كاتب فرنسي: هل كان السيسي وصوليا مخادعا أم نتاج أزمة مصر؟

السيسي يرى نفسه تجسيدا معاصرا لعظمة مصر (مواقع التواصل)
السيسي يرى نفسه تجسيدا معاصرا لعظمة مصر (مواقع التواصل)

أليس "الرجال الأقوياء" هم في الغالب من الضعفاء غير القادرين على الحكم؟ ألا يدعون أنهم يجسدون عظمة بلدانهم لكنهم في الواقع يمثلون مصيبة شعوبهم في المقام الأول؟ على الأقل، هذا ما خلص إليه أستاذ العلوم السياسية في باريس جان بيير فيليو، عندما كتب سيرة المشير عبد الفتاح السيسي.

وفي هذه السيرة التي نشرها معهد مونتين في فرنسا، يبدأ الكاتب من الدهشة التي عمت الجميع في ذلك اليوم الذي شهد ترقية -من سيصبح فيما بعد الرئيس المصري- عبد الفتاح السيسي، وتعيينه وزيرا للدفاع خلفا للمشير طنطاوي الذي شغل المنصب أكثر من عشرين سنة.

كانت هذه خطوة غير متوقعة بالنسبة للجنرال البالغ من العمر 57 عاما، والذي كان حتى ذلك الحين يشغل منصب مدير الاستخبارات العسكرية، ولكن توجّس الرئيس الجديد المنتخب محمد مرسي من جنرال الجيش أوحى إليه بهذه الخطوة من أجل ضمان ولاء القوات المسلحة للحكومة، مما أثار ضجة في الصحافة الدولية حول وزير الدفاع "الإخواني".

ولكن بعد عام، أطاح السيسي بمرسي وسحق بعنف احتجاجات الإخوان المسلمين، وبعد أن ادعى زهده في السلطة، رتّب بطريقة منهجية انتخابه رئيسا للجمهورية في مايو/أيار 2014، حين فاز بنسبة 97% من الأصوات، قبل أن يعاد انتخابه بالنسبة نفسها سنة 2018.

أما السؤال المثير في كل هذا فهو: هل كان السيسي مخادعا وطموحا بشكل خاص أم لا؟ وهل أخفى مناوراته للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها بأي ثمن؟ أم أن وصوله كان مجرد نتيجة للأزمة الطويلة التي دخلت فيها مصر منذ الانتفاضة الشعبية على دكتاتورية مبارك؟

تسلق السلم
اختار عبد الفتاح السيسي مبكرا مهنة العسكرية، وهي طريقة ممتازة لتسلق السلم الاجتماعي المليء بالعقبات في مصر، فهو واحد من 14 طفلا لصاحب متجر عمل في منطقة خان الخليلي السياحية بالقاهرة، نشأ في بيئة محافظة حيث كان الأولاد والبنات يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب.

تخرج السيسي في الأكاديمية العسكرية في سن الثالثة والعشرين، وتزوج من إحدى بنات عمه، وقد أثارت حقيقة أن زوجته محجبة الكثير من الشائعات حول "إسلامية" زوجها.

وفي عام 1977، راهن الرئيس السادات بجرأة على السلام مع إسرائيل، وهو تحول إستراتيجي دفع مصر وجيشها إلى ترك المدار السوفياتي والتحالف مع الولايات المتحدة، وهكذا أفسحت "الاشتراكية العروبية" -التي كانت تحظى بشعبية كبيرة أيام جمال عبد الناصر- المجال لليبرالية جامحة.

وفي عام 1981، خلف حسني مبارك السادات الذي اغتيل في عرض عسكري، وبمجرد توليه السلطة قام بتدعيم تحالف مصر مع الولايات المتحدة، خاصة بانضمامه عام 1990 إلى التحالف الذي تقوده واشنطن بهدف تحرير الكويت.

وفي عام 1991، شارك السيسي -وهي مشاركته الفعالة الوحيدة في العمليات العسكرية- ضمن الوحدة المصرية في الكويت، وإن كانت هذه المشاركة تحت زعامة المملكة العربية السعودية الرسمية وقيادة العمليات الأميركية.

وفيما عدا ذلك، لم يشارك السيسي في أي عملية قتالية، بل في بعثات إلى الرياض ودورات تدريبية عبر المحيط الأطلسي، خاصة حين أصبحت القوة المصرية تعتمد على سخاء واشنطن (1.3 مليار دولار سنويا) والدول النفطية.

أما داخل التسلسل الهرمي العسكري المصري القائم على الزبونية، فقد وضع السيسي نفسه تحت حماية الجنرال فريد التهامي مدير المخابرات العسكرية أولا، ثم رئيس "هيئة الرقابة الإدارية" التي كان يخشاها الجميع لأنها مسؤولة عن قضايا الفساد.

سهر هذا الأب الروحي بعناية على مسيرة السيسي الذي كان آنذاك قائد فرقة المشاة الميكانيكية، قبل أن يتوجه إلى المنطقة العسكرية الشمالية ويصبح بدوره -في عام 2010- مدير المخابرات العسكرية.

