وقف التحقيق قرار غبي يتنافى مع المبادئ الأخلاقية

قرار وقف التحقيق في اتهامات الرشا في صفقة بريطانية سعودية مثل أهم ما ماجت فيه صحف بريطانيا اليوم السبت, غير أن إحداها طالبت بمحاكمة زعماء الدول التي شاركت في غزو العراق في بغداد، وحذرت أخرى من التدخل في دارفور لئلا يتكرر المشهد العراقي هناك أيضا.

"
كيف يمكننا أن نظل نلقي المحاضرات على الدول النامية حول الحكم الرشيد في الوقت الذي نقوم فيه بتجميد تحقيق جنائي بهذه الطريقة
"
لامب/فايننشال تايمز
قرار غبي
لا تزال قضية وقف الحكومة البريطانية للتحقيق في اتهامات لشركة BAE البريطانية بأنها دفعت رشا لمسؤولين سامين في العائلة الحاكمة بالسعودية مقابل تأمين الحصول على صفقة تجارية كبيرة تستقطب تغطيات الصحف البريطانية.

رئيس الوزراء البريطاني توني بلير دافع أمس عن قرار حكومته, مؤكدا أنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك نظرا "للضرر الهائل" الذي يهدد المصالح البريطانية إذا لم يوقف هذا التحقيق, هذا ما أورته صحيفة فايننشال تايمز.

الصحيفة لاحظت أن أسهم BAE شهدت ارتفاعا كبيرا على أثر الإعلان عن هذا القرار الذي يعتقد أنه سينقذ صفقة تجارية بمليارات الدولارات ويحمي آلاف الوظائف.

لكنها نقلت عن نورمان لامب مدير شؤون موظفي سير منزيز كمبل زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار تنديده الشديد بهذا القرار، متسائلا "كيف يمكننا أن نظل نلقي المحاضرات على الدول النامية حول الحكم الرشيد في الوقت الذي نقوم فيه بتجميد تحقيق جنائي بهذه الطريقة؟"

وفي نفس الإطار, كتب أوليفر كام في صحيفة تايمز يقول إن التبذير المعهود عن أفراد العائلة الحاكمة في السعودية مصدر سخط واستياء المواطنين السعوديين, الأمر الذي شجع لديهم التطرف الديني.

واستخلص من ذلك أن وقف هذا التحقيق لن يزيد القوى المتشددة المناهضة لبريطانيا إلا حنقا عليها.

وأضاف أن بلير قام بدلا من الضغط لدفع السعودية إلى إجراء إصلاحات سياسية بالإذعان للفساد تحت مبررات المصلحة العليا للوطن, مشيرا إلى أن هذا القرار مجرد من المبادئ الأخلاقية, بل إنه أسوأ من ذلك, قرار غبي".

"
لا المصالح الاقتصادية القومية للبلد ولا الآثار المحتملة على علاقاته مع بلد آخر ولا هوية الأشخاص الشرعيين أو الطبيعيين المتورطين في قضية يحقق فيها، يجوز أن تؤثر على مجرى ذلك التحقيق
"
OECD/ديلي تلغراف
تحدي القرار
وكشفت صحيفة غارديان عن أن هذا القرار المثير للجدل ربما يقدم طعن ضده في المحكمة العليا.

ونقلت عن عدد من مناهضي انتشار الأسلحة قولهم إنهم طلبوا من محاميهم دراسة تقديم شكوى ضد المدعي العام اللورد غولدسميث على خلفية قراره بوقف هذا التحقيق.

أما صحيفة ديلي تلغراف فحذرت من أن بريطانيا ربما تواجه تحقيقا في الفساد المالي من طرف المنظمة الدولية للاقتصاد والتعاون والتنمية (OECD) بسبب تعليقها للتحقيق المذكور.

ونقلت عن مارك بيث, رئيس المجموعة المكلفة بالرشا قوله البارحة إنه مهتم جدا بالقرار البريطاني, قائلا "نحتاج استفسار البريطانيين حول بعض المسائل, إذ إن مبررات غولدسميث لم تهدئ مخاوفي".

