أزمات عربية وأدوار أميركية

الدوحة - الجزيرة نت
استعرض الكاتب الفلسطيني منير شفيق في صحيفة الشرق القطرية الصادرة اليوم أربع أزمات عربية انفجرت في أسبوع واحد تقريبا ملمحا إلى البعد الأميركي المتصل بتلك الأزمات.

أزمات أربع
ويجمل الكاتب هذه الأزمات التي يعتبرها مؤثرة في نسيج الوحدة الوطنية لأربع دول عربية على النحو التالي:

* الأزمة بين الأمازيغ في منطقة القبائل والحكومة الجزائرية ومعها الجيش والرئاسة.
*الأزمة في السودان حين صعدت قوات التمرد عملياتها العسكرية وراحت تهدد باحتلال آبار النفط.
*الأزمة في مصر حين أساءت صحيفتا "النبأ" و"آخر خبر" إلى الكنيسة القبطية مما أدى إلى اندلاع تظاهرات في باحة البطريركية.
*الأزمة في الأردن التي ثارت برفض الحكومة الأردنية إدخال المهندس إبراهيم غوشة عضو المكتب السياسي والناطق الرسمي لحركة حماس إلى الأردن وإبقائه مع الطائرة القطرية محتجزين في مطار عمان.


لو أن الولايات المتحدة في وضع دولة من الدرجة الثانية ولا نقول من الدرجة الثالثة أو الرابعة، وواجهت دولة كبرى مثل ما تفعل الولايات المتحدة نفسها الآن، وراحت تعبث بتناقضاتها الداخلية لكانت أول من تمزق شذر مذر
ويقول الكاتب: بالتأكيد لا يمكن وضع الأزمات الأربع في سلة واحدة أو على مستوى واحد، فلكل ظروفها الداخلية الخاصة، ولكل حجمها وأهميتها وأبعادها، ولكن حدوثها في وقت متقارب جداً وتحول كل منها إلى قضية أشغلت عناوين الصحف ونشرات الأخبار والتعليقات لأيام متواصلة يسمح بتناولها في مقالة واحدة خصوصاً ولأن للسياسات الأميركية التي اتبعت في المنطقة في العقد الماضي علاقة ما بكل منها.

دور أميركي
وأضاف: لابد من أن ينشأ جدال حول علاقة تفجر أزمات داخلية بالدور الخارجي الأميركي، وأحياناً الغربي عموماً، وفي بعضها لعبت الصهيونية دوراً واضحاً سواء كان عبر الكونغرس الأميركي أم عبر الدولة العبرية مباشرة.

ويقول الكاتب: بالمناسبة لو أن الولايات المتحدة في وضع دولة من الدرجة الثانية ولا نقول من الدرجة الثالثة أو الرابعة، وواجهت دولة كبرى مثل ما تفعل الولايات المتحدة نفسها الآن راحت تعبث بتناقضاتها الداخلية، لكانت أول من تمزق شذر مذر وعندها السود والهسبانك والكاثوليك والأقليات المهمشة ثم المصالح الضيقة للولايات المختلفة.

أزمة السودان


لعل كشف الدور الذي تلعبه الإدارة الأميركية وبريطانيا في الأزمة السودانية مسألة ضرورية من أجل إضعاف ذلك الدور وإحراجه ومن ثم إنجاح التسوية المعادلة
ويستعرض الكاتب الأزمات الأربع موضحا الدور الأميركي فيها فيقول: في الأزمة السودانية عندما يجد جون قرنق تشجيعاً ودعماً أميركياً وبريطانياً ويجد دولاً منقادة وراء أميركا تؤمن له القاعدة الأمنية والحماية، فلماذا لا يطمع بفرض شروطه على السودان كله؟ ولماذا لا يفكر بتقسيم ينتزع قسماً كبيراً من السودان؟ يجب أن يكون قرنق من الملائكة حتى لا يفعل ذلك ويقبل بما يمكن أن تعطيه المساومة الداخلية وميزان القوى الداخلي، أو الوساطة المصرية الليبية، أو حتى وساطة الإيقاد.. أما موضوع الإسلام فذريعة ليس أكثر، فالمطلوب رأس السودان كله.

ويضيف: إن تفجر الأزمة مع التمرد في السودان في الأسبوع الماضي نتيجة مباشرة لزيارة كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية لأفريقيا، ولما أُعلن من سياسات تكشف عن نية التدخل في الشؤون الداخلية لكل أفريقيا وليس للسودان فقط. وهذا يفسر لماذا راح جون قرنق يضرب بقبضته على الطاولة الآن.

ولعل كشف الدور الذي تلعبه الإدارة الأميركية وبريطانيا في هذه الأزمة مسألة ضرورية من أجل إضعاف ذلك الدور وإحراجه ومن ثم إنجاح التسوية المعادلة والاحتكام لصناديق الاقتراع.

