نيوزويك: روسيا تسعى لبسط نفوذها بالشرق الأوسط

هدف بوتين الأساسي يتمثل في تشكيل كتلة معادية للولايات المتحدة بالمنطقة وفق تحليل نيوزويك (رويترز)
هدف بوتين الأساسي يتمثل في تشكيل كتلة معادية للولايات المتحدة بالمنطقة وفق تحليل نيوزويك (رويترز)
هل يعتبر النفوذ الأميركي في حالة تراجع بالشرق الأوسط والعالم، وهل تركت الولايات المتحدة فراغا في المنطقة العربية على وجه التحديد، وهل يعتبر التدخل الروسي في سوريا لحماية مصالح موسكو، أم أن روسيا تريد أن تبسط نفوذها في المنطقة لتحل مكان أميركا على المستويين الإقليمي والعالمي؟
في هذا الإطار، نشرت مجلة نيوزويك الأميركية مقالا للكاتب ستيفن بلانك -وهو الباحث في مجلس العلاقات الخارجية- يقول فيه إن الحرب التي تعصف بسوريا منذ سنوات تقترب من إثارة الصدامات المباشرة بين روسيا والولايات المتحدة.

ويقول إنه على الرغم من الحاجة الملحة لفهم أهداف كلا الجانبين فإن سوريا لا تشكل القضية الوحيدة في محور السياسة الروسية بالشرق الأوسط، داعيا الولايات المتحدة إلى ضرورة إدراك أهداف روسيا وفهم الحقائق على الأرض لتتمكن واشنطن من صياغة إستراتيجية متماسكة للمنطقة برمتها.

أما ما يشكل الأولوية بالنسبة إلى موسكو على المستوى المحلي فهو ما يتمثل في الظهور على الدوام كقوة عظمى عالمية يقظة وقوية وقادرة على مواجهة ما تعتبرها تهديدات غربية لتقويض روسيا.

بوتين يلقي خطابا أثناء تفقده جنوده في قاعدة حميميم بسوريا آخر 2017 (رويترز)
بوتين والتنين
ويرى الكاتب أنه يُنظر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصفه المدافع عن روسيا كقوة عظمى محاصرة، وأنه يشبه القديس جورج في قتاله بعزم شديد ضد التنانين التي تواجهه.

أما التنانين التي تواجه بوتين فتتمثل في "الإرهاب الإسلامي" -بزعم الكاتب- وما تعتبره موسكو ترويجا للثورة، في حين تعتبره روسيا ترويجا للديمقراطية.

ويعتبر هذا الهدف ثابتا في طيف السياسة الخارجية الروسية، حيث يحث الكرملين على لعب دور قوي في المجالات ذات الأهمية الحيوية مثل الشرق الأوسط.

وتنطلق السياسة الخارجية الروسية من هذا الأساس، حيث ينبغي النظر إلى روسيا على أنها تتصرف بشكل مساو للولايات المتحدة في إدارة الأعمال الأمنية بالشرق الأوسط.

ويقول إن الهدف هو إجبار الولايات المتحدة على التعامل مع روسيا كقوة متساوية وعظيمة وعالمية، وإن هذا يشمل ضرورة تعاونها مع روسيا في الحرب ضد الإرهاب بحسب شروط ومفاهيم موسكو.

ويوضح أنه في هذا السياق ينبغي لروسيا محاربة الجهود الغربية للإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد ومواجهة التهديد ضد إيران، وأن موسكو تسعى لإيجاد شركاء ضد الولايات المتحدة في المنطقة.

بوتين سعى لسنوات إلى إقامة علاقات شخصية قوية مع أردوغان (الأوروبية)
الخليج وإيران
ويضيف أن هدف روسيا الرئيسي يتمثل في تشكيل كتلة معادية للولايات المتحدة، وأن كون الكتلة الحالية لأصدقاء روسيا -الممثلة في إيران والعراق وسوريا- تشبه إلى حد بعيد جبهة مناهضة كامب ديفد في سبعينيات القرن الماضي ليس أمرا من قبيل الصدفة.

