فيسك: لبنان على حافة الهاوية

عقبات أمام تشكيل الحكومة اللبنانية (الجزيرة)
عقبات أمام تشكيل الحكومة اللبنانية (الجزيرة)

يتساءل الكاتب روبرت فيسك عن كيفية تمكّن لبنان من الموازنة بين السعودية وإيران والغرب، ويحذر من أن البلاد على حافة الهاوية وأن موقفها محفوف بالمخاطر.

ويقول فيسك في مقال نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية إنه عندما واجهت دبلن عام 1940 احتمال الاحتلال من كل من بريطانيا وألمانيا وقررت أن تبقى محايدة، طلبت الحكومة الإيرلندية من أحد وزرائها الكبار صياغة مذكرة حول كيفية البقاء خارج الحرب العالمية الثانية، فكان رده البليغ الذي يتمثل في قوله إن "الحياد شكل من أشكال الحرب المحدودة".

وأما بالنسبة إلى اللبنانيين فإنهم كانوا منذ سبع سنوات يروجون ويدعون ويتفاوضون للبقاء خارج الحرب المشتعلة عند الجارة سوريا، وذلك فضلا عما يواجهونه من التهديدات الإسرائيلية، والاحتضان الأخوي السوري، والتحذيرات الأميركية، والتوسلات الروسية، والتملق الإيراني.

ويضيف "أظن أن الأمر يحتاج إلى شعب موهوب للابتسام من باب الواجب، والتملق والبساطة، والشجاعة والتذلل، والضجر من كل ما حوله، للتملص من العواقب".

وينسب فيسك إلى صديق له في بيروت القول قبل أيام إنه عندما يبقى لبنان بلا حكومة لمدة شهر فإن اللبنانيين هم الملامون، وإنه عندما يكون لبنان بلا حكومة لثلاثة أشهر فإن هناك جهات خارجية تتدخل.

ويتابع الكاتب أن الجيوش مرت عبر لبنان على مدى آلاف السنين، ولكن الخُطاب الجدد يتقدمون إلى هذه الدولة يوميا تقريبا في هذه الأيام، فأصبح المنتصرون حديثا في سوريا يحتضنون اللبنانيين بينما تهددهم إسرائيل وتحذرهم الولايات المتحدة وتضمهم روسيا وتتعطف عليهم إيران، وهي التي تدفع لمليشيات حزب الله وتسلحها، وإن هذا كله يأتي مع دين وطني قيمته 80 مليارا، ومع 1.5 مليون لاجئ سوري، فضلا عن انقطاع في التيار الكهربائي كل يوم دون استثناء منذ العام 1975.

ويعتقد الكاتب أن ما يجري مع لبنان يمثل درسا في كيفية العيش صغيرا والبقاء آمنا والعيش في خوف، ويؤكد أن حيادية لبنان تحميه من نفسه، فالسنيون يتلقون تمويلا كبيرا من السعوديين الذين يكرهون الإيرانيين ويكرهون حزب الله، بينما الشيعة اللبنانيون تدعمهم طهران.

وأما رئيس الوزراء اللبناني السني سعد الحريري فعليه أن يحب السعوديين لأنهم يؤيدون رئاسته للوزراء، ولأنه يحمل الجنسية السعودية، حيث يعتقد السعوديون أنه سيعمل لصالحهم.

بيد أن المرء قد يتذكر اختطاف الحريري في الرياض العام الماضي، ثم ظهوره الشبحي على التلفزيون السعودي، حيث قدم "استقالته" من رئاسة الوزراء، وذلك حتى أنقذه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قبضة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونقله إلى باريس بوصفه أيضا يحمل الجنسية الفرنسية.

ويشير فيسك إلى انقسام المسيحيين اللبنانيين، حيث يبقى الرئيس ميشال عون صديقا لنظيره السوري بشار الأسد، بينما يخشى البقية تدخلا سوريا آخر في لبنان.
 
وبينما يقول حزب الله اللبناني إنْ ضربت إسرائيل إيران فالحرب ستشتعل بينه وبين إسرائيل في جنوب لبنان، لا يزال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يأمل تدمير الأسد.

غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أثنى على الحريري قبل عام بوصفه يقف بالخط الأول في الحرب على حزب الله، لا يعلم أن الحريري نفسه يجلس بجانب وزراء حزب الله في الحكومة اللبنانية.

ويواصل الأميركيون والسعوديون حثهم للبنان على تجريد حزب الله من سلاحه وحله ودمجه في الجيش اللبناني، لأن تسليحه يأتي من إيران جبهة الشر كله، التي تعادي إسرائيل جبهة الخير كله، ولأنه حليف لسوريا.

بيد أنه في الوقت الذي تسلح فيه الولايات المتحدة الجيش اللبناني، فإن الأخير لن يهاجم إخوانه وأخواته الشيعة في جنوب لبنان لصالح الأميركيين والسعوديين والإسرائيليين.

ويضيف فيسك أن "الإيرانيين يعرضون على بيروت مالا أكثر مما يعرضه الأميركيون، بالإضافة إلى الأسلحة والمساعدات الزراعية والصناعية.

ويقول إن السوريين يريدون إعادة علاقاتهم الأخوية مع لبنان، وإنهم لا يستطيعون الانتظار، خاصة عندما يقاوم الحريري ذلك، فسوريا التي تعاني من انقطاعات طويلة في التيار الكهربائي تقدم الكهرباء للبنان، كما أن اللبنانيين فرحوا عندما استعادت سوريا السيطرة على النقطة الحدودية مع الأردن لأن هذا سيفتح الطريق البري أمام الصادرات اللبنانية إلى الأردن.

ويضيف الكاتب أنه إن كان لبنان يحتاج إلى سوريا أكثر مما تحتاجه سوريا، فإن إيران تحتاج إلى لبنان أكثر مما يحتاجها، وإن السعوديين يحتاجون إلى لبنان لأنهم يستطيعون استخدام الحريري بصفته زعيما للسنة ضد المحور الشيعي المؤلف من حزب الله وسوريا، وبالتالي التسبب في إلحاق الضرر بإيران.

كما أن اللبنانيين الذين يعانون من ديون قيمتها 80 مليار دولار يحتاجون إلى السعوديين، وأما روسيا فإنها -بأسطولها الذي يبحر في مياه البحر الأبيض من قاعدته في طرطوس بسوريا- فلا تحتاج أحدا.

ويختم بالقول إنه ربما كان ذلك الوزير الإيرلندي محقا عام 1940 بأن الحياد شكل من أشكال الحرب المحدودة. 

المصدر : الجزيرة,إندبندنت