قصور فرنسي في فهم المجتمعات الإسلامية

N'Djamena, -, CHAD : A picture released by the French Army Communications Audiovisual office (ECPAD) on January 12, 2013 shows French soldiers from the proterre combat group (21st Rima) boarding to Mali on January 11, 2013 at Kossei camp in N'Djamena. Backed by French air power, Malian troops on January 11 unleashed an offensive against Islamist rebels who, having seized control of the north of the country in March last year, were threatening to push south. AFP PHOTO / ECPAD / NICOLAS-NELSON RICHARD
undefined

يتساءل الباحث الفرنسي جيل كيبل عن مدى قدرة باريس على أداء المهمة التي تتصدى لها في مالي، منتقدا ما يعتبره عزلة غير مقبولة وتراجعا لفرنسا خلال السنوات الأخيرة في فهم المجتمعات العربية الإسلامية.

وفي مقاله بصحيفة "لوفيغارو" يرى كيبل، الأستاذ بمعهد الدراسات السياسية في باريس وعضو المجلس الأعلى لمعهد العالم العربي، أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، بإرساله الطيران الفرنسي لقصف أرتال الجهاديين المتوجهة إلى باماكو، ثم إرسال قوات برية لسد عجز الجيش المالي، إنما يعالج قبل كل شيء الآثار الضارة لضربة سلفه نيكولا ساركوزي لأرتال مدرعات العقيد الليبي الراحل معمر القذافي التي كانت متوجهة إلى بنغازي في 19 مارس/آذار 2011. وهي أضرار مصدرها عدم تعبئة المعارف العميقة المتوفرة عن المجتمعات العربية.

قصر نظر
فما يعرف حتى الآن في ليبيا بـ"ضربة ساركو" قد أدى دون شك لإنقاذ آلاف المدنيين في بنغازي وسمح للثورة بأن تأخذ المنعرج الذي أدى إلى سقوط الطاغية. ولكن بسبب نقص المواكبة السياسية، ونظرا لعدم تعبئة المعارف العميقة المتوفرة عن المجتمعات العربية الإسلامية، فإن تدخل فرنسا وحلف الناتو في ليبيا قد أدى إلى تحول هذا البلد إلى عدد لا متناه من المجموعات المحلية والإثنية والأيديولوجية والكتائب التي ليس للدولة عليها أي سلطان.

مهما كانت نتيجة المعارك الحربية في مالي، فإن الاختبار الحقيقي على الأرض سيتعلق بمدى القدرة على الدفع نحو انتقال سياسي ديمقراطي، وتجنب الأخطاء التي أعقبت عمليات الناتو في ليبيا، وتدخل الولايات المتحدة في العراق والتحالف الدولي في أفغانستان

ونظرا لقصر نظر الساسة والمنظرين الإستراتيجيين، فإن كل المنطقة غرقت في موجة من التسلح مصدرها نهب الترسانة العسكرية الليبية الهائلة، وهو ما مثل فرصة سانحة للجماعات السلفية المتشددة.

ويرى الكاتب أن اختطاف الرهائن الغربيين في جنوب شرق الجزائر، على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود الليبية، ردا على إذن الجزائر للطائرات الفرنسية باستخدام مجالها الجوي في عملياتها في مالي، يظهر حجم تهديد يبدو مقلقا بقدر ما هو متشابك ومتعدد المراكز.

فمهما كانت نتيجة المعارك الحربية، فإن الاختبار الحقيقي على الأرض سيتعلق بمدى القدرة على الدفع نحو انتقال سياسي ديمقراطي، وتجنب الأخطاء التي أعقبت عمليات الناتو في ليبيا، وتدخل الولايات المتحدة في العراق والتحالف الدولي في أفغانستان. ومن هنا فإن العزلة الفرنسية، في رهان يتعلق بأوروبا كلها ومسرحه واجهتها الجنوبية، ليست مقبولة إلا إذا كانت تعني إفراغ الوحدة الأوروبية من أي معنى.

ولكون ضحايا احتجاز الرهائن في "عين أميناس" هم في الأغلبية الكاسحة من رعايا دول أنجلوساكسونية وإسكندنافية، ولكونه حصل في موقع لاستخراج الطاقة -التي تمثل مفتاح اندماج العالم العربي في الاقتصاد العالمي- فإنه بالقوة سيشرك دولا جديدة في النزاع، حتى لو كانت مكرهة. ولهذا فإن من الحاسم لنجاح العملية معرفة الأرض والتشعبات الإقليمية، والتداخل بين منطقة الساحل وبين عالم عربي تتناوشه الثورات، فضلا عن علاقة المنطقة بأبنائها المقيمين في فرنسا.

طابع عالمي
ففي سياق بات فيه الإرهاب الإلكتروني مصدرا للحرب، وحيث تستخدم الصور المروعة على مواقع مشاركة مقاطع الفيديو كوسيلة لابتزاز المجتمع، وحيث لا تزال قضية محمد مراح عالقة بكل الأذهان، فإن كل نزاع يأخذ فورا طابعا عالميا ومحليا في آن واحد.

كما أن تعقيد وتعدد الرهانات المتداخلة يجعل من الحرب على "جهادية ما بعد الحداثة"، التي تحظى تقريبا بحضور عابر للأمكنة، تحديا حقيقيا أمام المجتمع. فهي، من ناحية، تتطلب وئاما واسعا داخل المجموعة الوطنية، ومن ناحية ثانية إتقانا للمعارف والعلوم حول العالم العربي والإسلامي الحديث. وفي هذا المجال فإن فرنسا، رغم أنها كانت لوقت قريب رائدا عالميا، تسجل تراجعا معتبرا منذ السنوات الخمس الأخيرة.

