الهاون بدلا من الحجارة .. في غزة

باريس - وليد عباس
تنوعت المواضيع التي ركزت عليها الصحف الفرنسية الصادرة اليوم في عناوينها الرئيسية, وإن كانت أغلبها قضايا داخلية، وتابعت هذه الصحف في صفحاتها الدولية التصعيد الخطير للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما تحدثت صحيفة فرانس سوار عن كتاب لصحفي فرنسي يساري يهودي كان من المقربين للرئيس الراحل فرانسوا ميتران، تحدث فيه عن مشاكل ميتران والصعوبات التي واجهها في علاقاته مع اللوبي اليهودي الفرنسي.

وبالرغم من تنوع العناوين الرئيسية للصحف الفرنسية اليوم، فإنها ركزت على قضايا التنمية الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية والسياسية، وقالت صحيفة الفيجارو في عنوانها الرئيسي "الربيع الفاسد لجوسبان"، وأشارت الصحيفة إلى أن جوسبان الذي عقد ندوة حكومية قبل 10 أيام لتحديد المطالب الرئيسية للفرنسيين، يعقد اجتماعا جديدا للحكومة يهدف لاتخاذ إجراءات محددة في مجال الأمن.

واعتبرت الصحيفة أن جوسبان يدافع بذلك عن مصداقيته كمرشح لمنصب الرئاسة، يستطيع الدفاع عن قيم ومبادئ اليسار الفرنسي، وقالت الصحيفة في افتتاحيتها "إن ليونيل جوسبان يواجه حاليا لحظة حرجة قبل عام من موعد الانتخابات، فهل سيتمكن من تحسين وضعه؟ خصوصا وأن الصعوبات متعددة أمامه بين وضع عام غير واضح وأغلبية منقسمة"، وبينما يواجه جوسبان هذا الوضع الصعب، فإن "كبار أرباب العمل يريدون الحفاظ على تفاؤلهم" كما قالت صحيفة لوموند في عنوانها الرئيسي، ولاحظت أن المجموعات الاقتصادية الفرنسية ما زالت متفائلة بالرغم من تباطؤ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة وتصاعد حدة التوتر الاجتماعي في فرنسا، بينما يبدو القلق على رؤساء الشركات المتوسطة والصغيرة، ويتفق الجميع على احتمال تباطؤ عملية التنمية في فرنسا.

وفي هذا الإطار أشارت الصحيفة إلى استمرار الشركات الكبرى في الإعلان عن خطط لتسريح العاملين، حيث جاء الدور على شركتي "فاليو" و"إير-ليبرتي" للإعلان عن تسريح جزء من العاملين فيهما بعد شركتي "دانون" و "ماركس أند سبنسر".

واحتلت أزمة شركة "دانون" موقعا رئيسيا في الصحف الفرنسية اليوم، حيث تعتبر الأوساط النقابية والسياسية في فرنسا أنها تشكل مثالا صارخا على الشركات التي تحقق أرباحا كبيرة، وتسعى في الوقت ذاته لتسريح جزء من العاملين فيها لرفع أسعار أسهم الشركة في البورصة، مما أثار موجة احتجاج واسعة وبرزت الدعوة لمقاطعة منتجات مجموعة إنتاج المواد الغذائية الفرنسية.


إن الرئيس والمدير العام لمجموعة دانون صم الآذان، حتى الآن، أمام الاحتجاجات على خطة تسريح العاملين التي قرر تنفيذها

لومانيتيي
وقالت صحيفة لومانيتيي في افتتاحيتها "إن الرئيس والمدير العام لمجموعة دانون صم الآذان، حتى الآن، أمام الاحتجاجات على خطة تسريح العاملين التي قرر تنفيذها، واضطر بالأمس للحديث محتجا على تصاعد المقاطعة لمنتجات شركته والتعاطف العام المتزايد الذي يحيط بحركة الإضراب والاحتجاج للعاملين، في أحد مصانع المجموعة، المعرضين لخطر التسريح بسبب إغلاق هذا المصنع".

وتابعت الافتتاحية قائلة "ولكي تستحق المجموعة موقع البطل الوطني الذي يؤكد عليه رئيسها، ينبغي عليها أن تمتنع عن اعتبار العاملين فيها مجرد متغير لتصحيح وضع اقتصادي".

