كيف يغير الإنترنت من طريقتنا في الحزن والحِداد؟

الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي غيرت مفاهيم تتعلق بالتعامل مع قضايا حياتية مختلفة (الأوروبية)
الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي غيرت مفاهيم تتعلق بالتعامل مع قضايا حياتية مختلفة (الأوروبية)

جو بيل- أستاذة محاضرة بكلية علوم الصحة بجامعة هال

لم يعد الناس يموتون بالطريقة المعتادة في الماضي. في الماضي كان يموت أحد الوالدين أو قريب أو صديق أو شريك تاركا وراءه مجموعة من الذكريات والصور الفوتوغرافية.

هذه الأيام أصبح الموتى أحياء على الإنترنت للأبد وأصبحت التفاعلات الرقمية مع شخص متوفى أمرا عاديا.

يملك كل واحد منا بصمة رقمية تتمثل في أنشطتنا المتراكمة على الإنترنت، التي تروي قصة حياتنا على الإنترنت من خلال المدونات والصور والألعاب والخبرات والقصص التي تمت مشاركتها.

عندما يموت شخص ما تبقى "ذاته الافتراضية" حية على الإنترنت، يراها الناس ويتفاعلون معها. توجد هذه الذوات الافتراضية في نفس الساحات الرقمية التي يستخدمها الكثير من الناس بشكل يومي.

وهي ظاهرة جديدة وغير مألوفة يجدها البعض مثيرة للقلق. فالناس الذين توفوا من فترة لم يكونوا حاضرين في حياتنا بهذا الشكل.

لكن بالنسبة للبعض أصبحت هذه المساحات أداة قيمة خاصة للمفجوعين على أحبائهم. تدرس حاليا هيئة بحثية ناشئة الطرق التي تمكن الإنترنت -بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع التذكارية- من إتاحة طرق جديدة للحِداد والحزن تتخطى المفاهيم التقليدية المتمثلة في "التسليم" و"المضي قدما".

التحول إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الحصول على دعم معنوي للتعامل مع الخسارة وفُقدان الأحبة يكون له دور في مساعدة المفجوعين وغيرهم على فهم الموت من خلال الحديث عنه.

موجود على الإنترنت إلى الأبد
كنتُ أنا وزميل لي مهتمين أولا بطريقة تذكر الناس لأحبائهم المتوفين على الإنترنت قبل بضع سنوات. ما أثار اهتمامي بشكل خاص في ذلك الوقت هو كيفية نعي المنتحرين ودوافع الناس للقيام بذلك.

أردتُ أيضا معرفة الطريقة التي تؤثر بها المواقع التذكارية على الإنترنت في أحزان الناس وتعاملهم مع صدمة الانتحار، بالإضافة إلى دراسة كيفية تغير هذه المواقع على الإنترنت بمرور الزمن.

التحول إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الحصول على دعم معنوي للتعامل مع الخسارة وفُقدان الأحبة يكون له دور في مساعدة المفجوعين وغيرهم على فهم الموت من خلال الحديث عنه.

يساعد هذا في جعل الموت تجربة أقل عزلة وفردية. إذ يوفر لمن فقدوا أحبتهم "مجتمعا من المعزين"، أو كما قال أحد المشاركين "لدي 67 شخصا في حياتي يشاركونني ألم فقدي… وهم جميعا على دراية من أين أتيت".

بالنسبة للعديد من المفجوعين يبدو العامل الأكثر تحفيزا هو ضرورة البقاء على اتصال مع المتوفى ومحاولة "إبقائهم على قيد الحياة".

من خلال الإبقاء على صفحة فيسبوك مستمرة سواء بالإبقاء على حسابه الشخصي أو إنشاء صفحة "تذكارية" للمتوفى يسمح للناس بإرسال رسائل خاصة وعامة للمتوفي والتعبير عن حزنهم علانية. في بحثنا وجدنا أن الحسابات المُنشأة لمخاطبة المتوفين على موقع فيسبوك منتشرة.

يذهب الناس إلى حساب هذا الشخص المتوفى على فيسبوك، ويضعون التذكارات ثم يكتبون "ذهبنا لزيارتك اليوم يا مارك… أمس ذهبت إليه وتحدثت معه".

والآن، وبعد مرور ثلاثة أعوام ونصف ما زالوا يكتبون "نفتقدك بشدة يا مارك"، أو "لقد فعلتُ كذا وذكرني ذلك بك"... ما زال أصدقاؤه يشاركونه فيما يفعلونه.

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لهذا الغرض يمضي في اتجاه الإجابة عن السؤال عن مكان وضع المرء لمشاعره -مثل الحب والحزن والشعور بالذنب- بعد وفاة شخص عزيز. ويلجأ العديد من الناس إلى المواقع نفسها لنشر الوعي وجمع التبرعات للجمعيات الخيرية في ذكرى أحبائهم.

تسمح صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ومساحات الإنترنت للناس بمشاركة حزنهم وحدادهم وهم مرتاحون في منازلهم.

الحياة الافتراضية
بهذا المعنى يُمثل إبقاء المتوفي حيا على فيسبوك طريقة للحد من الشعور بالخسارة. ويوضح كيف أن مواقع التواصل الاجتماعي تحل محل مواضيع وأهداف العزاء التقليدي ومتعلقاته -كالمجوهرات أو الملابس أو شواهد القبور- والتي تتشبع بصدى عاطفي خاص وبعد ذلك تضاف لها قيمة عاطفية بعد الوفاة.

على عكس الأشياء العاطفية تسمح صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ومساحات الإنترنت للناس بمشاركة حزنهم وحدادهم وهم مرتاحون في منازلهم.

أيضا يساعد التحدث إلى الأشخاص عبر الإنترنت على التخلص من بعض المشاعر المكبوتة التي يشعر بها الناس عند التحدث عن الفقد. فهو يتيح أشكالا من التعبير عن الذات بلا كُلفة أو تصنّع، ولا يمكن مقارنتها بالمحادثات وجها لوجه.

إذا ورغم اختفاء الروابط المادية بيننا وبين المتوفين، فإن الوجود الرقمي الافتراضي يبقى ويتطور بعد الموت.

وبهذه الطريقة تساعد المواقع التذكارية على الإنترنت ومساحات التواصل الاجتماعي الأشخاص المفجوعين في أحبتهم في رؤية كيف يمكن لأحداث وذكريات الماضي أن تستمر ويكون لها قيمة ومعنى في الحاضر والمستقبل.

المصدر : مواقع إلكترونية