وذكر بيث أن عددا من عمال مجموعته اتصلوا به لمعرفة ملابسات القرار البريطاني.

وأشارت الصحيفة إلى أن بريطانيا عضو في هذه المنظمة وأنها إحدى الدول التي وقعت عام 1999 على المعاهدة الخاصة بمكافحة الرشوة التي تنص على أن التحقيقات "يجب ألا يمارس أي نفوذ على مجراها بغض النظر عن الاعتبارات المقدمة لذلك, "فلا المصالح الاقتصادية القومية للبلد ولا الآثار المحتملة على علاقاته مع بلد آخر ولا هوية الأشخاص الشرعيين أو الطبيعيين المتورطين في القضية التي يحقق فيها، يجوز أن تؤثر على ذلك".

المحاكمة البغدادية
تحت عنوان "يجب أن يحاكم زعماؤنا في بغداد" كتب فيكي وودز مقالا في ديلي تلغراف نقل في بدايته عن رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور قوله أمس إن الوقت قد حان كي يقدم بلير تصوره لمسار الأحداث المستقبلي في العراق, كما دعا لإجراء تحقيق في أسباب غزو العراق أصلا.

ووصف الكاتب كيف دار اللقاء الأخير بين بلير والرئيس الأميركي جورج بوش بعد صدور تقرير بيكر, ولاحظ أن تعليقات كلا الزعيمين على هذا التقرير كانت غريبة.

ونقل ما قاله مراهق أميركي باسم جورج ماكغوفرن عام 2002 في إطار الحملة المناهضة للحرب حيث قال "أنا جد مستاء مما يحلم به عجزتنا من حروب يراد للشباب الموت فيها" وكان يتحدث عن وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني.

وقال وودز إنه يتابع ما يكتب في عدد من المدونات العراقية لبعض مثقفي السنة, مضيفا أن أهم ما توصلت إليه إحداها هو أنه حان الوقت لجلب بوش وبلير إلى بغداد لمحاكمتهما هناك على ما سبباه من مآس للعراقيين.

"
حذار من التدخل في دارفور فالتدخل العسكري لأسباب إنسانية ينقلب لا محالة إلى تدخل لأسباب سياسية, لا يمكن التنبؤ بعواقبها
"
كالدويل/ فايننشال تايمز
أزمة دارفور
تحت عنوان "من الأفضل ألا نتدخل في دارفور" كتب كريستوفر كالدويل تعليقا في فايننشال تايمز قال فيه إن دعاة التدخل العسكري في دارفور تعزز موقفهم في الفترة الأخيرة بعد أن انضم إليهم عدد من صانعي السياسة البريطانيين والأميركيين الفاعلين.

وأضاف أن هناك مؤشرات على أن الزعماء الغربيين لم يعودوا مستعدين للانتظار طويلا قبل اتخاذ إجراءات للعب دور أكبر في دارفور, مشيرا إلى أن هناك حديثا عن "خطة ب" بديلة عن العروض المقترحة على الحكومة السودانية لحل الأزمة.

لكن الكاتب ذكر بالدرس الذي تعلمه العالم ليس من العراق وحسب بل أيضا في الصومال وكوسوفو الذي يتلخص في أنه لا وجود لشيء اسمه "الغزو الإنساني".

وأضاف أن بإمكان الغرب تدمير الحكومة السودانية ومعاقبة قادتها, كما فعل في العراق, وبإمكانه دعم إحدى الجماعات المسلحة على حساب جماعات أخرى كما فعل في كوسوفو, وبإمكانه توفير الغذاء للناس لفترة كما فعل في الصومال, لكن ما هو مؤكد هو أن التدخل العسكري لأسباب إنسانية ينقلب لا محالة إلى تدخل لأسباب سياسية, لا يمكن التنبؤ بعواقبها.

المصدر : الصحافة البريطانية