ما مستقبل الحشد الشعبي بعد دحر تنظيم الدولة؟

مقاتلون من قوات الحشد الشعبي أثناء أحد الاشتباكات مع تنظيم الدولة جنوبي الموصل (رويترز)
مقاتلون من قوات الحشد الشعبي أثناء أحد الاشتباكات مع تنظيم الدولة جنوبي الموصل (رويترز)
تكتسب مليشيات الحشد الشعبي أهميتها من كونها تمثل الذراع العسكري لشرائح واسعة من المرجعيات الدينية الشيعية في العراق، ورغم ما تلعبه من دور محوري في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في البلاد فإن وضعها يظل يكتنفه الغموض، كما ترى مجلة (ذي أتلانتيك) الشهرية الأميركية.

ويقدر عدد المقاتلين المنضوين تحت رايات الحشد الشعبي بأكثر من ستين ألفا، 35 ألفا منهم يشكلون قوام القوة البالغ عددها تسعين ألف مسلح التي تحاصر مدينة الموصل حاليا، وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أجازت الحكومة العراقية قانونا يجعل من الحشد الشعبي مكونا رسميا من مكونات قوى الأمن في البلاد خاضعا للقانون العسكري وبوضعية مساوية للجيش.

وبينما يصف الموالون لهذه المليشيات بأنها حركة تحرير وطنية أو حملة دينية ضد الشر، يراها الإعلام العالمي على أنها "تحالف من المجموعات الشيعية المدعومة في أغلبها من إيران" بالكاد تخضع لسيطرة الدولة.

غير أن مجلة (ذي أتلانتيك) تعتقد أن كلا الوصفين يجانبه الصواب تماما، فالحشد الشعبي نفسه "يضم العديد من طوائف وقوميات المجتمع العراقي الحديث على اختلافها والمصالح الخاصة والأجنبية".

ضباط المخابرات البريطانية والعراقية تخالجهم حاليا مخاوف من أن مصلحة إيران في تلعفر بمحافظة نينوى شمالي العراق لا تكمن في المدينة بحد ذاتها بل في الطريق السريع المتجه غربا صوب الحدود السورية

ولقوات الحشد الشعبي كمؤسسة تبعات هائلة على العراق، فبالنسبة للعديد من أعضائه فإنه يستمد مشروعية "نضاله" من فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق آية الله على السيستاني، فإذا سحبها وتم تسريح الوحدات الخاضعة لسلطته فإن هذه المليشيات ستقتصر على عدد من وكلاء إيران وجماعات سياسية تتبع رسميا للدولة لكنها لن تكون تحت إشرافها.

وكلاء إيران
وذكرت المجلة الأميركية أن مستشار الأمن الوطني فالح الفياض، الذي وصفته بأنه قائد تلك المليشيات من الناحية الفنية وفي الواقع، يرى أن العراق مشغول بحربه ضد "الجهاد العالمي"، كما تسميه، بينما يذكي أطراف خارجيون أوار الطائفية. 

بيد أن ما لم يقله الفياض أن خمسا من أكبر الوحدات في الحشد الشعبي تتلقى الأموال والدعم والتوجيه من إيران، فكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق كانتا تنشطان بالوكالة عن إيران إبان احتلال التحالف الدولي للعراق، وكلاهما الآن من الوحدات الرئيسية في قوات الحشد الشعبي، وهناك كتائب سيد الشهداء التي خاضت القتال في سوريا إلى جانب قوات نظام بشار الأسد.

أما منظمة بدر التي تعتقد ذي أتلانتيك أنها ربما تكون الأبرز من بين وكلاء إيران، فيقودها هادي العامري الذي "حارب لصالح إيران في حربها ضد العراق" كما أنه من الأصدقاء المقربين لقاسم سليماني قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني.

وعلى الرغم من مخططات إيران، فإن العراق يمارس قدرا من السيطرة على قوات الحشد الشعبي التي "يمكن احتواؤها إن لم يكن السيطرة عليها"، وفقا لما نقلت المجلة عن لاهور طالباني رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في حكومة إقليم كردستان العراق.

