هكذا فقدت أميركا ذاكرتها ونسيت فلسطين

ترامب يتمسح بحائط البراق في مايو/أيار 2017 (الأوروبية)
ترامب يتمسح بحائط البراق في مايو/أيار 2017 (الأوروبية)

كانت واشنطن في الخمسينيات تدافع عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وبدأت تدريجيا تتخلى عن ذلك الموقف وتلغي النكبة من ذاكرتها، وتتخلى عن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني عموما، والآن تتخلى عن اعتبار أن الضفة الغربية محتلة.

ورد ذلك في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي للباحث بمعهد بروكينغز خالد الجندي، قال فيه إن الموقف الأميركي تجاه حق اللاجئين في العودة وموقفها تجاه النكبة مختلف تماما عن موقفها اليوم، فقد كانت هذه الحقوق محل تأييد بالإجماع لدى جميع أطراف الطيف السياسي الأميركي.

وخلال أقل من جيل واحد، نسيت واشنطن الأهمية السياسية للنكبة وجذور الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبعد سبعين عاما بدأت عملية نسيان ونكران أخرى لكن بوتيرة أبطأ من ذي قبل، وهي تتعلق هذه المرة باحتلال الضفة الغربية وغزة الذي استمر خمسين عاما حتى اليوم.

مسار لا رجعة فيه
وهذا المحو المستمر للاحتلال الإسرائيلي من الحوار السياسي في واشنطن لا يجعل من المستحيل على أميركا أن تحل الصراع فقط، بل إنه يضع الإسرائيليين والفلسطينيين في مسار لا رجعة فيه تجاه الدولة الواحدة.

ورغم أن مصطلح "النكبة" العربي لم يدخل إلى قاموس لغة السياسة الأميركية مثله مثل المصطلحات الأخرى، فإن صناع القرار الأميركيين يدركون طبيعة وحجم المأساة التي وقعت على الفلسطينيين جراء إنشاء إسرائيل.

وأورد الكاتب أن الدبلوماسيين وضباط الاستخبارات الأميركيين في فلسطين إبان النكبة كانوا يراقبون التطورات عن كثب، وكان صناع القرار الأميركيين -بمن فيهم الرئيس ووزير الخارجية- لا أوهام لديهم بشأن طبيعة خروج الفلسطينيين.

أميركا مناقضة لإسرائيل
وكانت المواقف الأميركية الراسخة والمعلنة من قبل كبار المسؤولين والسياسيين آنذاك، أن لجوء الفلسطينيين ليس سببه غزو الجيوش العربية -كما تزعم إسرائيل- بل الاحتلال اليهودي لحيفا في 21-22 أبريل/نيسان 1948، والهجمات اليهودية المسلحة على يافا في 25 أبريل/نيسان 1948، كما ورد ذلك بالدقة نفسها في رسالة لوزير الخارجية الأميركي جورج مارشال يصحح فيها معلومات وردت في رسالة إليه من جيمس ماكدونالد أول ممثل أميركي لدى إسرائيل.

نكران الاحتلال سيسبب مشكلة كبيرة لإسرائيل وداعميها، لأن الضفة والقدس وقطاع غزة إذا كانت غير محتلة، فإن على إسرائيل ألا تحرم ساكنيها من حقوق المواطنة الكاملة وإلا فإن المجتمع سيعتبرها دولة "فصل عنصري"

وتضمن المقال الكثير من الوقائع التي تثبت أن أميركا كانت على النقيض مع إسرائيل فيما يتصل بالمناشدات الأممية والدولية للعودة الفورية للفلسطينيين الذين هجّرهم الإرهاب الإسرائيلي من بلداتهم.

وبمرور السنين، خبا الإحساس بإلحاح مأساة اللاجئين الفلسطينيين، كما خبت الذاكرة التي تحمل أسباب نشوئها.

نهاية مرحلة
واستمر الرؤساء الأميركيون يعتبرون أن المفتاح لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو حل قضية اللاجئين، لكن بمجيء الرئيس الأميركي ليندون جونسون -بعد مقتل الرئيس جون كينيدي- بدأت مغادرة أميركا لموقفها الداعم للفلسطينيين.

لذلك، عندما أبلغ الدبلوماسيون الإسرائيليون الخارجية الأميركية عام 1966 بأن إسرائيل لن تهتم بعد اليوم بأي اقتراح يتعلق بإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، ويعتبرون ذلك بمثابة دعوة لتدمير إسرائيل؛ لم تنزعج إدارة جونسون.

وانتهت فترة الإشارة إلى مسؤولية إسرائيل عن مأساة اللاجئين، كما انتهت فترة الدعم الأميركي لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وقال الكاتب إن نفس فقدان الذاكرة السياسية والتاريخية الذي لحق بالنكبة واللاجئين من قبل واشنطن، يعود مرة أخرى ويمسك بعقول السياسيين الأميركيين بشأن الاحتلال الإسرائيلي.

فمنذ 1967، ظلت السياسة الأميركية وعملية السلام تعتمدان على قرار الأمم المتحدة رقم 242 الذي يدعو لانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في ذلك العام، مقابل السلام والتطبيع مع الدول العربية المجاورة.

مرحلة جديدة
وفي 2016 حذف الحزب الجمهوري رسميا كل الإشارات إلى حل الدولتين من برنامجه، معلنا أنه يرفض "الفكرة الزائفة" بأن إسرائيل قوة احتلال.

وبعد انتخاب الرئيس دونالد ترامب، حدث مجرد تسريع لعملية كانت قد بدأت من قبل، مع الإشارة إلى توقفه عن إعلان أن أميركا تدعم حل الدولتين، مكتفيا بالقول إن أميركا لن تدعم حل الدولتين إلا إذا وافق عليه طرفا الصراع.

كذلك يشير قرار الخارجية الأميركية إلغاء الإشارة إلى أن الضفة الغربية وقطاع غزة أراض محتلة في تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان، إلى أن نكران الاحتلال قد أوشك أن يكون سياسة رسمية على أعلى المستويات الأميركية.

أخيرا، حذر الجندي من أن نكران الاحتلال سيسبب مشكلة كبيرة لإسرائيل وداعميها، لأن الضفة والقدس وقطاع غزة إذا كانت غير محتلة، فإن على إسرائيل ألا تحرم ساكنيها من حقوق المواطنة الكاملة، وإلا فإن المجتمع سيعتبرها دولة "فصل عنصري".

المصدر : فورين بوليسي