أما صحيفة ليبراسيون فقد أبرزت مسألة مقاطعة منتجات شركة "دانون" في عنوانها الرئيسي "مع المقاطعة .. أم ضدها؟" مركزة على الجدل الدائر حول مصلحة العاملين في الشركة، وعما إذا كانت تكمن في هذه المقاطعة أم أن الأمر سيصيبهم بأضرار أكبر، وحلل رئيس التحرير سيرج جولي القضية على المستوى السياسي في الافتتاحية قائلا "إن أحزاب ائتلاف اليسار المتعدد الساعية لاستعادة الناخبين المفقودين، وكسب الناخبين اليساريين غير الراضين عن حكومة جوسبان، اندفعوا إلى قضية دانون، ووجهوا دعوات مستمرة للمقاطعة، ومنعت بلديات المدن التي يسيطر علها اليسار مقاصف المدارس من شراء منتجات الشركة" .. "إلا إن هذه المقاطعة تعني، في واقع الأمر، إعفاء الداعين لها من اتخاذ أي إجراء حكومي أو تشريعي، كما تقطع الطريق أمام أي حوار سياسي حول هذه القضية، وتمنح أصحابها مظهرا راديكاليا، مما يعني، عمليا، أنهم لن يفعلوا أي شيء".

أما صحيفة الباريزيان فقد اهتمت بأزمة أخرى، ولكنها طبيعية وقالت في عنوانها الرئيسي "الفيضانات .. التي لا تنتهي" وتحدثت عن الأمطار التي ضربت أرقاما قياسية بالنسبة لشهر مارس/آذار، مما أدى لتغطية عدة مناطق فرنسية بالمياه، وتحدثت صحيفة فرانس سوار عن ذكرى رائد الفضاء السوفياتي يوري جاجارين كأول إنسان يصعد إلى الفضاء في 12 أبريل/نيسان 1961، وقالت في عنوانها الرئيسي "1961 - 2001 أوديسا الفضاء بلغت 40 عاما من العمر".

واهتمت الصحف الفرنسية، في صفحاتها الدولية، بالتطورات المتسارعة في الأراضي الفلسطينية، وتصاعد المواجهات بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين وتحت عنوان قالت فيه صحيفة ليبراسيون "لغة القذائف في غزة .. عين بعين" تحدثت الصحيفة عما وصفته بالتصعيد والتصعيد المضاد، الذي شهدته الأراضي الفلسطينية أمس، وبالرغم من إشارتها إلى قذائف إسرائيلية للرد على صواريخ فلسطينية إلا إن مراسلها في غزة تحدث أيضا عن المفر المستحيل أمام الشرطة الفلسطينية، واصفا إياها بميليشيا لا تتمتع بالتجهيزات اللازمة، ونقل عن أحد ضباط المخابرات الفلسطينية قوله إن استراتيجية الجيش الإسرائيلي أصبحت واضحة، وتقوم على عدم ترك أي فرصة أمام الفلسطينيين، حيث استخدمت الدولة العبرية أمس، صواريخ أرض - أرض بدلا من المروحيات التي كان الفلسطينيون يرصدون وصولها، مما يسمح لعدد منهم بالإفلات من قذائفها.


إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة ترفض البدء في مفاوضات جديدة قبل أن يلجم ياسر عرفات مقاتليه، فإن القائد الفلسطيني العجوز يريد أن يبرهن للإسرائيليين أن تحقيق الأمن والسلام أمر مستحيل خارج إطار المفاوضات

ليبراسيون
وقالت صحيفة ليبراسيون في الختام "إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة ترفض البدء في مفاوضات جديدة قبل أن يلجم ياسر عرفات مقاتليه، فإن القائد الفلسطيني العجوز يريد أن يبرهن للإسرائيليين أن تحقيق الأمن والسلام أمر مستحيل خارج إطار المفاوضات" وهنا، نقلت الصحيفة اعتراف قائد القوات الإسرائيلية في شمالي غزة بأن قذائف الهاون الفلسطينية أصبحت تهديدا خطيرا، وإن كانت الأمور لم تبلغ من الخطورة الوضع الذي كان سائدا في جنوب لبنان.

