حصار غزة نموذجا.. إسرائيل تعتمد "صناعة العدو" لتضمن استمراريتها موحدة

سفينة الحرية تبحر من غزة باتجاه قبرص لكسر الحصار
سلسلة من الرحلات البحرية نظمها الناشطون لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة (الجزيرة)

القدس المحتلة – اعتمدت إسرائيل فكرة "صناعة العدو" في صراعها مع العرب والفلسطينيين، وتجذرت الفكرة أكثر بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، والحرب الثانية على لبنان عام 2006، حين فشلت تل أبيب بحسم المعركة على الجبهة الشمالية لمصلحتها.

وتعتقد النخب العسكرية والسياسية الإسرائيلية أن الساحة الفلسطينية هي ساحة صناعة العدو، سواء لتصدير أزماتها الداخلية أو جعلها فزاعة الخطر الأمني على المشروع الصهيوني، وهي الفكرة التي رسختها بحصارها لقطاع غزة قبل 15 عاما، منذ أعلنت قطاع غزة "كيانا معاديا" في سبتمبر/أيلول 2007.

كيان وعدو

أرادت إسرائيل بإعلان غزة "كيانا معاديا" التحلل من التزامها تجاه قطاع غزة ومسؤوليتها عما سيحدث، والحروب التي ستخوضها ضد غزة وتوفير الغطاء القانوني لأي عمل عسكري بالقطاع، وتغييب أي مفاوضات سياسية من شأنها أن تفضي إلى تطبيق حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967.

وحسب تقديرات المحللين، فإن إسرائيل ترى في حماس "عدوا أيديولوجيا" عنيدا، فقد رفضت حماس الاعتراف بإسرائيل كثمن لرفع الحصار.

ويرى المحلل العسكري للإذاعة الإسرائيلية الرسمية "كان"، آيال عليمه، أن إسرائيل أرادت من وراء إعلان غزة "كيانا معاديا" فصل القطاع عن الضفة الغربية من الناحية اللوجستية والعملية، والأهم السياسية، ليتسنّى لها التعامل مع السلطة الفلسطينية والضفة الغربية بشكل منفصل مع التفرد بالقطاع.

ويؤكد عليمه -في حديثه للجزيرة نت- أن حصار غزة والشرخ بين حماس وفتح، وخلق معسكر "متطرف" و"معتدل"؛ عوامل تخدم المصلحة الإسرائيلية من ناحية سياسية، والسعي لتغييب القضية الفلسطينية سواء عن الأجندة الإسرائيلية أو حتى عن أولويات المجتمع الدولي.

ومن الناحية العسكرية، ترمي إسرائيل إلى إطالة دورة الصراع، وتبرير الهواجس من الخطر الوجودي، وبهذه الطريقة أوجدت إسرائيل كيانا جديدا وجبهة قتال ما زالت تفاجئ تل أبيب في كل حملة عسكرية.

ويوضح المحلل العسكري أن إعلان غزة "كيانا معاديا"، من خلال ما يسمى صناعة العدو، "يعود بالأساس إلى الفكرة السائدة في العقلية الإسرائيلية بضرورة إدارة الصراع مع الشعب الفلسطيني من دون حل مع غزة ومع الضفة، واعتماد سياسة السلام الاقتصادي عبر الردع الذي قد يكون اقتصاديا والهدوء والاستقرار مع غزة والضفة عبر تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين".

أما في إسرائيل، فيقول المحلل العسكري إن "العدو الأكبر هو القضية الفلسطينية التي تشكل تهديدا وجوديا وإستراتيجيا لاستمرارية إسرائيل بصفتها دولة يهودية لها شرعية ولها حدود معترف بها دوليا، حيث تعجز إسرائيل عن توفير الحلول لهذه القضية".

كيان وحصار

وفي الجانب الفلسطيني، يستعرض المتخصص في الشؤون الأمنية محمد لافي فكرة صناعة العدو التي وظفتها إسرائيل مع الدول العربية ومع حركات مقاومة عربية وكذلك مع الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن هناك دولا وكيانات انهارت بمفعول الحصار، وهي وصفة عدائية من دون حرب.

ويوضح لافي -في حديثه للجزيرة نت- أن إسرائيل استعانت في تعاملها مع الشعب الفلسطيني وفكرة حصار غزة وصناعة العدو بأفكار الاستخبارات الأميركية في منتصف الخمسينيات، عندما همس رئيسها، ريتشارد هولمز، في أذن ميلتون فريدمان، رائد "الليبرالية الجديدة"، قائلا له "اجعل الاقتصاد يصرخ". وكانت البداية تشيلي، وبعدها كانت كوبا وفنزويلا وإيران والعراق، ولبنان، وفلسطين، ولكن يبدو -كما يقول المتخصص في الشؤون الأمنية- أن "الفلسطيني أفشل مشروع الحصار الإسرائيلي".

ووفقا للمتخصص في الشؤون الأمنية، فإن المعتقد الإسرائيلي كان يرى أن فرض الحصار على حركة حماس، القليلة الخبرة في العمل السياسي، لأنها تقود دفة الحكم لأول مرة؛ سيبعدها عن المشهد السياسي على مدى سنوات، حيث تعتمد فكرة الحصار بالأساس على تحريض الناس على السلطة الحاكمة بوصمها بأنها سبب للحصار والجوع والضيق، وتم ربط رغد العيش بإزاحتها عن السلطة، وهذه رواية "تبنّتها إلى جانب إسرائيل السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي".

ويؤكد لافي أن إعلان إسرائيل لغزة "كيانا معاديا" وإحكام الحصار على القطاع أحدث ردة عكسية على تل أبيب، فهذا الوضع الخانق دفع بالفلسطينيين إلى الاقتناع أكثر بمشروع المقاومة، فهو يرى أثر الاحتلال الإسرائيلي في كل تفاصيل حياته اليومية: المياه، والكهرباء، والسفر، والعلاج.

مقاومة وصراع

ومما زاد من ترسيخ وديمومة الصراع- حسب لافي- "ما كان من تأليب قوى إقليمية ومحلية على حكومة غزة، واعتماد سياسة فرز للمنطقة إلى جبهتين: جبهة مع إسرائيل، عنوانها التطبيع، وجبهة ضد إسرائيل عنوانها مقاومة الاحتلال، وكذلك فقد استدعت إسرائيل أدوات أخرى ساعدت في استمرار الصراع وفتح جبهات أكثر اتساعًا من غزة".

ويقول لافي إن "إسرائيل ترى في وجود عدو يتربص بها فرصة لها لتوحيد جبهتها الداخلية، واستجلاب تعاطف الغرب والولايات المتحدة معها"، وقد استطاعت أخيرا أن تستقطب تعاطف رؤساء أنظمة عربية ضد غزة "العدو المناوب"، فاتسعت دائرة الانحياز لإسرائيل، وضاق الخناق على مشروع المقاومة.

ولكن يعتقد المتخصص في الشؤون الأمنية أن هذا وهم لن يطول، لأن التعاطف مع إسرائيل ينحصر في الإطار الرسمي للأنظمة الحاكمة وفي أضيق نطاق، أما الشعوب والمؤسسات المجتمعية في المنطقة العربية كافة فهي على النقيض تمامًا، إذ تقف مع الحق الفلسطيني وترفض الرواية الإسرائيلية بالمطلق.

المصدر : الجزيرة