المبادرة السعودية والانتخابات الفرنسية

باريس ـ وليد عباس
أغلب الصحف الفرنسية ركزت على قضايا داخلية، وخصوصا الحملة الخاصة بالانتخابات الرئاسية، أو بقضايا اقتصادية وثقافية. ودوليا على المبادرة السعودية والتطبيع مقابل الانسحاب، وردود الفعل على هذا العرض محليا ودوليا.

الخطة السعودية تهز الشرق الأوسط


الدبلوماسية استيقظت، فجأة، في الشرق الأوسط، خلال بضعة أيام" بفضل مبادرة السلام السعودية

الفيجارو

ورأت صحيفة الفيغارو أن "الدبلوماسية استيقظت، فجأة، في الشرق الأوسط، خلال بضعة أيام" بفضل مبادرة السلام السعودية "وبعد حماس الفلسطينيين، واهتمام الإسرائيليين، جاء دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا ومصر والأردن بالأمس ليقدموا دعمهم لهذه المبادرة"، وذلك بالرغم ما لاحظته الصحيفة من أن اقتراحات الأمير عبد الله لا تحمل الجديد، وأنها لا تتجاوز تطبيق مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي تنادي به الأمم المتحدة منذ عشرات السنين، كما أشارت الصحيفة إلى أنه لم يتم وضع الأفكار السعودية، رسميا، على طاولة المباحثات بسبب سياسة القمع التي يمارسها رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، وإنما اكتفى ولي العهد السعودي بعرضها في حديث مع كاتب بصحيفة النيويورك تايمز الأميركية، وعلقت الفيغارو على ذلك قائلة "بالرغم من أن الأفكار السعودية محدودة، أو ربما لأنها محدودة، فإنها تثير الارتياح والتأييد، في ظل وضع يدعو لليأس في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"… "كل طرف يأخذ الجانب الذي يعجبه، حيث يهنئ الإسرائيليون أنفسهم بعملية تطبيع العلاقات مع البلدان العربية المعروضة عليهم، رافضين أي التزام بالانسحاب إلى خطوط 4 يونيو/ حزيران 1967، بينما يركز الفلسطينيون على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة"، وتحدثت الصحيفة عن دعوة رئيس إسرائيل موشي كاتساف للأمير عبد الله لزيارة القدس وإعلانه عن استعداده لزيارة الرياض لبحث هذه المبادرة، كما تحدثت عن زيارة الممثل الأعلى للدبلوماسية الأوروبية خافيير سولانا، الذي يصل إلى جدة اليوم حاملا رسالة من وزر الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز.

ولكن الفيغارو، وإن تحدثت عن حدود العرض السعودي، إلا أنها لم تشر إلى أن هذه الحدود تتعلق بقضايا أساسية في المفاوضات بين الجانبين، وهو ما أشارت إليه صحيفة فرانس سوار، بعد أن عرضت لردود الفعل الإيجابية على المبادرة السعودية وعناصرها المختلفة، حيث قالت "إعادة إطلاق عملية السلام هذه تواجه بعض العقبات، حيث لا يبدو أن قضية القدس خاضعة للتفاوض في المبادرة السعودية، ويطالب الأمير بانسحاب كامل للإسرائيليين، فلم يكن باستطاعته أن يخاطر بإثارة استياء الأغلبية من شعبه بتنازل على هذا القدر من الأهمية".

وتحدثت ليبراسيون عن العقبات السياسية والدبلوماسية، مشيرة إلى أن الاقتراح الإسرائيلي بعقد لقاء مع المسؤولين السعوديين أو زيارة ولي العهد السعودي إلى القدس يواجه انتقادات قاسية في الصحف السعودية والخليجية التي تصفه بأنه مناورة، ونقلت ليبراسيون عن هذه الصحف قولها "إن تبادل الزيارات يمكن أن يحدث لدعم اتفاقيات تم التوقيع عليها، وليس في بداية مبادرة لم يتخذ الإسرائيليون موقفا واضحا منها بعد"، كما نقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي أسفه لأن شارون يحاول، في أحسن الاحتمالات، تفريغ المبادرة السعودية من مضمونها بتحويلها إلى مجرد بداية لتطبيع العلاقات الإسرائيلية السعودية، وفي أسوأ الاحتمالات، يحاول شارون القضاء على مصداقية المبادرة بالدعوة إلى لقاء، يعرف جيدا أنه لا يمكن قبوله.


الاقتراح الإسرائيلي بعقد لقاء مع المسؤولين السعوديين أو زيارة ولي العهد السعودي إلى القدس يواجه انتقادات قاسية في الصحف السعودية والخليجية التي تصفه بأنه مناورة

ليبراسيون

ولربما يكمن السبب في محاولات شارون هذه، ما أكدته صحيفة لوموند عن "النتائج الصعبة لقبول هذه المبادرة على الائتلاف الحاكم في إسرائيل، والذي لن يتمكن من البقاء في حال بدء حوار مع السعوديين على أساس مبدأ "الأرض مقابل السلام"، كما يؤكد وزير الدفاع العمالي بنيامين بن أليعازر، خصوصا وأن الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي المحتلة في 1967 لا يقتصر على الأراضي الفلسطينية، وإنما يشمل، أيضا، الأراضي السورية. ويبدو من الصعب الاعتقاد بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية سيوافق على اقتراحات تجبره على تفكيك جزء كبير من المستوطنات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وتقاسم القدس. ولكن المعلقين الإسرائيليين يشيرون إلى أنه لن يستطع الاستمرار في اتخاذ موقف متزمت، رفض بناء عليه، حتى الآن، خطة أحمد قريع - بيريز، والمقترحات الأوروبية الأخيرة".

