معلومات جديدة.. 11 يوما سبقت الإطاحة بمرسي

قوات الجيش المصري بعد انقلاب السيسي (رويترز)
قوات الجيش المصري بعد انقلاب السيسي (رويترز)

شعر الرئيس المصري المعزول محمد مرسي بالصدمة عندما رأى الإنذار الذي أصدره الجيش في الأول من يوليو/تموز 2013 في حين كان مجتمعا بالسيسي.

كان مرسي قد تلقى توضيحا من السيسي بأن عرض المصالحة الذي قدمه مرسي للمعارضة أكثر من كافٍ.

مستشارو الرئيس محمد مرسي كانوا يعتقدون حينها أن انقلابا بواسطة الجيش لن يحدث حتى بعد مليون عام.

ابن زايد لا يعرف الصفح
في الوقت الذي اتصلت فيه إدارة مرسي بالعديد من الدول الخارجية في الغرب والمنطقة، لم تسع للاتصال بالإماراتيين قط.

وكان مسؤول استخبارات بريطاني التقى مستشار مرسي للشؤون الخارجية عصام حداد في وقت سابق وأبلغه بأنه من الممكن إقناع السعوديين بتغيير موقفهم تجاه مرسي والإخوان المسلمين، لكن ليس بالإمكان إقناع الإماراتيين، مضيفا أن الشيخ محمد بن زايد عنيد ولا يعرف الصفح.

هذه بعض المعلومات التي أدلى بها مسؤول كبير في إدارة مرسي لأول مرة حول الكيفية التي تطورت بها الأحداث، طالبا عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع.

ونشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تفاصيل أدلى بها المسؤول في إدارة مرسي للموقع، قائلا إنه وقبل أسبوع من حدوث الانقلاب، أدلى السيسي الذي كان وزيرا للدفاع في حكومة مرسي بخطاب غريب حذر فيه من أن الجيش ربما يضطر للتدخل في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات ضد الحكومة والاحتجاجات المؤيدة للحكومة تهز البلاد.

إرادة الشعب المصري
وقال السيسي في خطابه ذاك إن الجيش مسؤول مسؤولية كاملة عن حماية إرادة الشعب المصري العظيم، وإن الذين يسيئون للجيش يسيئون لكل المصريين "وكل من يعتقد أننا سنظل صامتين تجاه أي اعتداء على الجيش فهو خاطئ".

ومضى السيسي يقول "إن الجيش لم يحاول أبدا التدخل في الشؤون العامة أو السياسية، لكنني أود أن أقول إننا جميعا لدينا مسؤولية أخلاقية، ووطنية، وتاريخية. لن نقبل بأن تدخل مصر نفقا مظلما من الصراع، والتوتر الداخلي، والحرب الأهلية، أو انهيار مؤسسات الدولة".

وكان السيسي قد التقى مرسى قبل وقت قصير من الإدلاء بخطابه ذاك، لكنه لم يلمح لمرسي بأي شيء عن محتوى الخطاب.

ثقة عمياء
وقال المصدر إنهم في الحكومة كانوا على ثقة بأن الجيش، على الأقل، لن يتدخل. لكن وفي الوقت نفسه جعل ذلك الخطاب الاستمرار في تلك الثقة مجرد سذاجة.

ويعتقد المصدر أن السيسي كان يخطط للانقلاب قبل عدة أشهر من تنفيذه، مشيرا إلى أن السيسي كان يلتقي كل خميس بقادة المعارضة في نادي القوات البحرية في القاهرة منذ الأزمة الدستورية في ديسمبر/كانون الأول 2012، التي تعرض خلالها مرسي لاتهامات من المعارضة بأنه منح نفسه مزيدا من السلطات.

وكان السيسي يقدم نفسه وسيطا محايدا بين المعارضة ومرسي، لكنه انحاز علنا يوم 23 يونيو/حزيران إلى جانب المعارضة، وهو أمر بدا غريبا وفقا للمسؤول.

