شعبوية ترمب.. الأغنياء أولا

ترمب ركب موجة الشعبوية التي حملته إلى البيت الأبيض (رويترز)
ترمب ركب موجة الشعبوية التي حملته إلى البيت الأبيض (رويترز)
عقد كامل مر على بدء الأزمة المالية العالمية أو ما يعرف بالكساد الكبير، وعلى مولد الحراك الاجتماعي الذي رافقها.

فقد بدأ الفصل الأول للأزمة يتكشف في ديسمبر/كانون الأول 2007 عندما بدأت كرة الثلج تتدحرج وتتعاظم وتلتهم أكثر من ثمانية ملايين وظيفة وتريليونات الدولارات، ويتسبب ذلك في بيع البنوك ملايين المنازل بالمزاد، ويمحو نصف قيمة سوق الأسهم.

وفي خضم الأزمة أيضا فقد كبار السن ومتوسطو الأعمار من العمال وظائفهم ومدخراتهم، في حين تاه صغار السن في البحث عن عمل وانشده الأطفال وهم يشاهدون آباءهم في وضع مالي متأزم.

وقد دفعت الأزمة آخرين إلى التساؤل عما إذا كانت الاشتراكية هي بالفعل نظرية سيئة، وذلك من سوء ما رأوا، هكذا تقول الكاتبة كاثرين رامبيل في صحيفة واشنطن بوست.

ظهور الشعبوية
ووسط أجواء انعدام الثقة بالنخبة ومقت المصرفيين ومكافآتهم والنظم التي سمحت للأزمة بالاستفحال والعجز إزاء تحديد المتسببين ظهرت حمى الشعبوية.

وتضيف رامبيل أن الشعبوية بالنسبة للبعض أخذت منحى متطرفا.

وقد تجلت مظاهر هذا التطرف في بروز حركات دعت إحداها إلى احتلال حي الأعمال في نيويورك للانتقام من أصحاب رؤوس الأموال امتدت فيما بعد في عام 2011 إلى احتلال ميدان زوكوتي، كما تجلت في العام الماضي في حراك ضد النظام الضريبي والمساعدات المقدمة للكليات الجامعية وإلى مطالبات بإعادة توزيع الاقتصاد.

وقد استطاع الشعبويون بالفعل إيقاف الأموال التي تدفع لإنقاذ مؤسسات حي وول ستريت أو حي المال، لكن التساؤلات امتدت إلى ميزات يعتقد هؤلاء أن زملاءهم من نفس الطبقة لا يستحقونها، امتدت إلى الرهونات العقارية وبرامج تقديم الطعام للفقراء وإلى برنامج الحكومة الخاص بالرعاية الصحية.

وتقول رامبيل إنها لا تستطيع حصر أعداد العاطلين الذين تحدثت معهم خلال الركود الكبير الذين ألقوا باللائمة على أسباب غير مهنية لرفض أصحاب العمل طلباتهم.

لكن رامبيل توضح أن السبب الرئيس كان عدم وجود فرص عمل كافية بسبب بطء النمو الاقتصادي.

وقد وجد الشعبويون اليساريون -الذين يعملون ضد المؤسسة الحكومية- ضالتهم وخلاصهم في الأفكار التي حملها سيناتور من فيرمونت (بيرني ساندرز)، ووجد الشعبويون اليمينيون ما ينشدون في أحد البليونيرات الأميركيين (دونالد ترمب)، وقد وعد الطرفان بانتهاج سياسات تثيب أتباعهم وتعاقب أصحاب المصالح.

وأخيرا، استطاع الشعبويون اليمينيون النجاح في السيطرة على حزب سياسي رئيسي وعلى الانقضاض على الحكومة فيما بعد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حالف هؤلاء النجاح؟ هل حصلوا على الإصلاحات الاقتصادية التي طلبوها، أو حققوا تغييرا للأفضل في الأشخاص، أو تجفيفا للمستنقع الذي تركته الأزمة المالية؟

فبدلا من ذلك بدأت إدارة الرئيس ترمب في الأسبوع الماضي بحل المكتب المالي الخاص بحماية المستهلك، وهو الجهاز الذي أنشئ عقب الأزمة المالية بهدف حماية الضعفاء من سطوة الأقوياء.

مجلس الشيوخ أجاز في 2 ديسمبر/كانون الأول الجاري قانون الضرائب الجديد (الجزيرة)

محاباة الأغنياء
وفي الساعات الأولى من صباح السبت الماضي أجاز مجلس الشيوخ الأميركي تشريعا ضريبيا هو الأكثر محاباة للأغنياء والأكثر رجعية وتخريبا للنظام الضريبي في عقود.

القانون الضريبي الجديد يخفف الضرائب عن ممتلكات الأغنياء وأصحاب الطائرات الخاصة والموسرين الذين يرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة، بمعنى آخر يعطي المال للأغنياء من جيوب الفقراء.

تقول رامبيل إن هذه ليست سياسات شعبوية يمينية ولا يسارية كان الشعبويون يطالبون بها في بداية الأمر.

إن خطة الجمهوريين الضريبية تمثل أكبر قانون ضرائبي غير شعبي في خمسة عقود، فهو أقل شعبية حتى من قوانين بيل كلنتون وجورج بوش التي زادت الضرائب.

الجمهوريون يعلمون جيدا كم هي غير شعبية خطتهم الضريبية لكنهم لا يبالون، فهم يتوقعون إرضاء الشعبويين اليمينيين ببعض التغريدات وببعض سياسات الهجرة غير الدستورية وبوجود رئيس يغضب الأحرار على الطرف الآخر.

وبدلا من الحصول على الخبز المطلوب من الشعبويين الآن الشعور بالامتنان لما يرونه من التهريج في هذا السيرك.

واختممت رامبيل مقالها بأن الشعبوية -على الأقل باعتبارها قوة سياسية قادرة على انتزاع تنازلات سياسية معقولة- ماتت بالفعل، فقد ماتت في الثاني من الشهر الجاري.

المصدر : الجزيرة