عـاجـل: مراسل الجزيرة: الطيران التابع لقوات حفتر يقصف موقعا تابعا لقوات حكومة الوفاق داخل قاعدة معيتيقة شرق طرابلس

لوموند: الصليب الأحمر جوهرة العمل الإنساني.. هل يحطمه رئيسه؟

مورير تسبب بمنصبه في منتدى دافوس الاقتصادي وصلاته مع بعض الشركات في صدامات سياسية وأخلاقية بالصليب الأحمر (الأناضول)
مورير تسبب بمنصبه في منتدى دافوس الاقتصادي وصلاته مع بعض الشركات في صدامات سياسية وأخلاقية بالصليب الأحمر (الأناضول)

تعيش اللجنة الدولية للصليب الأحمر حامية اتفاقيات جنيف صدامات سياسية وأخلاقية، وذلك على خلفية الشكوك التي تحوم حول رئيسها السويسري بيتر مورير بسبب منصبه في منتدى دافوس الاقتصادي وصلاته مع بعض الشركات.

وفي تحقيق مطول بشأن الموضوع أجرته صحيفة لوموند الفرنسية يقول الصحفي ريمي أوردان إن أكثر مؤسسة إنسانية على وجه الأرض عراقة تعيش حالة اضطراب، ففي قرن ونصف من تاريخها لم يطرح السؤال أبدا "هل رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر صاحب رؤية يحضر المنظمة لحقبة جديدة أم أنه سيحطم جوهرة العمل الإنساني العالمية؟".

وكل هذه القصة وراءها رجل واحد هو بيتر مورير رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ عام 2012 والدبلوماسي الذي خدم سويسرا 15 عاما وعمل في الأمم المتحدة وكان زير الدولة للشؤون الخارجية في بيرن.

وقد استطاع الرجل الذي عجنته الدبلوماسية السويسرية والعمل الأممي أن يضاعف ميزانية المنظمة من تسعمئة مليون يورو إلى 1.8 مليار يورو، ولكنه -حسب الكاتب- يبدو أحيانا وكأنه مدافع عن سويسرا أو يريد تحويل المنظمة إلى أمم متحدة أخرى.

فريدة من نوعها
ومن المعلوم أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر فريدة من نوعها، فهي ليست منظمة دولية كالأمم المتحدة ولا منظمة غير حكومية مثل أطباء بلا حدود ومثيلاتها، بل هي هيئة عالمية بمعنى الكلمة كاملة السيادة على الرغم من أنها ليست دولة، ولها نظامها الخاص، وتعقد الاتفاقيات مع الدول، وهي عضو مراقب في الأمم المتحدة.

تيري جيرمون: اللجنة الدولية أقامت شراكة مع شركة هولسيم بالتزامن مع اندماجها مع شركة لافارج التي كانت وقتها تمول تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا

وهذه المنظمة التي تأسست عام 1863 في جنيف -وفقا لنظامها الأساسي- "غير متحيزة ومحايدة ومستقلة"، ولديها "مهمة إنسانية بحتة لحماية أرواح وكرامة ضحايا النزاعات المسلحة وغيرها من حالات العنف ومساعدتهم".

وقد ساهمت هذه المنظمة في صياغة اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، وأقرها المجتمع الدولي بالإجماع وصية على القانون الإنساني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وتعترف بها كل الدول رسميا، كما أنها تجري مفاوضات مع الدول وتضمن الدول تمويلها.

وتجسد هذه المنظمة "الخير في البشر" بسبب الطابع العالمي لقيمها والتزاماتها لصالح الجرحى في ساحة المعركة وأسرى الحرب وجميع ضحايا النزاعات المسلحة، وبسبب شعاراتها "الرحمة في خضم المعارك" و"بالإنسانية نحو السلام".

وغالبا ما تلعب اللجنة الدولية للصليب الأحمر دورا مركزيا في البلدان التي تشهد الحروب يحظى بإعجاب العاملين الآخرين في المجال الإنساني، فهي أول القادمين وآخر المغادرين لساحة الحرب، ولدى مندوبيها حق الوصول إلى ساحة المعركة والدخول إلى السجون، ويتم استقبالهم من قبل رؤساء الدول وأمراء الحرب على أساس علاقة الثقة والسرية.

