عـاجـل: مراسل الجزيرة: خلافات داخل قوى الحرية والتغيير في السودان تؤجل إعلان تشكيلة المجلس السيادي 48 ساعة

إيكونوميست: ما بعد العاصفة المالية

كيف سيبدو الاقتصاد العالمي السوي بعد أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير؟ (رويترز)

ما بين التفاؤل والتشاؤم حيال الوضع الاقتصادي عقب الأزمة المالية التي عصفت بالعالم، تقدم مجلة إيكونوميست صورة واضحة عما يسمى بالوضع السوي للاقتصاد وما إذا كان قد بلغه أم لا، والصعوبات التي تواجه السياسيين، محذرة إياهم من ارتكاب أخطاء في هذه المرحلة. وهذا نص مقالها:

كان وليام سافير أول من كرس معنى كلمة "السواء" في القاموس السياسي الذي نشر لأول مرة في العام 1968 وقد تم تبني المصطلح من قبل وارين هاردينغ الذي تنافس على منصب الرئاسة الأميركية عقب الحرب العالمية الأولى, وكان لا مناص من استخدامه بعد الهجمات الإرهابية يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وعليه فلم يكن من المفاجئ أن يستخدم هذا الاصطلاح مرة ثانية في بيان مؤتمر زعماء العشرين الذي عقد في الفترة بين 24 و25 سبتمبر/أيلول الماضي في مدينة بيتسبرغ, ولكن بعد الأزمة الاقتصادية اللعينة التي حصلت في العام الماضي, بدأ الناس يلتمسون الاستقرار والعودة إلى الوضع السوي, ولكن إلى أي مدى؟

وكيف سيبدو الاقتصاد العالمي السوي بعد أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير؟

"السواء الجديد"

"
استمرار الضرر الذي حاق بنمو الاقتصادات يمكن أن يؤدي إلى مستقبل أكثر ظلمة بالنسبة لزيادات الدخل وتراجع التوقعات، وهو ما على صناع السياسة أن يتحاشوه
"
ربما تشعر بالراحة لدى إلقائك نظرة على أسعار الأسهم أو تنبؤات النمو على الأمد القريب, فقد توقف التراجع في إنتاج كافة الاقتصادات العالمية الكبرى, وفي هذا السياق توقع صندوق النقد الدولي في أحدث تنبؤاته أن يزداد الناتج القومي العالمي بنسبة 3.1% في العام القادم بزيادة مقدارها 1.2% عن توقعاته في شهر أبريل/نيسان الماضي, أما الأسواق المالية العالمية فقد زادت بمقدار 64% عن الحد الأدنى الذي وصلت إليه.

فضلا عن ذلك بدأ تجميد التمويل للشركات التجارية في الذوبان كما أن المحللين المتشائمين بدؤوا مرة أخرى في تبرير تشاؤمهم, ولكن نتائج الفحص عن كثب تدعوا إلى أخذ الحيطة والحذر, فرغم الترحيب بعودة النمو, فإن الاقتصاد العالمي ما زال بعيدا عن العودة إلى الوضع السوي والطبيعي.

فالبطالة ما زالت في ازدياد كما أن الكثير من قدرات التصنيع ما زالت متوقفة، ومصادر النمو الحالي مؤقتة ومشكوك فيها, كما أن إعادة بناء المخزونات لن تعزز من إنتاج الشركات لمدة طويلة.

كما أن الإنفاق العالمي مرده الهبات الحكومية وليس المبادرات والاندفاع الذاتي, فالأموال الطائلة والمحفزات المالية تخفف من حدة ما كابدته ميزانيات البنوك وسوق المساكن, لكن المشكلة العويصة تبقى على حالها.

ففي أميركا وغيرها من الاقتصادات القديمة التي حدث بها انفجار ما زالت الديون مرتفعة بشكل مثير للقلق بينما المصارف بحاجة لزيادة رؤوس أموالها، وهذا يبعث برسالة مفادها أن انخفاض إنفاق المستهلك والفوائد على الأموال بات أكثر مما كان عليه الحال قبل الانهيار المالي, وربما يحدث نمو ملحوظ في الاقتصاد العالمي ولكنه لن يعود إلى الوضع السابق كما لو أن الأزمة لم تحدث إطلاقا.

إن الإدراك للحال بمفرده يمكن أن يدعو لبعض التفاؤل في الأسواق المالية، ولكن اصطلاح ما يعرف بـ"السواء الجديد" الذي يستخدمه كثيرا أحد المديرين الماليين ورئيس بيمكو محمد العريان يدفع بالأمور إلى احتماليين:

أولهما أن يعود نمو الاقتصاد العالمي إلى ما كان عليه تقريبا قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية دون استعادته لما فقده حيث يقول صندوق النقد الدولي إن هذا ما يحدث بعد معظم الأزمات المالية.

وثانيهما مستقبل قاتم كئيب حيث يبقى النمو دون معدلاته بشكل مستمر وحيث يكون الاستثمار والتشغيل والإنتاج أضعف مما كان عليه سابقا.

