هل يتراجع النفوذ الأميركي في العالم؟

(من اليمين) زعماء روسيا وأميركا وبريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية: جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت وونستون تشرشل على التوالي (أسوشيتد برس)
(من اليمين) زعماء روسيا وأميركا وبريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية: جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت وونستون تشرشل على التوالي (أسوشيتد برس)

يواجه النظام العالمي -الذي أرست أسسه اتفاقية أبرمها زعماء الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا بمنتجع يالطا بجزيرة القرم على ضفاف البحر الأسود في فبراير/شباط 1945 أنهت الحرب العالمية الثانية- تحديات جمة تتمثل في الأزمات المتلاحقة والخلافات بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ.

ولعل المفارقة أن هذه التحديات يعاني منها النظام العالمي اليوم حتى من متنافسين سابقين، أو هكذا يرى أنتوني بلينكن نائب وزير الخارجية الأميركي في مقال بصحيفة نيويورك تايمز في عددها اليوم الأربعاء.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين -وفق بلينكن- يسعى لإعادة بعث مجال نفوذ لبلاده، منتقدا بشدة النظام العالمي الليبرالي الذي ظل سائدا إبان حقبة الحرب الباردة.

أما الصين فانصب تركيزها على إرساء الاستقرار داخل حدودها، لكن ما اقترحته على الولايات المتحدة من "نموذج جديد لعلاقات القوى الكبرى" خطوة من شأنها أن تجعل واشنطن تلزم جانبها من المجال الباسيفيكي وتترك لبكين لعب الدور البارز في منطقتها.

إن عالما يسيطر عليه منطق تنازع مناطق النفوذ لن يسوده السلام والاستقرار، ولن تسلم الولايات المتحدة من اضطراباته العنيفة. ونادرا ما تقنع القوى المهيمنة بما لديها طالبة المزيد من مناطق النفوذ، لتنطلق من ثم دائرة التمرد والقمع من إسارها

ويقول الكاتب إن حلفاء أميركا بأوروبا وآسيا يتطلعون إلى الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب لمعرفة ما إذا كانت إدارته سترفض إحياء مناطق النفوذ مجددا أم ستتبناه.

وينتاب هؤلاء الحلفاء القلق، ذلك أن ترمب يفضل -كما ظهر أثناء حملته الانتخابية- الزعماء الطغاة الأقوياء، ويستحسن تواصلا شخصيا مع بوتين.

وأضاف بلينكن في مقاله أن ترمب لم يعر كثير اهتمام لتطفل روسيا إلكترونيا بانتخابات الرئاسة الأميركية أو لعدوانها في أوكرانيا، بينما يوحي بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) بات تجمعا "باليا".

وقد ظل ترمب يجادل بأن على الولايات المتحدة أن تقلع عن لعب دور "المدافع عن العالم" واصفا اليابان وكوريا الجنوبية بأنهما دولتان منتفعتان عليهما أن تتحملا عبء الدفاع عن نفسيهما ومسؤوليتهما إزاء الردع النووي.

 ووعد بالتخلي عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، متنازلا بذلك للصين عن القيادة الاقتصادية والنفوذ الإستراتيجي في آسيا.

وللعديد من الأوروبيين والآسيويين، فإن هذه التصريحات تفضي إلى عالم تتشرنق فيه الولايات المتحدة لتهيمن عليه روسيا والصين في المجالين السياسي والاقتصادي.

إن عالما يسيطر عليه منطق تنازع مناطق النفوذ لن يسوده السلام والاستقرار، ولن تسلم الولايات المتحدة من اضطراباته العنيفة. ونادرا ما تقنع القوى المهيمنة بما لديها طالبة المزيد من مناطق النفوذ، لتنطلق من ثم دائرة التمرد والقمع من إسارها فتورد تلك الدول مهالك النزاعات التي ستجر الولايات المتحدة إليها.

وعلى الولايات المتحدة أن تقبل بتكبد خسائر تجارية دائمة، ذلك أن مناطق النفوذ الاقتصادية "توصد الأبواب في وجوهنا أو تؤجج تنافسا بين الشركات في تقليص أجور العمال والنفقات، وتسابقا في مجالات البيئة وحقوق الملكية الفكرية والشفافية".

وخلص الكاتب إلى القول إن أعظم مساهمات الولايات المتحدة في السلام والتقدم تمثلت في إرسائها الأسس لعالم "منفتح ومتواصل وقائم على النظم والقواعد". وختم قائلا "علينا الآن أن نقرر ما إذا كنا سنواصل الدفاع عن تلك الأسس وإصلاحها والبناء عليها، أو نصبح مشاركين في تفكيكها".

المصدر : نيويورك تايمز