وكان تحالف المعارضة جبهة الإنقاذ الوطني، قد دعا مرسي في مؤتمر صحفي بعنوان "بعد الرحيل" قبل يوم واحد من خطاب السيسي، لتقديم استقالته وتنظيم انتخابات مبكرة.

مؤيدو مرسي بميدان رابعة يوم 28 يوليو/تموز أي قبل المجزرة الشهيرة (رويترز)

الجنرال محمد زكي
وفي نفس يوم الخطاب، طلب قائد الحرس الجمهوري الجنرال محمد زكي، المسؤول من حماية الرئيس، من مرسي ومساعديه مغادرة قصر الاتحادية الرئاسي والعمل من المقر الرئيسي للحرس الجمهوري لأسباب أمنية أثناء الاحتجاجات الشعبية التي أُعلن عن تنفيذها يوم 30 يونيو/حزيران حيث من المتوقع أن تسير الاحتجاجات إلى قصر الرئاسة.

سيتضح لاحقا أن الجنرال زكي كان اليد اليمنى للسيسي في تنظيم الانقلاب على مرسي، وقد كافأه السيسي الشهر الماضي بتعيينه وزيرا للدفاع في تعديله الوزاري الأخير.

ولم تكن وسائل الإعلام ولا الشعب في ذلك الوقت على علم بالمكان الجديد لمرسي.

وشهد الأسبوع الأخير قبل الانقلاب أحداث عنف على نطاق البلاد وقعت أغلبها ضد مؤيدي مرسي والإخوان المسلمين وتم خلال تلك الأحداث نهب وحرق 20 مكتبا للإخوان.

وبدأت أحداث العنف تلك بعد الخطاب الطويل لمرسي يوم 26 يونيو/حزيران الذي تحدث فيه عن التحديات التي واجهها ورؤيته للمستقبل.

مرسي سأل السيسي عما إذا كانت تلك المبادرة كافية لإنهاء الأزمة، فأجاب السيسي بأنها أكثر من كافية. وتمت كتابة المبادرة في شكل اتفاق. وكان يُفترض أن يحمل السيسي النص المكتوب إلى المعارضة. وقال السيسي لمرسي حينها إنه سيذهب إلى المعارضة ويعود إليه بعد فترة قصيرة، لكنه لم يعد إلا بعد خمس ساعات، أي حوالي الساعة التاسعة مساء، ليبلغ مرسي بأن المعارضة لم توافق على المبادرة

التحرير ورابعة
وفي يوم 28 يونيو/حزيران بدأت الاحتجاجات المعارضة للحكومة تتجمع في هليوبولس وميدان التحرير استعدادا لاحتجاجات يوم 30، كما ظلت المظاهرات المؤيدة لمرسي تتجمع منذ يوم 21 بـ ميدان رابعة. وفي يوم 29 انتشرت أعمال العنف وأصبحت أسوأ من قبل.

وكان مؤيدو مرسي يتوقعون خيانة الجيش، ولذلك نظموا احتجاجات شعبية بميداني رابعة والنهضة للتعبير عن تأييدهم للرئيس وشرعيته، آملين أن يرتدع الجيش.

وعندما سيرت المعارضة مسيرتها إلى قصر الاتحادية يوم 30 يونيو/حزيران داعية الجيش للتدخل، التقى مستشار مرسي للشؤون الخارجية عصام حداد بالسفيرة الأميركية آن باترسون التي قالت له إن خصمكم هو السيسي وليس الشعب، ومهما يكن حجم الاحتجاجات فإن العنصر الأهم هو الجيش.

من أطاح بمبارك؟
وأضافت السفيرة أن الشعب المصري يميل إلى نسيان أن المجلس العسكري وليس الشعب هو من أطاح بالرئيس الأسبق حسني مبارك، مؤكدة "لن يحدث أي شيء إلا إذا سمح الجيش".