رسالة غير متوقعة
تتفاجأ هذه المنظمة ومعها جنيف كلها حين يكتب المندوب المتقاعد تيري جيرمون الذي خدم المنظمة بإخلاص على مدى 35 سنة رسالة إلى رئيسها ليبدي قلقه بشأن "الحماية والمصداقية واحترام المبادئ الأساسية" للصليب الأحمر قائلا إن "منصبك في مجتمع الأعمال يبدو مناقضا لما يتوقع من اللجنة الدولية للصليب الأحمر".

ففي رسالته الأولى في 28 أغسطس/آب 2015 استغرب جيرموند بشدة أن يكون رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر عضوا في منتدى دافوس، معتبرا أن ذلك يضعف لديه مفاهيم الحياد والنزاهة التي تشكل حجر الزاوية في خصوصية اللجنة الدولية.

وبعد شهر كتب جيرمون إلى الأعضاء الفخريين في مجلس إدارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر -وهي هيئة الحكم التي يختار لها 15 أو 25 مواطنا سويسريا- يقول إن "العديد من أعضاء المنتدى الاقتصادي يمثلون القوى الاقتصادية المسؤولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن معاناة ضحايا النزاعات الذين تسعى اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مساعدتهم".

وأضاف "لا يمكنني أن أتخيل أن مجلس إدارة المنظمة على علم تام ويقبل أن يكون رئيسه عضوا في مجلس إدارة منظمة أخرى تضم بين أعضائها صناع السلاح الرئيسيين في هذا الكوكب".

وينبه جيرمون إلى نتيجتين محتملتين لازدواجية مناصب مورير متسائلا "هل يستطيع رئيس اللجنة الدولية تولي قيادة حملة أو المشاركة فيها بهدف حظر بعض الأسلحة التي طورها أحد أعضاء منظمته"، مؤكدا أن "هذا الالتزام لا يضر بمصداقية المؤسسة بشكل خطير فحسب، بل يهدد السلامة الجسدية لمندوبيها على الأرض".

وعلى الرغم من أن مورير أوضح أن مشاركته في المنتدى الاقتصادي جزء من إستراتيجية لتنويع اتصالات اللجنة وتوسيع نطاق دبلوماسيتها الإنسانية فإن جيرمون لم يتوقف حيث كان يأمل رئيس الصليب الأحمر، بل بدأ في تحقيق لديه الوقت والوثائق لإعداده.

الجلوس مع صناع الأسلحة
يقول المندوب المتقاعد الغاضب "من المخيف أن يجلس رئيس اللجنة الدولية في منتدى دافوس مع جميع صناع الأسلحة في العالم"، ومن المخيف أكثر -كما يقول- أن يجلس مع شركات تصنيع القنابل العنقودية المحرمة دوليا.

وكان جرس الإنذار بالنسبة لجيرمون مقابلة لمورير يقول فيها إنه التقى في دافوس بأحد عملاء البنوك السويسرية "وقدم له شروحا مفيدة لفهم المناخ الاستثماري ونوع السوق في هذا البلد أو ذاك"، وأن اللجنة الدولية تتعاون أيضا "مع نحو 15 شركة".

ويقول جيرمون إن ما يزعجه ليس فقط وجود مورير في الهيئات الإدارية للمنتدى الاقتصادي المفاجئ، بل ما قام به من تلويث اللجنة الدولية نفسها، إما عن طريق جلب رجال أعمال مثيرين للجدل إلى الجمعية العامة أو عن طريق تكوين شراكات محفوفة بالمخاطر.

ويوضح أن "اللجنة الدولية أقامت شراكة مع شركة هولسيم بالتزامن مع اندماجها مع شركة لافارج التي كانت وقتها تمول تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا".

الابتعاد عن الحياد
وكجزء من مهامهم، كان مندوبو اللجنة الدولية في حوار مع تنظيم الدولة، وهو أمر طبيعي، لكن في الوقت نفسه يطالعنا دافوس بتقرير بعنوان "ثلاث طرق لهزيمة داعش"، بعيدا عن الحياد الذي تطالب به اللجنة الدولية.