هناك فرق شاسع بين حصيلة الحالتين كما يبين تقريرنا الخاص حول الاقتصاد العالمي, فاستمرار الضرر الذي حاق بنمو الاقتصادات يمكن أن يؤدي إلى مستقبل أكثر ظلمة بالنسبة لزيادات الدخل وتراجع التوقعات، وهو ما على صناع السياسة أن يتحاشوه.

ومن أجل ذلك عليهم القيام بمناورات عديدة ذكية منها زيادة الطلب الآن دون تبذير الأموال العامة, واحتواء البطالة دون تحويل العمال من الصناعات القديمة إلى أخرى جديدة ولعل الأهم من أي شيء آخر هو تعزيز ودعم الابتكار والتجارة وهما أقوى محركات النمو.

إن زيادة الطلب هي المهمة الأكثر إلحاحا, فليس سرا أنه يجب إعادة التوازن في الإنفاق العالمي, فعلى المستهلكين الأميركيين الذين يرزحون تحت عبء الديون أن يقللوا من استهلاكهم في حين يجب على الدول المزدهرة أن تزيد من الاستهلاك وتقلل من الادخار، وهو ما يعني عملة أقوى بالنسبة للصين وكذلك التوسع في شبكات الضمان الاجتماعي وزيادة في المساعدات الكلية من أجل زيادة حصص العمال من الدخل.

أما ألمانيا واليابان فهما بحاجة إلى إصلاحات بنيوية من أجل زيادة الإنفاق خاصة في مجال الخدمات، ولكن غياب الإرادة السياسية هي السمة التي كانت واضحة منذ زمن طويل. ومن هذه الناحية يبدو أن دول العشرين قد حققت تقدما حيث وعد المجتمعون في بيتسبرغ بالتزام أعضائها بمراجعة معمقة لسياساتها الاقتصادية, ورغم أن تلك المراجعات قد تكون عديمة الجدوى وغير مؤثرة, لكن الالتزام بها يعتبر خطوة إلى الأمام.

"
الاقتصاد العالمي سيعتمد في مجال الإنفاق على الحكومات لمدة أطول مما يرغب فيه أي شخص
"
إن الإنفاق الخاص في الاقتصادات الكبيرة لن يرتفع بين عشية وضحاها, فالاقتصاد العالمي سيعتمد في مجال الإنفاق على الحكومات لمدة أطول مما يرغب فيه أي شخص, ويمكن للإصلاحات المالية الفجة أن تهدد التعافي كما تعلمت أميركا في العام 1937 واليابان بعدها بستين عاما.

فعلى الحكومات إصلاح وضع ميزانياتها لكن عندما يصبح القطاع الخاص قويا بشكل كاف فقط، ويجب أن تتم التعديلات من الاقتطاع في الإنفاق, وبينما يجب أن تزداد العائدات, يجب أن تكون الضرائب على الاستهلاك أو الكربون أفضل من تلك التي تفرض على الرواتب والأرباح.

يجب على الحكومات مكافحة البطالة بدون التضخم في سوق العمالة, فالبطالة يمكن أن تتسبب في أضرار بعيدة المدى ودائمة حيث يفقد الناس مهاراتهم وتواصلهم مع سوق العمل، وهذا مبرر لبذل الجهود لإبطاء التسريح المؤقت أو تشجيع التشغيل لكن كافة العلاجات ليس بالضرورة أن تكون بنفس المقدار.

ومن بين أكثر الأساليب المتبعة حاليا الدفع للمشغلين لأجل تخفيض ساعات العمل بدلا من تقليل الوظائف كما هي الحال في ألمانيا في محاولة لإبقاء بنية العمل على قوتها, ويجب أن تحتفظ الاقتصادات بحريتها في إعادة تشكيل نفسها والسماح للصناعات المزدهرة بالحلول محل المتعثرة.

إن حالة نمو الإنتاج هي من يقرر طبيعة الحالة السوية الجديدة أكثر من أي شيء آخر, ففي العالم الغني الابتكار هو من ينظم المسار, أما في الأماكن الأخرى فإن التجارة غالبا ما تكون أكثر أهمية ولكن كليهما يتعرضان للخطر في الوقت الحالي.

الشركات التي تعاني من نقص في السيولة تقلل من الإنفاق على البحوث والتطوير, أما الاقتصادات الناشئة فعليها إعادة التفكير بخصوص اعتمادها على التصدير, وسوف تضطر كل من الحكومات الفقيرة والغنية إلى التدخل وعليها تجنب دعم بعض الصناعات عن طريق المساعدات أو الحماية, فالسماح بإعطاء الإشارة للأسواق بالعمل سيؤدي إلى تعزيز الإنتاجية أكثر من السياسة الصناعية الرعناء.

على ضوء هذا الوضع، فإنه لا مفر من مواجهة الصعوبات, فالتوجه نحو الحالة السوية لا يجب أن يؤدي إلى المجاملة كما قالت مجموعة العشرين, ورغم أن العاصفة قد مرت, فإن هناك المزيد من العمل بانتظار صناع السياسة وعليهم تجنب ارتكاب الكثير من الأخطاء إن كانوا يريدون أن يتم التعافي على أحسن وجه.

المصدر : إيكونوميست