هيروشيما الذرية.. حكاية مأساة تأبى النسيان

جلسة في مطعم بهيروشيما قرب المكان الذي سقطت به قنبلة ذرية قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية
يعد فوتاغاوا أحد أصغر الهيباكوشا أو الناجين باللغة اليابانية من القنبلة الذرية (لوس أنجلوس تايمز)

درج المواطن الياباني كازوهيكو فوتاغاوا على الجلوس مرة كل شهر طوال العام المنصرم في مقهى يقع على بعد أمتار قليلة من المكان الذي أسقطت فيه الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما قبيل أن تضع الحرب الكونية الثانية أوزارها لتحيل والده إلى رماد.

مقهى سوشيال بوك كافيه يحتوي على بضع طاولات تعد على الأصابع ليشيع جواً من الألفة والحميمية مما يساعد الرواد على إجراء أحاديث خافتة والتأمل بهدوء.

وفي أحد أيام أكتوبر/تشرين الأول الماضي جلست على طاولة فوتاغاوا عائلة أميركية يحدوها شغف لسماع درس من التاريخ، وهي مكونة من جودي وزوجها سابرستاين اللذين ولدا بُعيد الحرب العالمية الثانية، حيث يقيمان مع ابنهما بقاعدة إيواكوني الجوية التابعة لسلاح البحرية الأميركي.

عرفت العائلة الأميركية للوهلة الأولى من الجلسة أن القنبلة الذرية التي سقطت على هيروشيما أزهقت أرواح ما بين 60 ألفا و80 ألف شخص وعشرات الآلاف ممن لقوا حتفهم جراء الإشعاعات النووية بعد ذلك.

يُعد فوتاغاوا أحد أصغر الهيباكوشا (الناجين باللغة اليابانية) من القنبلة الذرية. وهو الآن واحد من 18 هيباكوشا دأبوا على إجراء ثلاثة حوارات فردية شهريا مع الرواد الأجانب -واحد منها بالإنجليزية- وذلك منذ أن افتتح ذلك المقهى العام الماضي.

لقيت شقيقة فوتاغاوا (13 عاما) ووالدها مصرعهما حال سقوط القنبلة الذرية على مدينتهم في الثامنة والربع صباحا بالتوقيت المحلي يوم السادس من أغسطس/آب 1945.

وكان والده وشقيقته قد وصلا للتو لمقر عملهما عندما أسقطت قاذفة القنابل بي-29 إينولا غاي القنبلة ليتل بوي (الولد الصغير) على هيروشيما صبيحة ذلك اليوم.

واليوم التالي، شرعت أمه الحامل بحثها المضني عن زوجها وصغيرتها أكبر أبنائها الثلاثة. وظلت تنبش لأيام في ركام الأبنية التي سويت بالأرض غير آبهة بسخونتها، وعند ضفتي النهر وإحدى الجزر القريبة من المدينة التي نُقل إليها آلاف الجرحى.

ولكنها لم تعثر على أي أثر لجثتيهما، فوجدت في النسيان أفضل ملاذ. وبعد ثمانية أشهر، أي بالرابع من أبريل/نيسان ذلك العام، رأى فوتاغاوا النور.

يقول المواطن إن أحدا لم يخبره بحكاية أسرته مع القنبلة أو مصير والده وشقيقته إلى أن بلغ سن الرشد. حتى والدته التي توفيت عام 2000 لم ترو له ما حدث قط. وتحملت خالته وابن خالته عبء إبلاغه بما جرى وهو بالعقد الرابع من عمره.

وبعد أربع سنوات عثر فوتاغاوا على متاع يخص والدته وكنزة خضراء في لفافة من ورق سيقان الأرز أثناء بحثه في خزانة ملابس. وعندما وقعت عيناه على ذلك المتاع داهمه شعور الألم والحسرة.

كانت الكنزة الخضراء شبيهة بتلك التي كانت لشقيقته المتوفاة ترتديها عند ذهابها للعمل بأحد المصانع صبيحة اليوم الذي سقطت فيه القنبلة.

وتساءل فوتاغاوا وقد علت محياه الدهشة "لماذا تحتفظ أمي بتلك الكنزة؟ لماذا لم تتحدث معي عن كل شيء؟".

‪هيروشيما بعد إلقاء القنبلة عليها‬  هيروشيما بعد إلقاء القنبلة عليها (مواقع التواصل)
‪هيروشيما بعد إلقاء القنبلة عليها‬  هيروشيما بعد إلقاء القنبلة عليها (مواقع التواصل)

لكنه بدأ يدرك الآن السبب. قال فوتاغاوا لضيوفه وهو يريهم الصورة "إن هذه الكنزة الصغيرة تروي كل شيء عن القنبلة التي تسببت في مآسٍ يعجز عنها الوصف".

لقد كانت هي كل ما بقي من أثر احتفظت به والدته لابنتها. لقد عجزت الأم عن رواية ما جرى ذلك اليوم فقد أثقلت الفاجعة كاهلها فآثرت إخفاءها عنه.

وفي الآونة الأخيرة، رأى فوتاغاوا ناجين من الكارثة وقد بلغ بهم العمر عتياً واستسلم بعضهم لأمراض ناجمة عن تعرضهم للإشعاع النووي، فانتابته خشية من أن تندثر بوفاتهم قصة القنبلة الذرية.

غير أنه قال "يجب ألا ندع الدروس المؤلمة الناجمة عن القنبلة الذرية والحرب تأفل بمرور الزمن".

ولذلك فهو يجلس في المقهى مرة كل شهر في انتظار من يصغي إليه وهو يحكي قصة القنبلة التي أحلت حياة مدينة بأكملها إلى جحيم أبدي.

المصدر : لوس أنجلوس تايمز