ما الذي يفعله الجيش الفرنسي بالساحل الأفريقي؟

منطقة الساحل ككل خاضعة لمراقبة وتدخل الجيش الفرنسي (غيتي)
منطقة الساحل ككل خاضعة لمراقبة وتدخل الجيش الفرنسي (غيتي)

قررت فرنسا في يناير/كانون الثاني 2013 التدخل عسكريا في مالي، لكن بعد خمس سنوات من ذلك التدخل، يلاحظ تفاقم تدهور الوضع في جميع أنحاء منطقة الساحل وتوسيع الجماعات الراديكالية نفوذها.

أما باريس فتمكنت -حسب الباحث المستقل في العلوم الاجتماعية ماثيو ريغوست- من تعزيز أرباحها وصيانة مصالحها الاقتصادية بينما استمرت شعوب المنطقة في دفع فاتورة حرب لا نهاية لها.

ويرى ريغوست في مقال بمجلة "لورياه 21" أن التدخل العسكري الغربي في العراق عام 2003 وليبيا عام 2011 أدى إلى نمو وتعزيز المجموعات المسلحة في الساحل، وأن الكثير منها تشكل ردة فعل على الفقر والتمييز السياسي والإثني والاجتماعي الذي يعاني منه أفرادها في ظل تفشي الفساد والاستبداد والعنف في دول الساحل التي تدعمها فرنسا والبلدان الغربية.

ويضيف الكاتب أن انتشار القوات الفرنسية في الساحل بدأ عندما أرسلت باريس 4000 جندي في إطار ما اصطلح على تسميته بعملية "سيرفال" إلى مالي مطلع 2013 للتصدي لمجموعات مسلحة تمكنت من السيطرة على نصف البلاد الشمالي.

وقد حققت عملية سيرفال نجاحا سريعا كان محل مباركة دولية، وتوج بإنشاء قاعدة دائمة للقوات الفرنسية في منطقة تساليت.

وحلت عملية برخان محل سيرفال، لكنها شملت بصفة رسمية كذلك موريتانيا والنيجر وبوركينافاسو وتشاد، وبصورة غير رسمية جنوبي ليبيا وشمالي نيجيريا.

وغدت منطقة الساحل ككل خاضعة لمراقبة وتدخل الجيش الفرنسي من ناحية، وقمع الجيوش المحلية للسكان من ناحية أخرى، إذ يتحدث السكان المحليون عن أعمال وحشية واعتقالات تعسفية واختفاءات أثناء الاحتجاز السري من قبل القوات الأفريقية التي تدعمها القوات الفرنسية.

مبيعات طائرات رافال استفادت من التدخل الفرنسي في شمال أفريقيا (الفرنسية)

المنافسة الصينية
ويعد تهديد المنافسة الصينية للمصالح الغربية كالطاقة والتجارة في أفريقيا أحد أهم أسباب التدخل العسكري الغربي في القارة السمراء، إذ يوجد بمنطقة الساحل احتياطيات كبيرة من النفط واليورانيوم والذهب، فضلا عن الغاز والنحاس وغيرهما، ولا يمكن لفرنسا أن تفرط فيها.

وينقل ريغوست عن الباحث بمعهد البحث الإستراتيجي في المدرسة العسكرية بالعاصمة باريس مهدي تاج قوله إن "الواقع الجغرافي لهذه المنطقة يمكن أن يسمح لبعض الدول -إذا تموضعت بشكل جيد اقتصاديا وعسكريا- أن تتحكم بشكل أفضل في ثروات دول المغرب العربي وغرب أفريقيا".

وفضلا عن ذلك اتخذت فرنسا من دول الساحل مختبرا لمعداتها العسكرية تروج من خلاله لأسلحتها، فقد مثلت عمليتا سيرفال وبرخان فرصة لاختبار وتعزيز الطائرات المقاتلة "داسو" مثلا.

وينقل ريغوست عن أحد الخبراء العسكريين قوله إن صفقات رافال الأخيرة لم تكن لتتم لولا أداؤها المتميز في ليبيا وعملية سيرفال.

كما يجرب الجيش الفرنسي تقنيات قتال جديدة مثل تلك التي تشارك فيها أنواع القوات وتكون فيها الهيمنة لسلاح الجو والقوات الخاصة البرية.

وأهمية هذه التجارب تكمن في حصولها في النهاية على وسم "جُرب في الميدان" الذي يعتبر حاسما في سوق السلاح العالمي، فقد حصلت فرنسا عام 2016 على صفقات بعشرين مليار يورو وتمكنت عام 2017 من أن تصبح ثالث أكبر مصدر للأسلحة في العالم.

وحسب المسؤولين العسكريين والفرنسيين فإن الهدف من تشكيل قوة الساحل المشتركة هو "إعادة تنظيم ذكية تقلل عدد الجنود الفرنسيين في المنطقة مع توسيع وجود فرنسا".

ويختم ريغوست مقاله بالقول إن الهدف الحقيقي لفرنسا هو المحافظة على نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يعود بالنفع على الطبقات الحاكمة ويقوي سلطتها، وهو ما عبر عنه ضابط فرنسي في مارس/آذر 2017 عندما قال إن ما يقوم به الجيش في منطقة الساحل هو "معركة مناهضة للخروج على الحكام"، في حين تتضاعف عمليات التعبئة ضد الأنظمة الاستبدادية والقوات الفرنسية في منطقة الساحل.

المصدر : الصحافة الفرنسية