين البلدين في الجزائر عام 1975 بمثابة تعزيز لحقبة جديدة من التعاون والعلاقة الودية بين الدولتين الجارتين.

وكان الجانبان قد اتفقا أثناء زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى بغداد الشهر الماضي على تنفيذ بنود اتفاقية الجزائر التي ألغاها الرئيس الراحل صدام حسين في سبتمبر/أيلول 1980، قبل الحرب الإيرانية العراقية بثلاثة أيام.

واعتبر المركز -وهو إحدى أهم المؤسسات التي تعنى بقطاع الاستخبارات في الولايات المتحدة- أن قرار الدولتين العودة إلى اتفاقية ترسيم الحدود بينهما بعد 44 عاما من إبرامها أثار اهتماما أكبر في العراق نظرا لأهميتها التاريخية والثقافية.

فقد قررت الدولتان تعديل حدودهما البرية والبحرية استنادا إلى البنود الأصلية المنصوص عليها في اتفاقية الجزائر، وبالنسبة للعراق فإن ذلك يعني التنازل عن المياه البرية والبحرية التي ظلت تحت سيطرته لعقود، وأهمها جميعا ممر شط العرب المائي الذي طالما شكل الحد الفاصل بين العرب وإيران.

على أن الاتفاقية سببت ضيقا لبعض العراقيين ظنا منهم أنهم حصلوا على صفقة سيئة مقارنة بجيرانهم الإيرانيين، وعلى الرغم من تلك المخاوف -يقول التقرير- فإن استفادة العراق من إحياء الاتفاقية ستكون أكثر من الخسائر التي سيتكبدها على الأقل في المنظور القصير.

شط العرب اليوم مقبرة للسفن والقوارب العراقية والإيرانية الغارقة (رويترز)

ذكرى مؤلمة
وتضمنت اتفاقية الجزائر 1975 تخلي إيران عن دعم الأكراد في شمال العراق مقابل اعتراف بشط العرب بالتناصف بين البلدين.

وكان للاتفاقية دور في تخفيف الحالات العدائية بين البلدين لسنوات عدة حتى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، الأمر الذي أخل بموازين القوى في المنطقة.

وقد أدى ذلك إلى وقف العمل بالاتفاقية، فأصبح شط العرب مسرحا لحرب ضروس بين بغداد وطهران استمرت طوال ثمانينيات القرن الماضي.

ووفقا لتقرير ستراتفور، أصبح شط العرب اليوم مقبرة للسفن والقوارب العراقية والإيرانية الغارقة فبقي "ذكرى مؤلمة لتاريخ دموي يتقاسمه البلدان".

ولا يرى المركز الأميركي في تنازل العراق عن بعض حقوقه في شط العرب أي تهديد حقيقي لمصالحه الاقتصادية الأساسية، فتقاسم المجرى المائي لن يحد من نشاط بغداد في أهم قطاعاته وهو إنتاج النفط، على اعتبار أن معظم صادراته النفطية تشحن عبر خطوط أنابيب إلى مرافق النفط بالقرب من منطقة الفاو في الخليج العربي.

ثم إن ذلك لن يضر بقدرة العراق على الاستيراد طالما أن معظم احتياجاته من الغذاء والسلع الأخرى يتم شحنها إلى ميناء أم قصر على الحدود مع الكويت.

على أن الأهم ربما أن العراق يدرك أيضا أنه بحاجة للمضي قدما في تطوير مشاريع على طول شط العرب حتى يتمكن من احتواء الاحتجاجات ذات النزعة الانفصالية في مدينة البصرة، والتي تهدد سيطرة بغداد على الثروة النفطية التي يعتمد عليها اعتمادا كبيرا.

ولكي يتسنى للعراق ذلك فلا بد له من أن يكون على علاقة طيبة مع إيران، ولا سيما مع شركاتها التجارية.

وهناك مشكلة ملوحة المياه التي يعاني منها العراق والتي تهدد القطاع الزراعي، إلى جانب ظاهرة الجفاف المستمر الذي جعل إدارة المياه عصية على السلطات العراقية.

وإزاء ذلك، بات العراق يعتمد أكثر فأكثر على استيراد المواد الغذائية الحيوية من إيران، خاصة في المناطق القريبة من حدوده الجنوبية، أضف إلى ذلك حاجة العراق لمساعدة إيران له في تطهير شط العرب من التلوث، وهو ما قد يساهم في تخفيف ملوحة المياه التي تضر حاليا إنتاج العراق الزراعي، بحسب التقرير.

التوازن الصعب
وبغض النظر عن تداعياته الاقتصادية المحتملة على المدى القصير، فإن إحياء اتفاقية الجزائر يقف شاهدا على مدى ما وصل إليه مستوى التقارب بين إيران والعراق، والذي قد تكون له آثاره الجيوسياسية طويلة الأجل على بغداد.

ويمضي التقرير إلى التأكيد أن الولايات المتحدة لن تستهين بتقارب العراق مع خصم واشنطن الرئيسي في المنطقة، وقد يضع ذلك بغداد في وضع صعب للغاية في سعيها لإيجاد توازن بين ضغط العقوبات الأميركية المتزايد على إيران وبين المحافظة على علاقتها مع واحدة من أكبر الدول التي تستورد منها الغذاء والسلع المصنعة الأخرى.

غير أن تجديد العمل باتفاقية الجزائر ربما يسبب أيضا مشاكل للعراق مع الكويت جارته الأخرى في الخليج العربي، كما أن استعداد بغداد للاتفاق مع طهران بشأن حدوده البحرية من شأنه أن يثير القلق في الكويت ودول خليجية أخرى معادية لإيران.

ويخلص مركز ستراتفور في تقريره إلى أن تجديد العمل بالاتفاقية يعكس استعداد العراق للتنازل سياسيا لإيران عن واحدة من القضايا الخلافية من أجل منفعة اقتصادية صرفة، ولقدرة إيران على الضغط على العراق الذي يعتمد عليها اقتصاديا وأمنيا.

ويختتم المركز الأميركي التقرير بأنه نتيجة لكل تلك المعطيات فإن العراق سيجد أن علاقته "الناشئة" مع "جارته المثيرة للجدل" ربما تأتي على حساب وضعه السياسي المعقد والصعب أصلا مع جيرانه في المنطقة وحلفائه الغربيين.

المصدر : الصحافة الأميركية