ويعد التعامل الروسي مع السعودية والإمارات أمرا حاسما لعدة أسباب، حيث يجب على موسكو العمل مع هاتين الدولتين لضمان ارتفاع أسعار الطاقة.

كما يعتبر تعامل روسيا مع دول الخليج أمرا حاسما، لأن موسكو تسعى لمنع حدوث صراع بين شريكتها إيران من جهة وهذه الدول السنية وإسرائيل من جهة أخرى.

ويرى الكاتب أن أي صراع بين دول الخليج العربي وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يمكنه أن يعيد الولايات المتحدة إلى الصورة بشكل كبير، وأن يوفر لواشنطن الفرصة المتعثرة منذ 2013، وهي المتمثلة في تطبيق إستراتيجية يكون من شأنها تهميش روسيا.

كما تفسر هذا الاعتبارات جهود موسكو لإقامة علاقات صداقة مع إسرائيل وكذلك مع أعدائها المتمثلين في حزب الله اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

أما السبب الآخر لإبقاء روسيا على علاقاتها مع دول الخليج العربي فيتمثل في أنه من خلال الدعم الذي تحصل عليه من هذه الدول ومن خلال التجارة والاستثمار فإنه يمكن لموسكو الحصول على التمويل والاستثمار الذي يمكنها من تفادي تأثير العقوبات الغربية.

روسيا استخدمت قاذفات إستراتيجية عملاقة من طراز توبوليف تي يو22 إم3 في قصف سوريا (رويترز)
تركيا والناتو
كما أن تركيا كانت بمثابة المنارة التي ترشد بوتين إزاء سياساته في الشرق الأوسط، فقد سعى لإصلاح العلاقات الروسية التركية، كما أنه عازم على محاولة خفض أو حتى إلغاء التزام تركيا مع حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ويشير التحليل إلى بناء روسيا نفوذا اقتصاديا هائلا في تركيا من خلال مبيعات الطاقة (الهيدروكربونية والنووية) وصفقات الأسلحة، وأن بوتين يقيم علاقات شخصية وثيقة مع الرئيس التركي طيب رجب أرودغان.

وتعتبر تركيا مثالا على سياسة روسيا على النطاق الأوسع في المنطقة، حيث إن التعاملات الخاصة بالطاقة والأسلحة ترتبط ارتباطا إقليميا باتفاقات تسمح لموسكو بالوصول إلى الموانئ والقواعد البحرية والجوية وغيرها من المرافق التي تتحول مرارا إلى قواعد روسية.

وبالإضافة إلى القاعدة الروسية في طرطوس بسوريا فإن موسكو تسعى لإقامة قواعد عسكرية لها في مصر وليبيا والسودان واليمن، كما أنه يمكنها على ما يبدو الوصول الجوي إلى قاعدة همدان بإيران.

قواعد عسكرية
وتوفر هذه القواعد العسكرية لروسيا فرصة إبراز القوة العسكرية في بلاد المشرق ومنطقة البحر المتوسط وكذلك إمكانية قطع وصول الناتو إلى البحر الأسود وردع قدرة الحلف عن إطلاق عملياته في الشرق الأوسط أو ضد روسيا من المتوسط إلى البلقان.

ويرى أن ضم روسيا شبه جزيرة القرم في 2014 جعل نشر موسكو قواتها في البحر المتوسط والشرق الأوسط تكملة حتمية، وذلك كما كان عليه الحال بشكل تاريخي.

ويقول الكاتب إنه لا يمكن للولايات المتحدة تحدي رغبة روسيا في الحصول على مركز بسوريا فحسب، بل ينبغي لواشنطن مواجهة موسكو على المستوى الإقليمي من خلال إستراتيجية متماسكة، وإن هذا هو ما لا تتصف به إستراتيجية ترمب في المنطقة.

ويختتم بأنه ما لم تدرك الولايات المتحدة أهداف روسيا الخارجية بشكل عام فإن خلق نظام من هذه الفوضى يبقى على المستوى العملي أمرا مستحيلا.
المصدر : الجزيرة,نيوزويك