وقالت في تحليل لها لموقف السيسي إنه يريد أن تكون للجيش اليد العليا وألا يكون خاضعا لإرادة المدنيين. والسيسي ليس هو المسيطر على كل شيء وربما يكون الأعضاء الآخرون يضغطون عليه أو حتى يهددونه، وأهم شيء لديه هي العلاقة بين الجيش المصري والولايات المتحدة، وهي علاقة لا يريدون تعريضها للخطر. ­­

وأشار المصدر إلى أن المتشائمين في إدارة مرسي شعروا بأن الجيش لن يتدخل إلا في حالة وجود أعداد كبيرة من المعارضين في الشارع. ونظرا إلى أن هذه الإدارة كانت ترى أن أعداد المعارضين قليلة أو مساوية للمؤيدين لمرسي، فإنها لم تتوقع تدخل الجيش.

تفاؤل للنهاية
وقال إنه ورغم المؤشرات الكثيرة على الانقلاب القادم، ظل أغلب طاقم إدارة الرئاسة متفائلين حتى اليوم الأخير، وهذا بسبب التطمينات التي تلقوها من مرسي الذي كان يعتقد حتى ذلك اليوم أن السيسي يقوم بدور الوسيط المحايد.

وفي الأول من يوليو/تموز اجتمع مرسي بالسيسي في مكتب الرئيس بثكنات الحرس الجمهوري، وكان مسؤولو الرئاسة يشاهدون في الوقت نفسه بيانا متلفزا من الجيش تم بثه كخبر عاجل ورافق البيان صورة للسيسي في الخلفية، وأعطى البيان جميع الفرقاء مهلة 48 ساعة للتوصل لاتفاق، وفي حالة الفشل فإن الجيش سيتدخل لحفظ النظام.

وتفاجأ الجميع بمن فيهم مرسي نفسه إذ لم يكن على علم ببيان الجيش قبل أن يبدأ الاجتماع مع السيسي. وأبلغ السيسي مرسي بهذا البيان فقط لدى نهاية اجتماعهما، ونجح في تخفيف وطأة الإنذار وإظهاره بأنه ليس إنذارا فعليا.

غاية المكر
السيسي زعم عندما اجتمع مع مرسي أن الهدف من اجتماعهما هو إبلاغ مرسي بآخر أخبار مساعيه للتوصل إلى اتفاق مع المعارضة. ووصف المسؤول السيسي بأنه في غاية المكر والخداع.

وأوضح المصدر أن مرسي غضب من البيان وأعرب عن غضبه للسيسي. وأصدرت الرئاسة بيانا يدين بيان الجيش، ورد الجيش ببيان ثانٍ يخفف من احتمالات تدخله. وعلق المسؤول بأن الجيش تلاعب بهم بالفعل بإظهاره التراجع أحيانا، ثم التفاوض، وتقديم مقترحات أحيانا أخرى.

والتقى مرسي بالسيسي مرة أخرى في 2 يوليو/تموز بعد اجتماع أبكر بمؤيديه المتجمعين في رابعة. وقدم مرسي للسيسي مبادرة تتضمن تعديلا كاملا لمجلس الوزراء بما فيه رئيس الوزراء وتعديلات دستورية تتبنى كل ما تريده المعارضة وتشكيل لجنة مصالحة.

أكثر من كافية
مرسي سأل السيسي عما إذا كانت تلك المبادرة كافية لإنهاء الأزمة، فأجاب السيسي بأنها أكثر من كافية. وتمت كتابة المبادرة في شكل اتفاق.

كان يُفترض أن يحمل السيسي النص المكتوب إلى المعارضة. وقال السيسي لمرسي حينها إنه سيذهب إلى المعارضة ويعود إليه بعد فترة قصيرة، لكنه لم يعد إلا بعد خمس ساعات، أي حوالي الساعة التاسعة مساء، ليبلغ مرسي بأن المعارضة لم توافق على المبادرة.

وفي 3 يوليو/تموز التقى السيسي بالمعارضة وزعم أنه قدم لهم مقترحا من الرئيس. وكانت المعارضة منى مكرم عبيد قالت لاحقا إن السيسي التقاهم ذلك اليوم ليقدم إليهم خطته هو وخريطة الطريق التي أعدها بدلا من تقديم مبادرة أو اقتراحا من مرسي.