ووفقا لجيرمون "هذه هي المرة الأولى في تاريخ اللجنة الدولية التي تؤكد فيها فكرة قصف أحد المتحاربين أيا كانت طبيعته من قبل سلطة رئيسها".

وفي نيجيريا، بمناسبة زيارة بعد الإفراج عن تلميذات اختطفن من قبل جماعة بوكو حرام يتوق مورير إلى شراكة مع شركة لافارج أفريقيا "لتعزيز موقف لافارج في سوق الإسمنت في شمال شرق نيجيريا".

فريق الصليب الأحمر الدولي يساعد في انتشال ضحايا طائرة شركة ليون الإندونيسية التي تحطمت مؤخرا (الأناضول)

ويعدد جيرمون مواقف عدة لمورير لا يراها تتلاءم مع منصب رئيس اللجنة الدولية للصليب، مثل حضوره في دبي وإشادته بـالإمارات التي هي شريك في حرب اليمن، ومنها حضوره عرضا عسكريا بمناسبة انتصار الصين، حيث لا تتمكن اللجنة من الوصول إلى محتجزي اليوغور أو التبت أو المعارضين السياسيين، إلى غير ذلك.

وعقب تحذيرات جيرمون نقل ثلاثة أعضاء فخريين من مجلس اللجنة الدولية هذه الأسئلة إلى الرئيس، وقالوا إن "رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا يمكن أن يكون إلا رئيسا للجنة الدولية للصليب الأحمر"، وإنه "ظل يرفض" دائما المشاركة في المنظمات الأخرى، بل إنه "استقال من منصب رئيس مؤسسة عائلية"، ولكن حلفاء مورير في الجمعية هاجموا هؤلاء الأعضاء.

بعد ذلك، في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2016 أرسل 25 من زملاء جيرمون السابقين -بمن فيهم مدير عام سابق وثلاثة مديرين سابقين للعمليات ومندوبون بارزون- رسالة إلى مورير عبروا فيها عن "استيائهم العميق"، مذكرين بأن أحد المبادئ الأساسية السبعة للجنة الدولية ينص على أنها "تمتنع عن المشاركة في الأعمال العدائية"، وطبقا لذلك المبدأ يؤكدون أن "رئيس اللجنة الدولية لا مكان له في منتدى دافوس".

ولاية سرية
وعلى الرغم من أن أعضاء اللجنة الدولية اطمأنوا -بعد اجتماع معهم- إلى أنهم سيستشارون قبل إعادة تعيين مورير في المنتدى الاقتصادي العالمي فإن ولايته تم تجديدها في يونيو/حزيران 2017 في جلسة مغلقة، بعد أن ظلت ولايته الأولى سرية لمدة عام قبل أن تصدق عليها الجمعية بأثر رجعي.

وقال المندوب السابق نيكولاس بورسينغر "حاول مورير إخفاء دوره في المنتدى الاقتصادي عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر بطريقة عديمة النزاهة، ومن النادر أن تكون الأجندات الخفية بريئة".

ويقول مدير العمليات السابق أندريه باسكيير الذي ينسق عمل مجموعة الـ25 "لقد أصبحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وكيلا لعمليات المنتدى الاقتصادي العالمي والشركات الشريكة".

وتنتشر ملاحظات من قبيل "إن عضويته (مورير) في المنتدى الاقتصادي العالمي غير متوافقة مع وظيفته كرئيس للجنة الدولية للصليب الأحمر، وإن مشاركة الرئيس في المنتدى الاقتصادي العالمي لن تجلب أي فائدة لضحايا النزاعات، وإن المخاطر والعيوب والانتقادات أكثر أهمية من الفوائد، وهذا يقوض مصداقية وسمعة اللجنة الدولية".

اتصالات خطرة
وفي سويسرا، ظل الجمهور بعيدا عن هذا الجدل حتى نشر صحفي في لوتان مقالا عن الموضوع بعنوان "علاقات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الخطرة" أثار فيه تساؤلات جيرمون والأعضاء الـ25.

