عـاجـل: الصين تعلن ارتفاع عدد وفيات فيروس كورونا إلى 80 وتسجيل أكثر من 2800 إصابة

جنوب أفريقيا.. انتهاء شهر العسل الأسود

تشهد جنوب أفريقيا حالة من تصاعد الاستياء والاحتجاج على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية (الفرنسية)
بعد 18 عاما من انتهاء نظام الفصل العنصري، وإجراء أول انتخابات متعددة الأعراق في جنوب أفريقيا، ووصول حزب المؤتمر الوطني بقيادة الزعيم الوطني نيلسون مانديلا إلى السلطة، بدأت نشوة السود بالانتصار في ذلك البلد تنحسر مع التدهور المستمر للحالة الاقتصادية والارتفاع المطرد للبطالة.

وقالت صحيفة واشنطن بوست التي تناولت الخبر، إن مواطني جنوب أفريقيا -وخاصة السود منهم- سئموا من انتظار "الحياة الأفضل" التي وعدهم بها الحزب، وتصاعدت حالة التململ والانزعاج إلى حالة من انتشار الإضرابات في البلاد، والتي تطور الوضع في أحدها إلى مواجهة مسلحة بين الشرطة والعمال المضربين قتل فيها 34 عاملا في أحد مناجم البلاتين (الذهب الأبيض) في أغسطس/آب الفائت.

واسترسلت الصحيفة بالقول إن صحف جنوب أفريقيا وإذاعاتها والمدونات وشبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، ملأى بانتقادات لاذعة لحزب المؤتمر الوطني واتهامات له بالفساد وعدم الكفاءة والتبذير، وعدم التواصل مع مشاكل الأغلبية المحرومة في البلاد.

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة للحزب على الجماهير والإعلام، بل امتدت إلى رموزه الوطنية التاريخية الذين يرون أن الحزب خذل الجميع وأن مصداقيته أصبحت موضع تساؤل.

من جهة أخرى، تقول الصحيفة إن منتقدي الحزب -ومنهم أعضاء رفيعو المستوى- يقولون إن هناك أزمة قيادة يعاني منها، خاصة في ظل اتهام الرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما بإساءة استخدام المال العام لأغراض شخصية، وبالتحديد قيامه بتجديد منزله على حساب خزينة الدولة.

روبرت شراير:
الآن، لقد انتهى شهر العسل إلى حد كبير.. الذي نراه اليوم هو أن المواطن الأسود العادي لم يعد يدين بالولاء الأعمى لحزب المؤتمر الوطني، لأنه مستاء ويشعر بأنه تعرض للخذلان

وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي بجامعة كيب تاون روبرت شراير، قوله "الآن.. لقد انتهى شهر العسل إلى حد كبير.. الذي نراه اليوم هو أن المواطن الأسود العادي لم يعد يدين بالولاء الأعمى لحزب المؤتمر الوطني، لأنه مستاء ويشعر بأنه تعرض للخذلان".

عندما انتخب مانديلا كأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا عام 1994 تفجر الأمل بعصر جديد من المساواة، وأطلق حزبه حزب المؤتمر الوطني سلسلة وعود براقة تعد بتغييرات جذرية على الصعيد الاجتماعي لإصلاح مخلفات عصور من عدم المساواة تحت حكم نظام الفصل العنصري الذي اضطهد المواطنين السود عبر تشريعات متشددة عززتها قوات أمنية شديدة البطش لضمان تفوق البيض وسيطرتهم على زمام الأمور في البلاد.

لكن الكثير من المواطنين السود في جنوب أفريقيا يرون أن تلك الوعود البراقة انتهت إلى خيبات أمل متكررة، حيث لا يزالون يواجهون البطالة وأزمة السكن وعدم توفر التعليم، والافتقار إلى مياه شرب نظيفة وخدمات مدنية.

غير أن المؤتمر الوطني ينكر كل ذلك، ويدعي أن الانقسامات حالة طبيعية في مؤسسة متنوعة الأعراق كالحزب، ويقول على لسان كيث خوزا أحد أكبر المتحدثين باسمه "ليس هناك فراغ في قيادة الحزب، والحزب لا يعاني من أزمة قيادة".