خلفيات المبادرة السعودية
رأت صحيفة ليبراسيون أن صورة الأمير عبد الله كأحد المدافعين عن القومية العربية، سمحت له بالحديث عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون أن يشكل ذلك صدمة كبيرة للشارع العربي الذي يسود فيه سخط كبير على عمليات القمع الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وأنه حقق هدفه باستعادة زمام المبادرة أمام الولايات المتحدة، حيث واجهت المملكة انتقادات قاسية بعد اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول الماضي التي تورط فيها عدد كبير من السعوديين، ويشكل ذلك تغييرا كبيرا بينما كان التوتر يتصاعد في العلاقات السعودية الأميركية، خصوصا بعد أن ألمحت الرياض إلى رغبتها في إغلاق القواعد الأميركية على أراضيها.

وأكدت صحيفة فرانس سوار على الفكرة ذاتها، معتبرة أن المملكة السعودية ربحت من وراء هذه المبادرة، حيث تتهمها حليفتها أميركا بشكل مكشوف، أكثر فأكثر، منذ اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول الماضي بتمويل الإرهاب الدولي، وتوترت الأمور على محور واشنطن - الرياض، كما أن الاستقرار في الشرق الأوسط سيشكل عامل تهدئة في المملكة ويسمح للسعوديين بإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية فيما يتعلق بالحركات الإسلامية المكممة، حتى الآن، بفضل البترودولار، بحسب الصحيفة.

العراق... الهدف الأميركي المقبل
وانفردت صحيفة لاكروا بتخصيص عنوانها الرئيسي وملف كبير للنوايا الأميركية بشأن العراق، وقالت في عنوانها الرئيسي، فوق صورة لملصق يحمل صورة صدام حسين في أحد شوارع بغداد، "بوش يتحرك لقلب صدام حسين"، ونشرت الصحيفة حديثا مع أحمد شلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي الذي يجمع عدة فصائل من المعارضين لنظام صدام حسين، وأكد شلبي أن إسقاط النظام العراقي عملية سهلة إذا قررت الولايات المتحدة ذلك، وأنه لا يوجد عراقي مستعد للقتال دفاعا عن صدام حسين، وأن المعركة العسكرية لتحقيق ذلك لن تستغرق أكثر من بضعة أسابيع، وفيما يتعلق برفض البلاد العربية لعمل عسكري ضد النظام العراقي، أكد أحمد شلبي أن البلدان العربية ستؤيد التحرك الأميركي عندما تتأكد من جدية واشنطن في القضاء على صدام حسين، كما شرح رئيس المؤتمر الوطني سيناريو العملية العسكرية كما يراه، حيث يريد أن يتولى الأمر العراقيون من خلال انتفاضات في كردستان وجنوب وغرب العراق، مع دعم أميركي يتلخص في تقديم المعدات والتدريب اللازمين، والقيام بعمليات قصف مكثف للأهداف العراقية.

ونشرت صحيفة لاكروا تذكيرا مختصرا بماضي شلبي المضطرب، حيث كان مالك بنك بترا في الأردن، وصدر ضده حكم قضائي بإفلاس البنك عام 1989، وبالرغم من سمعته في الأوساط المالية وشكوك الخارجية الأميركية بشأنه، فإنه يتمتع بعلاقات قوية في الكونغرس الأميركي وفي إدارة بوش الجديدة.


ستضطر الأنظمة العربية التي توصف بأنها معتدلة لخيار صعب يتلخص في الوقوف ضد شعوبها أو الوقوف ضد الولايات المتحدة، وتعتقد هذه الأنظمة أن واشنطن لا تنصت ولا تهتم بمخاوفهم

لاكورا

ونشرت الصحيفة تحليلا حول الحملة المحتملة، مشيرة إلى أنها ستبدأ بعمليات قصف مكثفة للدفاعات الجوية العراقية، يليها انتشار القوات على الأرض، شرط تزويد هذه القوات بوسائل الحماية ضد الأسلحة الكيميائية والجرثومية، وأشارت الصحيفة، نقلا عن المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، أن الاستعداد لهذا الهجوم يحتاج إلى ستة أشهر على الأقل، لإعادة تجهيز مخازن الأسلحة والقنابل التي أفرغتها الحرب في أفغانستان، كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تتأكد من قدرتها على استخدام قواعدها العسكرية في المنطقة، وخصوصا في المملكة العربية السعودية والكويت وتركيا والبحرين وعمان، وسيحتاج الأمر لتعبئة مائتي ألف جندي أميركي، بينما لا تتمتع القيادة العسكرية الأميركية في المنطقة بأكثر من ستين ألف جندي، أخيرا أشار التحليل إلى أن رفض بغداد السماح للمفتشين الدوليين بالعودة إلى العراق يمكن أن يشكل الذريعة اللازمة لشن هذه الحملة.

ولكن صحيفة لاكروا تساءلت في مقال آخر عن رد فعل البلدان العربية المجاورة، التي تخشى أن تؤدي عملية عسكرية أميركية ضد العراق إلى ضرب اقتصادهم وتخلق أزمة جديدة على مستوى المنطقة، حيث ستضطر الأنظمة العربية التي توصف بأنها معتدلة لخيار صعب يتلخص في الوقوف ضد شعوبها أو الوقوف ضد الولايات المتحدة، وتعتقد هذه الأنظمة أن واشنطن لا تنصت ولا تهتم بمخاوفهم.

المصدر : الصحافة الفرنسية