القمة العربية.. اعتدال وتصلب إزاء إسرائيل

أفردت الصحف الفرنسية الصادرة اليوم مساحات هامة لوقائع القمة العربية المنعقدة في عمان، ونشرت تحليلات إخبارية في محاولات للتنبؤ بما يمكن أن يخرج عن هذه القمة من قرارات بشأن القضية الفلسطينية والأزمة العراقية الكويتية.

إلا أن الصحف الفرنسية ركزت في عناوينها الرئيسية على آخر تطورات سلسلة الجرائم البشعة التي شهدتها باريس خلال العقد الأخير، حيث اعترف بالأمس جي جورج، الذي أطلق عليه اسم سفاح الشرق الباريسي، بعد 9 أيام من بداية محاكمته، باغتصاب وقتل سبع فتيات بين عامي 1991 و1997 في الأحياء الواقعة في شرق العاصمة باريس.

وقالت صحيفة ليبراسيون في عنوانها الرئيسي "حفل الاعترافات" مشيرة إلى انتهاء مسيرة الألم والعذاب التي عاشتها أسر الضحايا على مدى الأيام التسعة الأولى من المحاكمة، عندما صمم جي جورج على إنكار جرائمه، وتساءلت صحيفة الفيجارو في عنوانها الرئيسي "من المستفيد من اعترافات جي جورج؟" حيث رأت الصحيفة أن هذا الاعتراف المفاجئ، وتوجه جي جورج لعائلات الضحايا طالبا السماح والغفران، يمكن أن يكون جزء من استراتيجية الدفاع، بهدف التأثير على مشاعر أعضاء هيئة المحلفين.

واهتمت صحيفة اللومانيتيي بأمور السياسة الداخلية في عنوانها الرئيسي قائلة "اليسار يواجه ساعة الحساب.. هل تعيد الحكومة النظر في سياستها؟" حيث أكدت الصحيفة على ضرورة إجراء تغييرات في هذه السياسة بعد دروس الانتخابات الأخيرة، وخصوصا ما يتعلق من هذه الدروس بنسبة الممتنعين عن التصويت.


العقبة الرئيسية التي واجهت وزراء الخارجية العرب هي كيفية التوصل لصيغة توازن بين طموحات  الشارع العربي و الموقف المتصلب للعراقيين الذين يريدون العودة إلى مقدمة مسرح الأحداث كما لو أن شيئا لم يحدث

لوموند

وكانت صحيفة لوموند التي صدرت مساء أمس أول الصحف التي تحدثت عن القمة العربية في عمان، عاكسة الموقف السائد في القمة خلال الجلسة الافتتاحية، حيث قالت في عنوان مقالها "الدول العربية، ذات الموقف الموحد حول الانتفاضة، لاتزال منقسمة بشأن العراق" ورأت الصحيفة أن العقبة الرئيسية التي واجهت وزراء الخارجية العرب هي كيفية التوصل لصيغة توازن بين طموحات ورغبات الشارع العربي، الذي يطالب برفع فوري لكل العقوبات الاقتصادية والعسكرية المفروضة على العراق، وإنهاء معاناة الشعب العراقي، وبين مخاوف بعض جيران العراق وخصوصا السعودية والكويت، والتي يقتصر تأييدها على مطلب تخفيف العقوبات والإبقاء على مراقبة برامج التسلح العراقية، وبين الموقف المتصلب للعراقيين الذين يريدون العودة إلى مقدمة مسرح الأحداث في العالم العربي، كما لو أن شيئا لم يحدث.

وعلقت صحيفة لومانيتيي على قرارات القمة، وفق تصورها، قائلة في عنوان مقالها "اعتدال وتصلب إزاء إسرائيل"، حيث تعتقد الصحيفة، وفقا لمعلوماتها، أن القرار الذي يناقشه القادة العرب، فيما يتعلق بالعراق، سينص على رفع العقوبات الدولية عن بغداد، مقابل اعتراف لا لبس فيه من قبل العراق بوحدة وسيادة الكويت.

ولم يكن المحور الثاني لنقاشات القادة العرب، وهو القضية الفلسطينية، موضع خلاف شديد، وانما ظهرت بعض التباينات في وجهات النظر فيما يتعلق بآلية الدعم المادي والسياسي للفلسطينيين، حيث لاحظت صحيفة الفيجارو بعض الفوارق في النبرة بين خطاب الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي كانت كلمته مزيجا من التصلب والاعتدال، وحرص خلالها على إبقاء الباب مفتوحا أمام مفاوضات مستقبلية محتملة مع الإسرائيليين.
بينما أعطت كلمة الأسد انطباعا بموقف متصلب، فقد حرص على تسمية الأشياء بأسمائها بشكل دقيق ومحدد، وكما يراها هو، واتهم الإسرائيليين بأنهم لا يقلون عنصرية عن النازيين، ودعا العرب إلى التوقف عن المراهنة على تغيير ما، وعند كل تغيير حكومي في إسرائيل، مشددا على أن أرييل شارون يكره كل ما هو عربي، وأن الإسرائيليين هم الذين اختاروه، والأمر يغني عن كل بيان بالنسبة للرئيس السوري.