ومع أن المخابرات العسكرية هي الأقل بين مجتمع المخابرات المصرية، فإن السيسي استطاع تطوير شبكات نفوذه الخاصة داخل القوات المسلحة التي كانت قلقة للغاية بشأن احتمال خلافة جمال مبارك لوالده.

هذا التوتر بين رئيس الدولة والمؤسسة العسكرية يفسر لماذا لم يتردد الجيش في الإطاحة بمبارك في فبراير/شباط 2011، من أجل تهدئة غضب الناس، إذ إن ما حدث من الناحية الفنية كان انقلابا، أداره المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي مارس السلطة التنفيذية بشكل جماعي.

حوادث دموية
وفي خريف 2011، وقعت عدة حوادث دموية بين المتظاهرين والشرطة، رد بعدها السيسي بقسوة على وفد المعارضة المحتج بأنه سجل خسائر أكبر في مناورة عسكرية بسيطة في الصحراء، مما كشف ازدراءه العميق لحياة مواطنيه، خاصة عندما يتجرؤون على النزول إلى الشوارع.

عبد الفتاح السيسي يؤدي اليمين الدستورية في 12 أغسطس/آب 2012 وزيرا للدفاع أمام الرئيس السابق محمد مرسي (الجزيرة)

ومن هذه الحادثة بدأ قناع السيسي ينزلق شيئا فشيئا، وعندما عيّنه مرسي وزيرا للدفاع ثم ضامنا للوحدة الوطنية في مصر، جاءت اللحظة التي ادعى فيها السيسي -على افتراض أنه لم يبدأ في الدسائس من وقت سابق- حياده العام بمهارة، في حين كان يقدم مصالحه الخاصة وراء الكواليس.

عندها أشرف السيسي على حركة احتجاج واسعة ضد مرسي، بلغت ذروتها في نهاية يونيو/حزيران 2013، حين أصدر إنذارا نهائيا لمرسي قبل الإطاحة به وتفريق الجماعات الإسلامية في حمام دم.

وبعد خمس سنوات من الحكم، افتتح السيسي توسعة قناة السويس، مفتخرا بالأداء الصناعي الذي حشد له مؤسسة عسكرية كان من الواضح أنها أكثر فعالية في إدارة المشاريع الكبيرة منها في استعادة النظام العام.

وفي سنوات السيسي، شهدت شبه جزيرة سيناء الإستراتيجية تطوير فرع مصري من تنظيم الدولة الإسلامية، وتمرد مجموعات من البدو، ولا يزال عشرات الآلاف من الجنود في مواجهات هناك.

على عكس عبد الناصر أو حتى السادات، لا يبدو السيسي خطيبا مفوها، ونادرا ما يظهر علنا، حتى في "حملاته" الانتخابية، وغالبا ما يرتبط هذا بالاعتبارات الأمنية

نتائج كارثية
هذه النتائج الكارثية من الناحية الأمنية يصاحبها قمع فاضح للحريات العامة، والدليل عشرات الآلاف من السجناء السياسيين فضلا عن آلاف "المختفين"، إذ يتهم السيسي جميع أشكال المعارضة بأنها "إرهابية"، بدءا من الإخوان المسلمين طبعا، وليس انتهاء بحركات الاحتجاج العلمانية والتقدمية.

وهكذا تتحول مصر التي يحلم بها السيسي إلى مجرد شبح لمصر، ممزقة -في أزمتها البنيوية- بين حلم إظهار القوة وممارسة النفوذ خارج حدودها.

وعلى عكس عبد الناصر أو حتى السادات، لا يبدو السيسي خطيبا مفوها، ونادرا ما يظهر علنا، حتى في "حملاته" الانتخابية. وغالبا ما يرتبط هذا بالاعتبارات الأمنية، خاصة أن الانتخابات الرئاسية عام 2018 كشفت عن وجود توتر قوي داخل الدائرة الحاكمة.

والسيسي بعد كل هذا يرى نفسه تجسيدا معاصرا لعظمة مصر، تتآمر ضده قوى ظلامية، إسلامية وغربية. وكقومي على حافة كراهية الأجانب، احتفى بانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يرتاح بالقدر نفسه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تبادل معه زيارات مفعمة بالحيوية، كما أن قراره الأول بعد توليه السلطة كان إعادة العلاقات الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد الذي كان يعامله دائما باحترام.

غير أن دور القاهرة الثانوي في ليبيا وعدم قدرتها على تحديد مصير غزة، كانا تذكيرا شديدا بإخفاق السيسي ونذيرا بأن وزن مصر لم يعد كما كان.

ومن المحزن بالنسبة للسيسي -المنغمس في التجسس على المؤسسة العسكرية مخافة صعود معارضين، والمشارك والمدبر لانقلابين عسكريين- أنه يدرك هشاشة السلطة حتى لو كانت مطلقة.

المصدر : الصحافة الفرنسية