دبلوماسية القوى الناشئة

الصفقة البرازيلية التركية هي بالنسبة للإيرانيين مكسب في كل الأحوال (رويترز)

علق الكاتب الأمريكي ديفيد روثكوف على إبرام الاتفاق الأخير في طهران بين كل من إيران والبرازيل وتركيا بخصوص تبادل اليورانيوم الإيراني الضعيف التخصيب بقضبان الوقود النووي، فكتب في فورين بوليسي يقول:

ما زلنا بانتظار معرفة ما إن كانت الصفقة التي أبرمت بوساطة تركية برازيلية مع إيران ستتمكن نهاية الأمر من نزع فتيل المواجهة بين طهران والمجتمع الدولي, وحتى لو تمكنت من فعل ذلك, فإنها لا يرجح أن تتمكن من وقف أحمدي نجاد وشركائه من الاستمرار في مساعيهم السرية للحصول على قدرة نووية تسليحية، خاصة في ضوء القرار الإيراني الذي أعلنوه بالتزامن مع الإعلان عن الاتفاق بأنهم سيستمرون في برنامج التخصيب بكافة الأحوال.

ومن شأن هذا أن يؤدي على الأرجح إلى توقف في برنامج العقوبات الذي تخطط له الولايات المتحدة الأميركية وأن يؤدي إلى الكبس على زر التوقف لفترة أكثر منه على زر إعادة التشغيل, وهو بذلك يوفر للإيرانيين السلعة الوحيدة التي يرغبون فيها أكثر من أي شيء آخر: الوقت. 

كما أن لهذا المسعى أهميته في سياق آخر, إذ يمثل عودة إلى الخطة "ب" بخصوص كل من العلاقات الدولية والشرق أوسطية, فخلال حقبة الحرب الباردة كان أمام اللاعبين الدوليين في أغلب الأحيان خياران, فكان بإمكانهما السعي للحصول على تأييد وتعاطف الشرق أو الغرب, السوفيات أو الأميركان, ثم تلاشى كل ذلك قبل عشرين عاما.

ولفترة بدا وكأن الخيار هو إما أميركا أو مجتمع دولي، فشل بشكل رهيب في توحيد جهده الجماعي بشكل فعال.

لكن ها هي تركيا والبرازيل وبتنسيق وثيق مع (أعضاء مجموعة بريكس الآخرين) روسيا والهند والصين, تبعثان برسالة جادة وفعالة مفادها أن الخطة "ب" قد عادت إلى المعادلة الدولية.

وما قالتاه بشكل أساسي هو أنهما لن تجاريان المقاربة الأميركية في حل المشكلة (العقوبات) وأنهما تعارضان بشكل قوي المقاربة الإسرائيلية المطالبة بقصف إيران.

والأتراك بشكل خاص, كانوا صريحين مع شركائهم في مجموعة بريكس حول شكوكهم في فعالية العقوبات، وشعورهم بأنها ستأتي بنتائج عكسية جدا.

وبالمقابل, فقد أدرك الإيرانيون أن الصفقة البرازيلية التركية هي بالنسبة لهم مكسب في كل الأحوال, إذ يظهرون عبرها كما لو كانوا يريدون أن يكونوا بنائين وبذلك يبعدون الضغوط عنهم ويكسبون الوقت, فهم يسعون لتحويل الموازين الجيوسياسية عبر إبراز دور القوى الناشئة ذات العلاقة بالقضية ويكبحون جماح المساعي الأميركية والمساعدة على ما يبدو في إدخال الدبلوماسية الدولية في حقبة جديدة.

"
القوى الناشئة المهمة جدا لم تعد تخشى مقولة "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا" وهي الأفكار التي ما زالت متغلغلة وتعشش ضمن مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية
"
وتجدر ملاحظة حدث آخر لا يقل أهمية, وهو أن هذه كانت المواجهة الأولى في الشرق الأوسط التي مثلت فيها الصين اللاعب الأكثر أهمية من خارج المنطقة, لأن الصين هي الدولة الوحيدة التي كانت وما زالت لها القدرة على تقرير نجاح نظام العقوبات من فشله.

 فالصينيون رغم استمرارهم في نقاش داخلي حول الكيفية التي يريدون بها ممارسة القيادة على المسرح الدولي, لعبوا هذا الدور ببراعة كبيرة حتى هذه اللحظة, فقد دخلوا في محادثات مع الولايات المتحدة الأميركية ومع شركائهم من مجموعة بريكس زائد واحد.

وأظهروا من خلف الكواليس, ووفقا للتقارير الصادرة عن اجتماعاتهم الأخيرة مع زعماء أعضاء مجموعة بريكس، بأنهم بناؤون ومعتدلون من خلال فهمهم للضغوط التي يتعرض لها الرئيس أوباما من جهة, ومن جهة أخرى فقد مارسوا ضغوطا على الإيرانيين من أجل إبرام صفقة في الوقت الذي يشاركون زعماء القوى الناشئة الآخرين شكوكهم "المبررة" حول دوافع الإيرانيين واحتمالات التزامهم.

وهكذا فربما تبدو هذه الصفقة صغيرة بعض الشيء وبعيدة جدا عن الناحية الفنية, ولكنها يمكن أن تبعث بشكل فعلي برسالة عن تغيير في عمل الدبلوماسية الدولية, والمؤكد أنها تشير إلى أن القوى الناشئة المهمة جدا لم تعد تخشى مقولة "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا" وهي الأفكار التي ما زالت متغلغلة وتعشش ضمن مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية.

المصدر : فورين بوليسي