إيران ليست السلطة الوحيدة التي لها نفوذ داخل الحشد الشعبي، فالمرجعيات الدينية العراقية "التي يتحكم فيها السيستاني" أنشأت ثلاثا من أفضل الوحدات تدريبا وتجهيزا هي كتائب الإمام علي ولواء علي الأكبر وفرقة عباس

وأشارت المجلة إلى أن ضباط المخابرات البريطانية والعراقية تخالجهم حاليا مخاوف من أن مصلحة إيران في تلعفر بمحافظة نينوى شمالي العراق لا تكمن في المدينة بحد ذاتها بل في الطريق السريع المتجه غربا صوب الحدود السورية.

ويجوب مقاتلو منظمة بدر والمليشيات الأخرى الخاضعة لإمرة إيران مناطق واسعة في العراق من محافظة ديالى وعبرها إلى محافظات صلاح الدين وكركوك ونينوى ثم إلى الطريق المؤدية إلى سوريا.

دور المرجعيات
يقول توم هاردي فروسيث الرئيس السابق للجنة حماية المنشآت الحيوية بحلف الناتو والمستشار الحالي لحكومة كردستان العراق، إن "ما تريده إيران من تلك الوحدات أشياء محدودة، فهمّها الرئيسي هو سوريا، ولقادة الوحدات دوافعهم الخاصة".

ويتفق معه مسؤول كبير في الخارجية الأميركية -لم تذكر المجلة اسمه- قائلا إن مصالح إيران الأساسية اقتصادية الطابع، ذلك أنها تريد أن تضمن أن العراق لن يصبح قويا بما يكفي ليشكل تهديدا عليها كما كان الحال في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.

وتمضي المجلة الأميركية إلى القول إن إيران ليست السلطة الوحيدة التي لها نفوذ داخل الحشد الشعبي، فالمرجعيات الدينية العراقية "التي يتحكم فيها السيستاني" أنشأت ثلاثا من أفضل الوحدات تدريبا وتجهيزا هي كتائب الإمام علي ولواء علي الأكبر وفرقة عباس.

وتعارض تلك المرجعيات بشدة التدخل الأجنبي في العراق ولا تتورع من انتقاد إيران، وهناك خلافات دينية ذات شأن بين تلك المرجعيات والملالي في إيران بشأن قضية دولة الفقيه حيث يرى السيستاني أن يظل علماء الدين في موقع من يسدي النصح للحكام بدلا من أن يكونوا قادة سياسيين.

أما الآن فإن الخلاف الأكبر بين المرجعيات الدينية والحكومة العراقية هو ذلك الذي يتعلق بمستقبل قوات الحشد الشعبي، فإذا أقدم السيستاني على تسريح وحدات المرجعيات في تلك القوات فإن ميزان القوة بداخل الأخيرة سيميل نحو الوحدات التي لا تخضع لسيطرة الحكومة، وإذا ما استمر وكلاء إيران في حربهم بسوريا وبقيت مليشيات الحشد مكونا رئيسيا لقوات الأمن العراقية فإن من شأن ذلك أن يتسبب في معضلة لسياسة حكومة بغداد الخارجية.

ونسبت ذي أتلانتيك إلى الشيخ ميثم الزيدي قائد فرقة العباس قوله إن "وجودنا مؤقت، ونحن نرى أن على فرقة العباس أن تتبع الفتوى وسنعود إلى وظائفنا بعد تحقيق النصر، والرأي الآخر فيأتي من الحكومة، فهم يعتبرون الحشد كيانا رئيسيا من كيانات الدولة، أما رأيي الشخصي فهو أننا سنغادر حينما يدعونا آية الله السيستاني للعودة إلى ديارنا".

وختمت المجلة تقريرها بأن خلصت إلى أنه ربما من الأفضل أن تُعامل قوات الحشد الشعبي "ليس على أنها مؤسسة بل باعتبارها نضال من أجل النفوذ الذي سيقرر مستقبل العراق بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بوقت طويل".

المصدر : الصحافة الأميركية