تقارب أمني بين الصين وروسيا.. هل تراه واشنطن؟

تدريبات فوستوك-2018 بحضور الرئيس الروسي وقادة عسكريين من روسيا والصين (رويترز)
تدريبات فوستوك-2018 بحضور الرئيس الروسي وقادة عسكريين من روسيا والصين (رويترز)

لماذا تعزز روسيا علاقاتها الأمنية مع الصين؟ هل الولايات المتحدة هي التي تدفعهما للتقارب؟ أسئلة حاول الكاتب ألكسندر غابويف الإجابة عليها في مقال بمجلة فورين أفيرز الأميركية، معتبرا تجاهل واشنطن لهذا التقارب خطأ كبيرا.

ويضرب الكاتب في بادئ الأمر مثلا على تعزيز العلاقات بين روسيا والصين من خلال حديثه عن تمارين عسكرية شارك فيها لأول مرة 3200 جندي صيني إلى جانب 300 ألف روسي في سيبيريا الأسبوع الماضي.

وعندما سئل وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس عما إذا كانت هذه التمارين تشكل مصدر قلق، أجاب بالنفي.

الكاتب يعلق هنا بأن وجهة نظر ماتيس تعكس الحكمة الدارجة في الغرب، وهي أن عدم الثقة بين روسيا والصين عميقة إلى درجة يتعذر معها إقامة روابط إستراتيجية حقيقية، "لكن هذه النظرة خاطئة إلى حد الخطر".

ويرى غابويف -وهو رئيس روسيا في برنامج آسيا والمحيط الهادي في مركز كارنيجي بموسكو- أن التمارين العسكرية "فوستوك-2018" كانت تتويجا للتغيير في التفكير الإستراتيجي الروسي بشأن الصين، والذي لقي زخما بعد 2014.

وحتى قبل ذلك التاريخ، فإن موسكو لديها أسباب واضحة للتقارب مع الصين، أولها أن البلدين مهتمان بالحفاظ على السلام والهدوء على حدودهما البالغة 2600 ميل، وذلك بعد اشتباكات دموية استمرت يومين عام 1969، مما دفع روسيا والصين إلى إرسال موارد هائلة إلى الحدود وتعزيز الوجود العسكري المكلف، وذلك قبل التفاهم الذي جرى في ثمانينيات القرن الماضي والذي أدى إلى تخفيف التوتر الحدودي.

وفي الوقت الحاضر، ترى روسيا والصين أن تحدياتهما الأمنية في مكان آخر، وأن رغبتهما في تجنب إنشاء علاقة عدائية كانت عاملا آخر لاستقرار العلاقات بين البلدين، ولا سيما في ظل انشغال الكرملين في سوريا وأوكرانيا، وتأثير تنامي وجود حلف شمال الأطلسي (ناتو) على حدود روسيا الغربية، وتعزيز الدفاعات الأميركية.

عداء واشنطن للنظامين ربما يكون السبب الرئيسي في تحسين العلاقات بين روسيا والصين

وعلى الجانب الآخر، يواجه قادة الصين توترا متناميا مع واشنطن في قضايا الأمن والتجارة، وخلافات مناطقية مع اليابان والفلبين وفيتنام وجيران آخرين، كما أن الصين تواصل مساعيها للسيطرة على تايوان.

أما السبب الثاني للتقارب الروسي الصيني فهو التداخل الاقتصادي، حيث تعتبر روسيا المصدر الرئيسي للمواد الخام، والتي لا تستطيع الوصول إلى الدول الصناعية الكبرى.

الصين –على الجانب الآخر- هي المستهلك الأكبر للسلع الأساسية، وخاصة النفط والغاز، كما أنها قفزت إلى مراتب الدول المتقدمة تكنولوجيا وتملك رأس مال ضخما يمكن استثماره في الخارج.

والسبب الأخير يتمثل في الأهداف السياسية، إذ إن كلا النظامين يقدّر الاستقرار والحفاظ على فرض سلطتيهما على الآخرين، كما أنهما يتشاطران الرغبة –باعتبارهما عضوين في مجلس الأمن- في تشكيل النظام العالمي الجديد بطريقة تضع السيادة وحدود التدخل الخارجي بالشؤون الداخلية في المقدمة.

لكن الكاتب غابويف يرى أن عداء واشنطن للنظامين ربما يكون السبب الرئيسي في تحسين العلاقات بين روسيا والصين، مشيرا إلى أن المناورات العسكرية "فوستوك-2018" تحمل رسالة واضحة للولايات المتحدة وأوروبا مفادها "إذا ما واصلتم العقوبات ضدنا مثل الرسوم الجمركية والانتشار العسكري، فإننا سنتحد ضدكم".

ويختم بأن الحكمة الدارجة في واشنطن والعواصم الغربية تتجاهل المدى الذي تدفع فيه السياسات الأميركية قصيرة النظر روسيا والصين للتقارب بشكل أكبر، مشيرا إلى أن الوقت قد حان لصناع القرار في واشنطن كي يعيدوا النظر في السياسة التي تعادي –في بعض الأحيان دون داع- المنافسين الجيوسياسيين الرئيسيين للولايات المتحدة، ويفكرون بشكل خلاق بشأن إدارة المرحلة الجديدة من التنافس المتعاظم بين القوى الكبرى.

المصدر : فورين أفيرز