"التوحد الافتراضي" غول يفتك بالأطفال

الأطفال أدمنوا الأجهزة الذكية ليلا ونهارا (غيتي)
الأطفال أدمنوا الأجهزة الذكية ليلا ونهارا (غيتي)
قرر أولياء أمور حظر الهواتف الذكية على أطفالهم المصابين باضطرابات سلوكية، ويحكي بعضهم تلك التجربة التي غيرت حياة أطفالهم وذلك بعد مشاهدتهم لإحدى الخبيرات وهي تحذر مما أسمته "التوحد الافتراضي".

وفي وقت لم تعد فيه القاعدة القديمة "لا شاشات قبل 3 سنوات" تحظى باهتمام يذكر في ظل اجتياح موجة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية جميع البيوت، بدأت دعوات متزايدة للتصدي لهذه الموجة، كان أهمها ما نشرته الطبيبة آن ليز دوكاندا في مارس/آذار من هذا العام، إذ لقي تحذيرها من أن تعرض الأطفال المكثف للشاشات يضاعف الاضطرابات لديهم صدى واسعا في فرنسا.

فمنذ نشر هذه الطبيبة المتخصصة في صحة الأم والطفل للفيديو المذكور وهي تستقبل بشكل يومي تقريبا اتصالات لآباء يعبرون عن قلقهم من سلوك أطفالهم.

جرب نصف هؤلاء قطع الاتصالات بشكل كلي عن أطفالهم تبعا لنصيحة دوكاندا التي تقول "أنصح أولئك الذين يظل أطفالهم لأربع ساعات أو أكثر يوميا أمام الشاشات بتغييب هذه الأدوات عن البيت لمدة شهر... لكن هذا لا يعني حرمان هؤلاء الأطفال من مشاهدة التلفزيون لمدة نصف ساعة في اليوم".

وتنقل صحيفة لوفيغارو تجربة جولييت وهي أم لطفل اسمه مارك لا يتجاوز عمره السنتين وأصبح وهو في عمر 18 شهرا يعرف كل شيء في الجهاز اللوحي باستثناء وضع الرقم السري.

مطاردة الشاشات
لم يكن مارك يعرف من الكلام سوى "بابا" و"ماما" ولاحظت جولييت أنه كان يؤثر الانعزال ولم يكن يظهر فهما حقيقيا لما كانت تقول له، بل كان منهمكا أغلب وقته بتصفح الجهاز اللوحي للبيت، حتى وقت نومه كان لزاما علينا أن نتركه يصطحبه معه إلى السرير.

مثلت مشاهدة جولييت لفيديو دوكاندا صدمة لها، فقد كان كل الأطباء النفسيين يؤكدون لها أن ابنها ليس على ما يرام لكن أيا منهم لم يربط ذلك بالشاشات.

وتبعا لذلك قررت البدء في مطاردة كل الشاشات بالبيت، فخزنت الألواح المكتبية في الرفوف وأخفت الهواتف المحمولة، بل وصل بها الأمر إلى حد التمويه على شاشة التلفزيون بوضعها تحت قطعة كبيرة من القماش.

وتحكي جولييت كيف أن مارك كان في البداية مثل التائه وكان يتبعها أينما ذهبت داخل البيت وهو يمسك جهاز التحكم عن بعد، وتقول في هذا الصدد "لم أتابع حتى نتائج الانتخابات الرئاسية، وكنت أسمع بذلك في المساء".

لكنها تؤكد أن مارك تحسن كثيرا واستبعد الأطباء ما كان بعضهم يشير إليه من احتمال كونه مصابا بالتوحد، إذ أصبح يستجيب للأوامر ويشترك في الأعمال الجماعية ويكون بعض الجمل.

أما ديليا ذات السنتين ونصف فقد أدمنت منذ ولادتها على الرسوم الكاريكاتورية وأغاني الأطفال في التلفزيون، ولذلك كان فطامها عن الأجهزة صعبا للغاية.

لم يعد الأطفال يستمتعون بشيء مثلما يستمتعون بالأجهزة الذكية (الأوروبية)

الآباء هم المرضى
"في الثانية من العمر لم تكن ديليا تنطق ببنت شفة وكان تواصلها بالإشارة، وإذا أرادت أن تلعب فإنها تكتفي بفتح وإغلاق يدها وتبقى شاخصة فاتحة فمها، كما أنها تأخرت في المشي.

عرض والدا ديليا ابنتهما على الأطباء ولم يجدوا تفسيرا لحالتها، لكن عندما شاهد والداها فيلم دوكاندا أجهشا بالبكاء وأصبحا يغلقان كل الشاشات ويبعدان القريب منها بل أبعدا كذلك كل الألعاب التي بها أصوات.

مرت ديليا بفترة صعبة إذ أصيبت خلال عشرة أيام، بنوبات تشنج كالتي تصيب المدمن على المخدرات إذا افتقدها، كانت تركل وتخدش وتحاول تشغيل زر التلفزيون.

لكنها الآن بعد أربعة أشهر بدأت تتكلم وتركب ألعابها، كما قرر أبواها أن يتركاها نصف ساعة يوميا تشاهد الرسوم المتحركة.

وتنقل دوكاندا عن بعض الآباء قولهم إن أبناءهم الذين لم يتجاوزوا ثلاث سنوات يستيقظون في الليل للبحث عن هاتف ذكي وفتح اليوتيوب.

وتشمل أعراض إدمان الأطفال على الأجهزة الذكية اضطرابات من قبيل التلعثم في الكلام وتجنب الأنظار والقوالب النمطية مثل السلوكيات المتكررة كضرب الذراع.

وهذه أعراض تشبه إلى حد كبير أعراض مرض التوحد وهو ما دفع دوكاندا إلى إطلاق اسم "التوحد الافتراضي" على هذه الأعراض إن كانت ناتجة عن الأجهزة الذكية.

وقد استنتج الطبيب النفسي سيرج تيسيرون من هذه التجارب أن "الطفل إذا ترك أمام الشاشات من خمس إلى ست ساعات يوميا فليس الطفل هو المريض وإنما أبواه".

المصدر : لوفيغارو