ولكن حتى الحين لا وجود لردود فعل قوية، وقد يعود ذلك إلى أن المنظمة لم تعد تدار عن طريق إدارة العمليات بل على الميدان، حيث موظفون بيروقراطيون لم يعملوا في ظروف الحرب، ومعظمهم يدينون بالولاء لمن يدفعون لهم.

وبالنسبة إلى المدير العام للجنة الدولية إيف داكورد فإن "فترات الشك الكبيرة أمر طبيعي عند استكشاف طرق جديدة، كل شيء متعلق بالقطاع الخاص يعتبر معقدا، لقد وضعنا أنفسنا للتأثير على جدول أعمال دافوس".

ويرد مدير العمليات دومنيك شتيلهت على داكورد بقلق "نحن نقيم المخاطر، أنهينا الشراكة مع لافارج وهولسيم في اليوم الذي علمنا فيه بما حدث في سوريا"، ويضيف "فرق العمليات في جوهرها ناقدة للغاية للشراكات الخطرة".

طريق مسدود
وبالنسبة إلى المناهضين لمورير فإن الطريق مسدود، وتقول مارغريت كونتات "إن رد فعل حكومة اللجنة الدولية على عمليات الاعتقال لدينا غير مقبول، وقد وقفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع الأقوياء الذين يمتلكون القوة النارية والقوة الاقتصادية". ويقول سيرجي نيسي "مع مورير يبدو الأمر كما لو أن الكنيسة قد تخلت عن الوصايا العشر".

ويرى نيكولاس بورسينغر أن "هذه ليست معركة بين القديم والحديث، ولكن المواجهة بين الواهمين والواقعيين، ما يصيبني بالقلق هو أننا ننتقل من لجنة الصليب الأحمر المقدسة التي لا يمكن المساس بها إلى لجنة الصليب الأحمر الدولية التي تدور في الوحل".

في داخل المنظمة الملاحظات شبه متطابقة، فكلهم يرون اللجنة الدولية للصليب الأحمر منظمة رائعة ويخشون اختراقها، مما ساهم في قتل الاحتجاج الداخلي، كما يقول أحدهم دون ذكر اسمه.

ويتساءل الجميع عما يجعل بيتر مورير -الذي رفض إجراء مقابلة مع الصحيفة- غير عابئ بالنقد "بيرن حلت محل جنيف على رأس اللجنة الدولية للصليب الأحمر كما يعتقد أحد المندوبين، ومورير يلعب دورا سياسيا".

السبب الحقيقي
الأموال الخاصة تمثل أقل من 5% من ميزانية اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والسبب الحقيقي وراء تصرفات مورير هو تعزيز مصالح سويسرا والاقتصاد السويسري كما يقول جيرمون، مستنكرا ما سماه "انحرافا خطيرا وخيانة".

ويقول الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود روني برومان إن "اللجنة الدولية تواجه انحرافا غير عادي في عالم العمل الإنساني"، مضيفا "الأكثر إشكالية هو خفاء التزامات الرئيس وعدم الحوار الداخلي، يبدو أن مورير قد أضعف مهمات اللجنة الدولية التاريخية لصالح المشاريع التي يصعب تمييز منطقها، جيرمون والـ25 يقومون بمحاولة يائسة لإنقاذ اللجنة الدولية".

وفي جنيف قد ينتهي وقت الصمت، ففي كتابه الذي نشر في أكتوبر/تشرين الأول يقول الفقيه السويسري ديك مارتي "يؤسفني أن رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد قبل أن يكون جزءا من مجلس إدارة منتدى دافوس".

ودعا سويسرا إلى "اتخاذ مبادرة سياسية"، وسيتم طرح سؤال للحكومة بشأن الأزمة التي تمر بها اللجنة الدولية في البرلمان الفدرالي في ديسمبر/كانون الأول، الأعضاء يريدون فتح النقاش.

بالنسبة لتيري جيرمون رائد المتحدين، فإن التغيير غير المحتمل للرئيس لن يحل المشكلة بالكامل، بل "يتطلب الأمر بادرة جذرية، يجب على الجمعية بأكملها الاستقالة، هناك حاجة إلى هيكل مؤقت للمندوبين والمندوبين السابقين والشخصيات المستقلة حقا لفتح المناقشة واختيار نظام حكم جديد للجنة الدولية".

المصدر : لوموند