وأكد المسؤول أن السيسي لم يبلغ المعارضة بمبادرة مرسي قط، وربما لم يبلغها بأي شيء اليوم السابق والتقى بمرسي لمجرد إعطائه انطباعا بأن الأمور تسير إلى الأمام بشكل سلس وبأنه يحاول بإخلاص التوسط للتوصل لاتفاق.

قناة أميركية أخرى
وكان هناك مبعوث غربي آخر، غير السفيرة الأميركية، التقاه حداد الليلة السابقة وهو السفير النرويجي تور وينيسلاند، حيث أبلغه حداد بأنه من الصعب التراجع في تلك اللحظة لأن حلفاء مرسي لم يعودوا يثقون بالجيش أو المعارضة، ويشعرون بأن حياتهم نفسها ستتعرض للخطر إذا أنهوا احتجاجاتهم أو قبلوا باستقالة مرسي، ولخص حداد ذلك للسفير بعبارة "إنهم لا يرفضون المساومة، لكنهم لا يستطيعون أن يساوموا".

ورد السفير النرويجي بأنه يتفهم موقف الحكومة ووعد، بكل ثقة، بفعل شيء، مع العلم أنه يمثل قناة غير رسمية للأميركيين.

ومضى المصدر يقول إن الأميركيين إذا أرادوا نقل رسالة دون أن يظهروا أن لهم علاقة بها، فإن السفير النرويجي هو وسيلتهم في ذلك، مضيفا أنهم فهموا أن السفير سيطلب من الأميركيين أن يبلغوا الجيش المصري بتأجيل الانقلاب حتى تتوفر فرصة للتوصل لاتفاق.

وأبلغ مرسي أعضاء إدارته بأنه يفضل الموت على الاستسلام لمحاولات إعادة الجيش للسلطة مع وجود رئيس مدني كواجهة.

وأضاف المصدر أن المفترض كان أن ينفذ الجيش انقلابه صباح الأربعاء 3 يوليو/تموز، ولكن وعندما لم يفعل، شعر أعضاء إدارة مرسي بأن السفير النرويجي نجح في تأجيل الانقلاب.

انتهى الأمر
واتصل حداد بالسفيرة الأميركية لمناقشة اقتراح بتعيين رئيس وزراء ومجلس وزراء جديدين ونقل السلطة التشريعية لهما، لكنها أوضحت له أن الأمر قد انتهى وأن الجيش قرر السيطرة على السلطة.

وقال المصدر إن كل هذه التحركات وقبل كل شيء تلك الأعداد الضخمة من المؤيدين بميداني رابعة والنهضة قد دفعت بمسؤولي إدارة مرسي للاعتقاد بوجود فرصة، مشيرا إلى أنهم لم يكونوا ليعتقدوا ولو بعد مليون عام بأن الجيش سيتحرك ضد الشعب أو أن تدعم الدول الغربية علنا نظاما مستعدا لاستخدام الجيش للسيطرة على السلطة، خاصة مع تلك الأعداد الهائلة برابعة والنهضة.

وأشار إلى أن تلك القناعة بُنيت على افتراضين اتضح أن كليهما خاطئ؛ الأول هو أن الجيش سيقتنع بأنه لن يكون قادرا على تنفيذ انقلاب أبيض سريع، ولن يلجأ إلى العنف الجماعي لأن ذلك ليس في مصلحته.

والافتراض الثاني هو أن المجتمع الدولي سيقتنع بأن انقلابا في مصر سيكون دمويا للغاية وسيزعزع استقرار البلاد لسنوات مقبلة.

وعلق بأنه اتضح أنهم أغبياء بافتراضاتهم تلك. واتضح أيضا أن المسؤولين عن الاستخبارات لمعرفة ذلك لم يكن يهمهم العنف ومن يهمهم العنف انخدعوا بفكرة أن الجيش يمكنه السيطرة بسرعة على الأمور.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات وضع السيسي حدا لأول تجربة ديمقراطية مدنية بمصر، وفتح بذلك الباب أمام منزلقات سياسية وأمنية واقتصادية ما زالت مصر تتهاوى في وهدتها السحيقة.

المزيد من جولة الصحافة
الأكثر قراءة