يرى كيبل أن ما يحدث في مالي ليس قضية تخص العسكريين وحدهم، وهذا يتطلب وضع إستراتيجية دولية، وهو تحد حضاري في زمن العولمة وتداخل الثقافات وسرعة انتقال الأيديولوجيات والصور

تأخر فرنسي
بينما استثمرت الولايات المتحدة بشكل معتبر، وكذا الشركاء الأوروبيون لفرنسا وبعض بلدان آسيا وحتى دول الخليج، من أجل تطوير مراكز دراسات وبحوث ومؤسسات للرأي، وربطت أواصر وشراكات عديدة مع المجتمعات المدنية في العالم الإسلامي، فإن فرنسا -رغم أنها تضم أكبر عدد من العرب والمسلمين في أوروبا الغربية- تقف في مؤخرة الركب. فمعهد العالم العربي -على سبيل المثال- مشلول بفعل التسييس الرسمي، وهو عاجز تماما عن فهم الثورات العربية، وذلك في وقت انتخب فيه في المجلس التأسيسي بتونس عشرة نواب يحملون الجنسية الفرنسية.

وفي معهد الدراسات السياسية بباريس "أسيانس بو" أغلق مسلك الدراسات العربية -التي ظلت تمثل إحدى أهم مميزات المؤسسة خلال الربع الأخير من القرن الماضي- في ديسمبر/كانون الأول 2010، وهو الشهر الذي أشعل فيه محمد البوعزيزي النار في نفسه في تونس. وهكذا بات على كثير ممن كانوا يأتون من كل أنحاء العالم بحثا عن معارف في باريس أن يتجهوا إلى الضفة الأخرى لنهر المانش أو الأطلسي.

ويخلص الكاتب إلى أن ما يحدث في مالي ليس إذن قضية تخص العسكريين وحدهم. فقد رأينا أن الحرب، بعد أيام فقط من اندلاعها، قد امتدت إلى بلد كبير مجاور هو الجزائر. وهذا يتطلب وضع إستراتيجية دولية ومعرفة متقنة بالرهانات في المجتمعات المعقدة، وهو تحد حضاري في زمن العولمة وتداخل الثقافات وسرعة انتقال الأيديولوجيات والصور والفيديوهات والأشخاص والأموال والأسلحة عبر الحدود. وفي سياق هذه الظاهرة، تمثل أزمة الساحل الضحية في أوضح الصور، كما تمثل في نفس الوقت بؤرة الاشتعال.

المصدر : لوفيغارو

حول هذه القصة

فرنسا ترسل المزيد من قواتها وعتادها لمالي

اهتمت الصحف الألمانية بتحليل التدخل العسكري الفرنسي المتواصل منذ الجمعة الماضي ضد الإسلاميين والطوارق بشمال مالي، واتفقت تحليلات هذه الصحف على وجود إجماع أوروبي بالاكتفاء بالمساعدة اللوجستية، وعدم إرسال قوات لمشاركة الفرنسيين قتالهم في شمال مالي.

Published On 18/1/2013
عملية عسكرية للجيش الجزائري لتحرير الرهائن

قالت صحيفة غارديان البريطانية إن قرار فرانسوا هولاند رئيس فرنسا بشن الحرب ضد “المسلحين الإسلاميين” في مالي أثر وسيؤثر كثيرا على الوضع الداخلي غير المستقر في الجزائر.

Published On 18/1/2013
Fighters from the Islamic militant group the Movement for Unity and Jihad in West Africa (MUJWA) ride on a truck in the northeastern Malian city of Gao September 7, 2012. The group said on Sunday the killing of 16 Muslim preachers including eight Mauritanians and eight Malians by an army patrol in Mali was a declaration of war

تساءلت صحيفة واشنطن بوست عن الخطأ في الجهود التي بذلتها أميركا خلال العشر سنوات الماضية في “مكافحة الإرهاب” بمالي، وقالت يجب أن يسعى البيت الأبيض أو الكونغرس أو كلاهما لمعرفة أسباب فشل برامج واشنطن التي استهدفت القضاء على المسلحين في شمال مالي.

Published On 17/1/2013
This handout picture released and taken on January 14, 2013 by French Army Communications Audiovisual office (ECPAD) shows the French army unloading vehicles from a cargo in N'djamena as part of the "Serval" operation in Mali. Rafale fighter planes struck bases used by Al-Qaeda-linked fighters in Gao, the main city in northern Mali and the base from which ethnic-Tuareg rebels launched the offensive a year ago that touched off Mali's descent into chaos. France also struck a large base in the northern region of Kidal, targeting rebel stockpiles of munitions and fuel. AFP PHOTO / ECPAD / Nicolas-Nelson Richard

أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن مسلحي القاعدة في مالي وفي إطار استعدادهم لمواجهة القصف الجوي الفرنسي الكثيف بدؤوا يستولون على بعض المنازل المشيدة بالطين على خطوط القتال ويزرعون أنفسهم وسط السكان المحليين، الأمر الذي يعرض المهمة الفرنسية لتحد كبير.

Published On 16/1/2013
المزيد من سياسي
الأكثر قراءة