ولم يمر اللقاء بين بشار الأسد وياسر عرفات دون يستوقف الصحافة الفرنسية، التي اعتبرت أن التقارب بين القيادتين السورية والفلسطينية لا يحوز على رضاء الجميع، وذهبت صحيفة الفيجارو إلى أكثر من ذلك، حيث أكدت أن هذا التقارب يسبب، منذ الآن، بعض الهواجس لقطاعات من المسؤولين العرب، وفي مقدمتهم المسؤولون الأردنيون والمصريون الذين يتخوفون من أن تكون دمشق قد بدأت العمل لإعادة بناء قطب أو محور سوري لبناني فلسطيني.

وكما اهتمت الصحف الفرنسية بما يحدث في عمان، فإنها ركزت أيضا على ما حدث في المدينة المقدسة، وتحت عنوان "اعتداءان يهزان القدس" قالت صحيفة ليبراسيون "تكمن المشكلة في أن الإسرائيليين والفلسطينيين يجدون أنفسهم معا، بعد ستة أشهر من أعمال العنف، في طريق مسدود بين مطالب الرأي العام والضغوط الدولية، يتأرجح الفريقان، بشكل مستمر، بين الكفاح المسلح والرغبة في السلام. ويشكل رئيس الحكومة الإسرائيلية أفضل مثال على ذلك، حيث انتخبه الإسرائيليون بشكل مكثف لتحقيق الأمن بأي وسيلة، ويقف عاجزا اليوم عن الرد على عمليتي القدس تخوفا من رد الفعل الدولي، الذي ينتقده بسبب الحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية".


منذ بضعة أيام، يتلاعب شارون بإجراءات الحصار المفروض على الأراضي، فيقوم برفعه في هذا المكان، ويشدده في موقع آخر تبعا لتطورات الوضع الأمن

الفيجارو

وربطت صحيفة الفيجارو بين الحدثين في عنوان مقالها قائلة "اعتداءات في القدس بينما تنعقد القمة العربية" ورأت في الأمر أول اختبار لأرييل شارون المنتخب على أساس شعار الأمن، وقالت الصحيفة "منذ بضعة أيام، يتلاعب شارون بإجراءات الحصار المفروض على الأراضي، فيقوم برفعه في هذا المكان، ويشدده في موقع آخر، تبعا لتطورات الوضع الأمني. ويجد رئيس الحكومة الجديد نفسه أمام أول اختبار حقيقي، بعد أن تم انتخابه على أساس شعار الأمن، حيث يواجه الضغوط من ثلاثة أطراف.. من قبل المستوطنين والجيش والفلسطينيين.

وسواء جاء القرار من السلطة الفلسطينية أو من جماعات متطرفة، فإن اللحظة المختارة للقيام بهذه العمليات هي لحظة رمزية، حيث تنعقد القمة العربية في عمان، والمفاوضات جارية في الأمم المتحدة حول تدخل دولي محتمل، ويبدو واضحا أن مرتكبي هذه الاعتداءات يريدون استثارة إجراءات القمع الإسرائيلية".

ويبدو أن المواضيع العربية والشرق الأوسطية تتشابك اليوم مع القضايا الدولية، وبرز ذلك واضحا في تحليلات الصحف الفرنسية لزيارة وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين إلى الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي دفع بهذه الصحف لتحليل العلاقات الفرنسية الأميركية على الساحة الدولية، وتقاطع الأمر في نقطتين رئيسيتين مع أعمال القمة في عمان، حيث تناولت التحليلات الفارق بين مواقف الدبلوماسية الفرنسية والدبلوماسية الأميركية من قضية الشرق الأوسط، ومن الأزمة العراقية والعقوبات الدولية المفروضة على بغداد.

ورأت صحيفة لوموند أن السياسة الخارجية الأمريكية لإدارة بوش الجديدة تعطي انطباعا بحدوث قطيعة كاملة مع التوجهات البراجماتية للإدارة الديمقراطية السابقة التي كانت تتمتع باتجاهات أكثر حماسا للعمل المشترك مع دول أخرى، بينما تبدو مواقف ادارة بوش أكثر تشددا وتصلبا، وقد تأكد الأمر مع طرد الدبلوماسيين الروس وتعليق المفاوضات مع كوريا الشمالية والضربات الأخيرة ضد العراق، وكل هذه المؤشرات على سياسة جديدة متشددة تجاه أعداء الأمس تثير الجدل داخل المعسكر الجمهوري ذاته.

وفي هذا الإطار قالت صحيفة الفيجارو إن "تصلب واشنطن تجاه روسيا والصين يضع الأوروبيين في وضع صعب" ولكن الصحيفة اعتبرت أن "وزير الخارجية كولين باول هو صوت الحكمة والتروي في مواجهة صقور الجمهوريين وأنصار الحرب الباردة"، وبالنسبة لمشاعر القلق التي تثيرها السياسة الأميركية لدى حلفائها، ومنهم فرنسا، رأت الصحيفة أن وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين يتمتع بوقت كاف خلال زيارته الأميركية للعمل على تقليص الخلافات بين باريس وواشنطن، خصوصا فيما يتعلق بمشروع الدرع الأمريكي المضاد للصواريخ، والعقوبات المفروضة على العراق، والتي ترى باريس أنها ألحقت أذى كبير بالشعب العراقي، دون أن تمس سلطة الرئيس صدام حسين.

المصدر : الصحافة الفرنسية