أزمة الأقباط


هناك قوى تريد تأزيم الوضع في مصر ونقله إلى صراع طائفي، وهو أمر راح يشتغل عليه الكونغرس الأميركي، وبإيعاز صهيوني، وأصبح جزءاً من سياسة الإدارة الأميركية
وينتقل الكاتب إلى الأزمة في مصر فيقول: صحيح أن الأقباط الذين احتجوا على جريدة "النبأ" -والتي أساءت للكنيسة حين لم تشر إلى أن الرجل المتهم بالفضائح قس سابق طردته الكنيسة منذ خمس سنين- كان معهم الحق في التظاهر والاحتجاج.

ولكن بعد أن جاء رد الفعل من جميع القوى المصرية الفاعلة وفي مقدمتها الأزهر والإخوان المسلمون في الوقوف الحازم إلى جانبهم ومناصرتهم والتأكيد على الوحدة الوطنية، ثم بعد أن اتخذت الحكومة وبسرعة إجراءات رادعة بحق الدار والصحيفة ومحررها، كيف يفسر استمرار الأزمة، خصوصاً بعد أن أعلن البابا شنودة رضاه عن إجراءات الردع ودعا المتظاهرين إلى الهدوء؟

ويضيف: التفسير الوحيد أن هناك قوى تريد تأزيم الوضع ونقله إلى صراع طائفي وهو أمر راح يشتغل عليه الكونغرس الأميركي، وبإيعاز صهيوني، وأصبح جزءاً من سياسة الإدارة الأميركية. أي تشجيع الفتنة بين الأقباط والمسلمين وتأجيجها، وهذا ما يسمح لقلة من مرضى النفوس من بين المسلمين والأقباط بأن يحاولوا "الصعود" عبر اللعب بنار الفتنة.

أزمة الجزائر


ما يلفت الانتباه إلى أن قلة مرتبطة ثقافياً أو سياسياً بالخارج راحت تنشط لتحويل الصراع إلى صراع أمازيغي عربي، أي إلى الفتنة، الأمر الذي يوجب أن تتحد قوى الوسط والاعتدال، قيادات وجماهير، لوأد الفتنة
أما الأزمة الثالثة -كما يقول الكاتب- فتأتي في سياق تحريض أميركي أوروبي لإثارة ما يسمى قضية الأمازيغ. وقد عقدت في سبيل ذلك مؤتمرات عدة وارتفعت أصوات كثيرة فاحت منها رائحة نتنة فاتخذ البعض من نموذج التدخل الأطلسي في قضية كوسوفو حلماً يراد تحقيقه في البلاد العربية والإسلامية. هنا طبعاً يجب أن توضع المسؤولية الأولى ليس على التدخل الخارجي وإنما على الأزمة التي تعيشها الجزائر منذ عقد من الزمان وكيفية معالجتها لها.. مما فاقم المظالم والبطالة والفساد والفقر وفجر مختلف التناقضات الداخلية.

ومن ثم فإن ما يجري من انتفاضة جماهير القبائل الأمازيغ يجب أن يُرى جزءاً من حركة الشعب الجزائري كله للخلاص من الأزمة آنفة الذكر. ولهذا فهي ليست مشكلة أمازيغية عربية. ولكن ما يلفت الانتباه إلى أن قلة مرتبطة ثقافياً أو سياسياً بالخارج راحت تنشط لتحويل الصراع إلى صراع أمازيغي عربي أي إلى الفتنة، الأمر الذي يوجب، كما الحالة بين الأقباط والمسلمين في مصر، أن تتحد قوى الوسط والاعتدال، قيادات وجماهير، لوأد الفتنة وعزل المشبوهين وإعلاء صوت الوحدة الوطنية والعدالة للجميع.

أزمة غوشة


المصلحة العليا الأردنية هي في الوحدة الوطنية الداخلية، وفي الرباط من أجل فلسطين، وفي العمل ضمن السياق العربي الإسلامي العام، وهو ما يقتضي وأد الفتنة التي تريدها أميركا
ويصل الكاتب إلى الأزمة الرابعة فيقول: هذه الأزمة على مستوى مختلف تماماً، وضمن سياق آخر، ولكن طريقة المعالجة ستترك أثراً إيجابياً أو سلبياً داخل نسيج الوحدة الوطنية في الأردن، وهو ما يتطلب من الحكومة الأردنية ألا تتحمل وزر مشكلة أورثتها إياها الحكومة السابقة، وذلك بإنهاء الأزمة بحكمة وبعد نظر، خصوصاً وأن الظروف الراهنة تختلف جذرياً عن الظروف السابقة.

فحماس اليوم على علاقة جيدة بالسلطة الفلسطينية وبأغلبية الدول العربية، والتأييد الشعبي لها واسع في فلسطين وفي الأردن وعلى النطاقين العربي والإسلامي. فما معنى ألا تكون الحكومة الأردنية ضمن ذلك السياق حيث كان يفترض أن تكون السباقة إليه بسبب خصوصية العلاقة الأردنية الفلسطينية؟

فقد أثبتت التجربة أن كل ما في جعبة أميركا والدولة العبرية للأردن هو في غير مصلحته، وأن المصلحة العليا الأردنية هي في الوحدة الوطنية الداخلية، وفي الرباط من أجل فلسطين، وفي العمل ضمن السياق العربي الإسلامي العام، وهو ما يقتضي وأد الفتنة التي تريدها أميركا.

المصدر : الشرق القطرية