إندبندنت: الحج رحلة روحية غلبت عليها المادية

المسجد الحرام  قبلة المسلمين (غيتي)
المسجد الحرام قبلة المسلمين (غيتي)
يشرع الحجاج المسلمون هذه الأيام في أداء مناسك فريضة الحج، أكبر تجمع بشري سنوي في العالم، وبعد أن كانت الأعداد لا تتجاوز الثلاثين ألفا في ثلاثينيات القرن الماضي فإنها تصل اليوم إلى أكثر من مليوني حاج هذا العام. 

ويقول الداعية قدري عاصم، إمام مسجد مكة بمدينة ليدز البريطانية، إن تجمع المسلمين من كل حدب وصوب هو ما يجعل للحج هذه الخصوصية الكبيرة. فهو تجربة جماعية وشخصية في الوقت نفسه لا يتبع فيها المسلمون فقط خطى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ولكن أيضا أثر النبي إبراهيم عليه السلام وأسرته التي يبجلها المسلمون واليهود والنصارى على حد سواء.

وبعد شرحه لمناسك الحج وأركانه وأهميته الدينية العظيمة للأفراد والمجتمعات الإسلامية، عبّر الشيخ عاصم عن شعوره بعدم الارتياح مما يرى أنه زحف متزايد للمادية على هذه الشعيرة حيث تتأثر روحانية الحج بهذه المادية المفرطة المحيطة بالمسجد الحرام، مثل برج الساعة الشاهق بأضوائه المتلألئة جاثما على عتبة المسجد الحرام، بينما يحاول الحجاج تكريس أنفسهم لربهم في أبسط الملابس والرؤوس منحنية تواضعا.

المباني الشاهقة والفنادق الفاخرة غيرت تجربة الحج للحجاج الأغنياء في  وقت يجد الحجاج الأكثر فقرا صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف السكن

ويرى أيضا أن هذ المبنى يقف رمزا للتفاوت المتزايد بين الأغنياء والفقراء في أقدس مدينة للمسلمين، وأنه يطرح أسئلة في أذهان الحجاج حول قيم المساواة والبساطة التي حث عليها الإسلام.

وكما أشاد الشيخ عاصم بجهود الحكومة السعودية التي تنفق المليارات لتوفير الراحة للحجيج، فقد عبر عن استيائه أيضا من الرأسمالية المفرطة التي تزحف إلى المدنية وتطمس في طريقها التراث التاريخي والديني الذي ظل محفوظا لقرون عدة.

وقال إن من المفارقة أن الحجاج ربما تركوا ناطحات السحاب في لندن أو شنغهاي أو صخب وضجيج نيويورك أو جاكرتا وراءهم للابتعاد قليلا عن المادية والبحث عن الله في البساطة والزهد، ولكن هذا المنسك البسيط من التقشف يتحول إلى أعمال تجارية كبيرة بما فيها من المجمعات التجارية المليئة بالبضائع والفنادق التي تفيض بنزلائها.

برج الساعة أمام المسجد الحرام (رويترز)

وأضاف أن المباني الشاهقة والفنادق الفاخرة قد غيّرت تجربة الحج للحجاج الأغنياء، في حين يجد الحجاج الأكثر فقرا صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف السكن. كما أن النزعة الاستهلاكية المفرطة خلال موسم الحج هي بمثابة إلهاء عن الصلاة والتدبر وتعزيز قيمة الأخوة والتضامن من خلال قضاء الوقت مع إخوانهم في الإسلام من جميع أنحاء العالم.

وأكد الشيخ عاصم على ضرورة أن يكون هناك توازن بين التجارب الروحية والنزعة الاستهلاكية بحيث لا تطغى الثانية على الأولى، لأن الرأسمالية المفرطة والإفراط في التساهل يزيلان على الفور المساواة الاجتماعية والاقتصادية المقصود إظهارها خلال الحج.

وختم بأنه يخشى أنه في السنوات القادمة قد تصبح هذه الرحلة الإيمانية وهذا الزهد مجرد طقس مادي وعطلة مسلية وساحة عرض للأغنياء جدا للتباهي بثروتهم ونبلهم، وأكد أهمية استعادة الحج من براثن النزعة الاستهلاكية الجماعية.

المصدر : إندبندنت