"صفقة اليمامة".. كيف انقلبت الطاولة على المحققين؟

"صفقة اليمامة".. كيف انقلبت الطاولة على المحققين؟

الأمير بندر بن سلطان شغل مناصب متعددة بينها سفير بلاده في واشنطن (أسوشيتد برس)
الأمير بندر بن سلطان شغل مناصب متعددة بينها سفير بلاده في واشنطن (أسوشيتد برس)
ما قصة "صفقة اليمامة"؟ وهل تلقى أمير سعودي أو أكثر رشاوى بالمليارات لإبرامها؟ وما مدى كون الأمير بندر بن سلطان بريئا من المزاعم التي تدور في هذا السياق؟ وما قصة المذكرة السرية المسربة التي قلبت الطاولة على المحققين؟ وكيف تتم تبرئة ساحته؟ وماذا يقول مكتب المحاماة الذي أوكله الأمير بندر؟

تقول صحيفة غارديان البريطانية إن مكتب محاماة أميركي أحدث تغييرا جوهريا في التحقيقات المتعلقة بصفقة الأسلحة التي تم إبرامها بين شركة "بي أيه إي سيستمز" البريطانية لصناعة الأسلحة والسعودية أواخر 1985.

وتضيف في تقرير -اشترك في كتابته كل من كلايتون سويشر وإوين ماكاسكيل وروب إيفانز- أن مذكرة سرية مسربة تكشف عن أن حملة ضغط سرية أسفرت عن التخفيف من حدة نتائج التحقيق الذي تجريه الولايات المتحدة بخصوص الرشوة المزعومة في صفقة الأسلحة بين السعودية وبريطانيا، التي تجاوزت قيمتها 43 مليار جنيه إسترليني (نحو ستين مليار دولار أميركي).

وتقول الصحيفة إن المذكرة السرية -التي حصلت على نسخة منها- توفر رؤية نادرة للمفاوضات من وراء الكواليس التي تجري بين مكتب المحاماة الأميركي -الذي قام أمير سعودي بتوكيله- ووزارة العدل الأميركية.

تيريزا ماي تستقبل محمد بن سلمان في داونينغ ستريت بلندن (رويترز)

كواليس وابن سلمان
وجرت المفاوضات في هذا الصدد في الفترة التي سبقت استكمال وزارة العدل الأميركية في 2010 تحقيقا في الصفقة المبرمة بين السعودية وأكبر شركة أسلحة في بريطانيا.

ويتفاخر مكتب المحاماة -الذى يتخذ من واشنطن مقرا له- في المذكرة بأنه انتزع سلسلة من التنازلات من المحققين، مما أدى إلى إزالة تفاصيل محرجة محتملة من وثيقة رسمية تُعلن استنتاجاتهم.

وتلقي المذكرة ضوءا جديدا على واحدة من صفقات الأسلحة الأكثر إثارة للجدل في التاريخ، وتؤكد الوقت والجهد المبذولين لمنع الإفصاح عن أي مواد قد تضر علاقة الغرب مع السعوديين.

وتعود هذه العلاقة إلى الضوء مرة أخرى الأسبوع  الجاري، في ظل زيارة ولي العهد السعودي  محمد بن سلمان إلى بريطانيا، حيث يلتقي خلالها رئيسة الوزراء تيريزا ماي في داونينغ ستريت.

وتشير الصحيفة إلى أن ابن سلمان كان بدأ في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ما تم تصويرها على أنها حركة لاستعادة مليارات الدولارات التي تجمّعت عن طريق الفساد.

ويُزعم أن أميرا سعوديا واحدا -على الأقل- كان من بين ثلاثين من كبار السعوديين الذين اعتقلهم ابن سلمان في فندق ريتز كارلتون في الرياض، كان قد تسلم رشوة في صفقة الأسلحة.

تفاصيل سرية
وسعت السعودية منذ فترة طويلة إلى الاحتفاظ بتفاصيل سرية عن صفقة الأسلحة المعروفة باسم "صفقة اليمامة" التي تضم طائرات ومعدات عسكرية أخرى.