وتشير الصحيفة إلى أن ما تقدم لا يعني أن المؤتمر الوطني سيفقد سطوته على الساحة السياسية لجنوب أفريقيا في المستقبل القريب على الأقل، لكن استمرار حالة الغضب وخيبة الأمل ستتسبب في المزيد من الاحتجاجات التي من شأنها زعزعة أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية برمتها.

وقد شهدت البلاد في الأشهر الأخيرة تصاعد الاحتجاجات بشأن الأراضي الزراعية وحالة السكن غير اللائقة والافتقار إلى الخدمات الأساسية.

ويعتقد أن نحو 80 ألفا من عمال المناجم -أي ما يعادل 16% من حجم العاملين في قطاع التنقيب- هم في حالة إضراب، مطالبين بتحسين الأجور وشروط التقاعد. وقد تعرض الآلاف منهم للفصل. من جهة أخرى، دخل آلاف من سائقي الشاحنات في إضراب، مهددين انتظام توريدات الطاقة والطعام والشراب في البلاد.

ونتيجة لذلك، تم تخفيض التصنيف الائتماني للبلاد، وانخفضت أسعار أسهم المناجم وتعرضت العملة الوطنية "الراند" لانخفاض سعر صرفها مقابل العملات الرئيسية.

وتأخذ الصحيفة بلدة خوتسونغ قرب جوهانسبرغ مثالا على تردي الأوضاع، وهي بلدة يسكنها السود في أكواخ مهترئة، حيث يضطر السكان إلى اختلاس الكهرباء والحصول على المياه من الصنابير العمومية. ونظرا لعدم وجود شبكات مياه في المنازل، فالحمامات عامة يتشارك فيها سكان البلدة وهي قذرة إلى حد لا يوصف، بحيث يفضل الكثيرون استخدام الحفر في الأرض لقضاء حاجتهم.

ويجسد الشاب بافنا ماشاتا من بلدة خوتسونغ نظرة السود في جنوب أفريقيا، حيث تعلم في مدرسته تقديس نيلسون مانديلا وأوليفر تامبو والآخرين الذي قارعوا نظام الفصل العنصري.

بافنا ماشاتا:
مانديلا وأبطالنا قاتلوا من أجل حريتنا، لكن قادتنا من السود اليوم يجلسون على كراسيهم غير مبالين بنا.. لا يهمهم سوى أنفسهم

يقول ماشاتا إن "مانديلا وأبطالنا قاتلوا من أجل حريتنا، لكن قادتنا من السود اليوم يجلسون على كراسيهم غير مبالين بنا.. لا يهمهم سوى أنفسهم".

ويرد خوزا على تلك الاتهامات بالقول "فيما يخص الحصول على الخدمات الأساسية، لقد أبلينا بلاء حسنا، لكننا نعترف بأن إزالة آثار نظام الفصل العنصري الاستعماري الذي استمر 300 عام، لن يحدث بين ليلة وضحاها".

وتقول الصحيفة إن ما يدعيه خوزا صحيح إلى حد ما، حيث شهدت البلاد تحسن أوضاع الطبقة الوسطى وارتفاع عدد المنتفعين من الخدمات العامة مقارنة بعام 1994، إلا أن الوضع لا يزال صعبا لأن الأرقام الحكومية تشير إلى حرمان ربع السكان من السكن المناسب والكهرباء، بينما يفتقر خمس السكان إلى خدمات الصرف الصحي.

من جهة أخرى تواجه البلاد توسعا مستمرا للهوة بين الفقراء والأغنياء، مما خلق واحدة من أكبر حالات عدم المساواة في العالم، وتشير أرقام البنك الدولي إلى أن البيض في جنوب أفريقيا لا يزالون يسيطرون على مفاصل الاقتصاد، ومواردهم أكبر ستَّ مرات من موارد نظرائهم السود.

وبينما الحال كذلك، تؤمن الطبقة العاملة والمحرومة في البلاد بأن الحل الوحيد هو الصوت العالي، ويقول الناشط الاجتماعي سيخولو نوانداوي "إذا كنت تريد أن يسمعك أحد، فعليك أن تنزل إلى الشارع".

المصدر : واشنطن بوست