ولم تتردد صحيفة الفيجارو في تعليقها على المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية في الحديث عن الحرب، قائلة في عنوان مقالها "القواعد الجديدة للحرب"، ولاحظت أن الطبيعة الحقيقية للمواجهات اختلفت بشكل جذري بعد فشل مفاوضات السلام وانتصار أرييل شارون في الانتخابات الإسرائيلية، وانتقل الطرفان، كل وفق إمكانياته، إلى مستوى أعلى من المواجهة، وبعد أن حلت القذائف محل الحجارة في أيدي الفلسطينيين، فإن أهدافهم لا تقتصر حاليا على المستوطنين والجنود الإسرائيليين، وإنما امتدت لتشمل كيبوتسات حدودية تقع وراء الخط الأخضر.

ومن جهة أخرى فإن قطاع غزة، الذي يصفه الجميع بأنه سجن بدون سقف أصبح هدفا، بشكل لم يسبق له مثيل، وتقدم الإسرائيليون داخله، محولين الأراضي المحيطة بالمستوطنات إلى أراض غير آهلة بالسكان، كما تخلى الجيش الإسرائيلي عن أسلوب القصف الجوي الذي يثير الكثير من الضجة الإعلامية دون نتائج هامة، لصالح الضرب بصواريخ أرض أرض التي لا تترك فرصة أمام الفلسطينيين، والتي أدت لتدمير شامل لأهداف القصف الإسرائيلي.

ونشرت صحيفة لوموند نداء من منظمات غير حكومية أوروبية ومتوسطية، طالبوا فيه باتخاذ قرار عاجل بتشكيل قوة فصل دولية لحماية الفلسطينيين، حيث أفادت بعثة من هذه المنظمات أن حياة المدنيين الفلسطينيين أصبحت فوق طاقة احتمال البشر.


الحوار حول الوجود السوري أعاد إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية، خصوصا وأن اللبنانيين مازالوا يعيشون في حالة من التخوف من تكرار السيناريو الذي عاشوه في الماضي

الفيجارو

تناولت صحيفة الفيجارو، أيضا، تصاعد موجة الاحتجاجات داخل لبنان ضد الوجود السوري، ورأت الصحيفة أن غالبية هذه التحركات الاحتجاجية، تقع في إطار الشارع المسيحي، وأن الحوار حول الوجود السوري أعاد إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية، خصوصا وأن اللبنانيين مازالوا يعيشون في حالة من التخوف من تكرار السيناريو الذي عاشوه في الماضي.

وفي الشؤون الفرنسية الأخرى، خصصت صحيفة فرانس سوار مقالا لكتاب الصحفي جورج مارك بن عمو الذي صدر مؤخرا، وهو ثالث كتاب يصدره هذا الصحفي اليهودي اليساري عن شخصية ومواقف الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران.

ويحمل الكتاب عنوان "إنك لا تعرف عم تتحدث أيها الشاب"، وهي العبارة التي اعتاد ميتران أن يطلقها في وجه بن عمو، الذي كان من المقربين إليه. وينقل الصحفي في كتابه مضمون حوارات أجراها مع ميتران، ويكشف في أحد هذه الحوارات أن الرئيس السابق باح له بأنه بدأ يشعر بمضايقات بعض عناصر اللوبي اليهودي في فرنسا منذ عام 1992، ولكن الأمر لم يغير من قناعاته الرئيسية، ولم يحوله إلى معاد للسامية، كما يعود ميتران في حواره مع بن عمو على موقفه الرافض للاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية في مسألة نقل وإبادة اليهود على يد ألمانيا النازية، ويقول الصحفي "إن الملك لير يرفض الركوع طلبا للغفران، خلافا لما فعلته ألمانيا، وهو أمر مستحيل بالنسبة لفرنسا، كما شدد الرئيس الراحل".

ويبدو أن فرانسوا ميتران يثير الكثير من الفضول بعد وفاته، كما كان الحال أثناء حياته، حيث انفردت صحيفة فرانس سوار بنشر وثيقة، سوف تنشر للمرة الأولى في شهر مايو/أيار المقبل بمناسبة الذكرى العشرين لتسلم ميتران رئاسة البلاد، وتتألف هذه الوثيقة، من سلسلة حوارات مصورة، أجراها الصحفي الفرنسي المعروف جان بيير الكباش على مدى ساعات، في الفترة بين عامي 1993 و1994، واتفق الرئيس والصحفي، في ذلك الحين على عدم نشر هذه الحوارات قبل رحيل الرئيس ميتران. واليوم سيتم بث هذه الحوارات عبر القناة الفرنسية الثانية، بين 3 و10 من الشهر القادم.

 

 

المصدر : الصحافة الفرنسية