وتظهر المذكرة المسربة المؤرخة في يناير/كانون الثاني 2010 كيفية قيام أحد أفراد العائلة المالكة السعودية، وهو الأمير بندر بن سلطان، بتوكيل مؤسسة ضغط يديرها الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي لويس فريه.

ووفقا للمذكرة، فقد كان الأمير بندر "هدفا رئيسيا" لتحقيق من جانب وزارة العدل، بعد أن كشفت غارديان عن أنه تلقى أكثر من  مليار جنيه إسترليني (نحو مليار و389 مليون دولار أميركي) من المدفوعات السرية من شركة الأسلحة البريطانية (بي أيه إي).

ويقول مكتب المحاماة إن عمله "الدؤوب"، بما في ذلك عشرات الاجتماعات والمكالمات وغيرها مع محامي شركة الأسلحة وكبار مسؤولي الحكومة الأميركية، قد أقنع محققي وزارة العدل بإزالة أي شيء يشير إلى الأمير بندر من الوثيقة الرسمية التي تُعلن اختتام التحقيق في الرشوة المزعومة.

بندر بن سلطان أثناء استقباله أحد القادة الأجانب  في الرياض أوائل 2007 (غيتي)

محو الأثر
كما تم حذف أي تفاصيل متعلقة بالمدفوعات الفاسدة المزعومة إلى الأمير بندر من مسودة الوثيقة؛ مما جعل مكتب المحاماة "فريه سبوركين آند سوليفان" (إف إس إس) يدعي أنه حقق "نتيجة ملحوظة" تتمثل في تمكنه من محو أي أثر يتعلق بالأمير بندر.

ويقول مكتب المحاماة في المذكرة إنه حصل على سلسلة من الانتصارات من المحققين، وصلت لدرجة تمكنه من إبراء ساحة الأمير بندر والحفاظ على السمعة الجيدة للأمير والسعودية.

وأشاد المكتب بالتسوية التي تمكن من إنجازها بقضية شركة الأسلحة، حيث أحدث تغييرا جوهريا فيها، وتمكن من عكس الخطة الأصلية للمحققين.

وردا على سؤال بشأن محتويات المذكرة، قال مكتب المحاماة إنه في حين تم الإعلان عن أن "فريه سبوركين آند سوليفان" يمثل صاحب السمو الملكي الأمير بندر في ما يتعلق بقضية شركة الأسلحة، فإن المكتب يمتنع عن التعليق، وذلك لأنه يأخذ امتيازات العميل على محمل الجد.

اعتراض وتحذير
ويضيف المكتب أنه غني عن القول إنه لم يسبق للأمير بندر أن اتهم من جانب أي سلطة حكومية، بما في ذلك وزارة العدل الأميركية، إزاء أي انتهاك للقانون أو اللوائح المرعية أو أي معيار آخر للسلوك القويم، بل على العكس من ذلك؛ فقد كان الأمير بندر موظفا عاما مخلصا ومتفانيا طيلة حياته للسعودية، وصديقا وحليفا عظيما للولايات المتحدة.

وتضيف الصحيفة أن مكتب المحاماة يقول إنه يعترض إزاء مدى دقة ما نشرته بشأن المذكرة، وأنه يحذر من أن "النشر قد يخلق سببا للمطالبة بالتشهير".

وتستدرك بأن المكتب لم يرد عندما سُئل عما هو غير دقيق على وجه التحديد في هذا السياق.

وتمضي غارديان بسرد المزيد من التفاصيل المتعلقة بالمذكرة السرية المسربة وبصفقة اليمامة، وما تثيره  منذ إبرامها في 1985 من ضجة وجدل واسعين في الأوساط الدولية، خاصة لدى بريطانيا والولايات المتحدة والسعودية، وذلك في ظل التحقيقات بمزاعم دفع المليارات من الرشاوى والفساد المتعلقين بالاتفاقية.

وتشير المذكرة إلى أن التسوية تقتضي ذكر اسم "مسؤول سعودي"، دون أي إشارة لكون هذا المسؤول هو الأمير بندر، ولكن إلى أمير سعودي آخر.

المصدر : الجزيرة,غارديان