ليبيا و"ألغام" ما بعد الثورة

ليبيا و"ألغام" ما بعد الثورة

أحد خبراء الألغام بصدد تفكيك لغم بأدوات بسيطة (الصحافة الفرنسية)
أحد خبراء الألغام بصدد تفكيك لغم بأدوات بسيطة (الصحافة الفرنسية)

"تعال إلى هنا يا شاهد، ارتد سترتك.. لقد تلقيت اتصالا هاتفيا للتو.. علينا تفقد أحد المنازل قبل دخول أصحابها، إنهم بانتظارنا".. هكذا تحدث عبد السلام المسماري قبل أن يصعد إلى سيارته الرباعية الدفع لبدء مهمة جديدة لنزع الألغام في مدينة بنغازي شرقي ليبيا.

ارتدى المسماري ذو القامة الطويلة والشعر القصير، بزّة طيران ذات لون أخضر فاتح، وبعين واحدة بعد أن فقد عينه الأخرى بشظية في الحرب، يسرع قائد وحدة الهندسة العسكرية المسؤول عن إزالة الألغام، عبر الطرق المتفرقة في بنغازي نحو وجهته المحددة، الواجهة البحرية و"سوق الحوت" الذي كان قلب المدينة النابض وتحوّل الآن إلى حي مقفر وخطير كمكان أشباح.

فجأة يبطئ المسماري السرعة، تلوح من بعيد واجهات منفجرة، ركام من الحجارة والخردة، مركبات تحولت إلى إطارات، جدران حوّلتها القنابل إلى السواد، أسمال بالية، كتب، أوراق، بعض اللعب، وعلامات بسيطة من حياة سحقتها الحرب.

عناصر من فريق تفكيك الألغام في بنغازي أثناء مهمة لهم قبل شهر (رويترز)

مهمة صعبة
يبدأ المسماري ورجاله الأربعة مهمة تفكيك الألغام، تتمثل معداتهم في السكاكين، والآلات القاطعة، والكماشات الصغيرة لقطع الكبلات المتصلة بالمتفجرات، وهي معدات غير كافية.

"هذا كل ما لدينا، نتفحص الألغام بأعيننا وتجربتنا وبعون الله.. إنها مهمة مجنونة، مهمتنا مهمة انتحارية"، يقول المسماري لمراسل صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية باستنكار وهو يواصل سيره في زقاق محطم.

وبسبب كل هذه المخاطر لم يبق في مجموعة تفكيك الألغام سوى 13 شخصا بعد أن كانت تضم في بداية الحرب 135 شخصا. وبخيبة أمل يقول المسماري إن 25 من رفاقه قتلوا بينما أصيب ستون آخرون بجراح تمنعهم من مزاولة العمل الميداني.

وفي العام الماضي أودت الألغام بحياة مئتي شخص من المدنيين، بينما تبدو بنغازي مدينة محطمة بعدما دمرت 40% من بنيتها التحتية وتضررت المباني بسبب المعارك.

في نهاية الشارع، يقف شابان أخوان بانتظار إزالة الألغام، أما شقيقتهما الكبرى التي غطت ملامح وجهها، فقد توارت لدى الجار الذي تشظى منزله إلى نصفين.

"كان علينا المغادرة في 2006 بسبب ذروة القتال، هذه المرة الأولى التي نعود فيها، لكننا لم نجرؤ على دخول ديارنا"، يقول مالك (17 عاما) بصوت خجول.

آثار الحرب بدت واضحة على منازل بنغازي (رويترز)

تفتيش وخراب
يدفع المسماري الباب، يتحرك بحذر على ضوء هاتفه المحمول، يتبع رجاله خطواته.. على الأرض تنتشر القمامة، وشظايا الجدران والسقوف، بينما تنتشر الكبلات في كل مكان، بما يمثل خطرا على مفككي الألغام.

"كل شيء يمكن أن يحمل لغما، قد يكون علبة، تلفزيونا، سريرا، أريكة، لعبة، يمكن أيضا أن تخفي الأرضية متفجرات عن طريق وضعها تحت قطع خشبية أو سجادة أو كومة من الحجارة، ولكن في كل مرة، يتم توصيل القنبلة إلى جهاز تفجير بواسطة سلك. هذا هو ما نبحث عنه" كما يقول المسماري.

وبينما يواصل شاهد وزملاؤه سحب قطعة خشنة من السجاد، يوضح المسماري أن المشكلة تكمن في أن بعض الأشياء تكون ملغمة مرتين، مما يعني أن لغما يخفي آخر، "وهذا ما أدى إلى وفاة أغلب زملائي".

بعد نصف ساعة من التفتيش، يخرج رجال تفكيك الألغام، في حين يتحدث مسماري إلى الأسرة "جيد، يمكنكم الذهاب، لكن عليكم الحذر على أي حال، لقد قمنا بكل ما في وسعنا، لكننا لا نعرف أبدا ما الذي يمكن أن يحدث".

تردد مالك وعائلته قليلا قبل دخول منزلهم، كانت الصدمة قاسية "لم يبق شيء.. تم تدمير كل شيء.. سيستغرق الأمر منا عدة أشهر لاستعادة المنزل مثلما كان، سد الثقوب، إصلاح السقف، تنظيف الجدران وطلاؤها، إعادة الكهرباء، والسباكة.. يجب أن نعيد شراء الأثاث والملابس والأطباق.. لم يتبق لنا شيء".. يقول مالك ثم ينظر إلى أخيه ويطمئنه بلطف "سترى، سيكون المنزل جيدا كما كان من قبل، بل أفضل حتى".

المصدر : ليبيراسيون