الأزمة الأصعب منذ 2003.. ما الذي قد يشهده العراق خلال الأيام القادمة؟

تتأرجح التوقعات بين التهدئة على اعتبار أن الصدام المسلح نهاية الشهر الماضي أعطى تصورا للأطراف السياسية بأن هناك تذمرا شعبيا ودوليا من أي اقتتال داخلي، وبين المخاوف من التصعيد في حال مضي الإطار التنسيقي في عقد البرلمان دون موافقة التيار الصدري.

Shiite groups trying to enter Green Zone in Iraq
متظاهرون يحاولون دخول المنطقة الخضراء في بغداد خلال مظاهرات أغسطس/آب الماضي (الأناضول)

يترقب العراقيون ما ستؤول إليه الأوضاع السياسية المتأزمة بعد انتهاء التهدئة التي شهدتها الأيام الماضية خلال مراسم زيارة الأربعين لدى الشيعة. وتتأرجح التحليلات بين استمرار التهدئة أو تصاعد الصراع بين التيار الصدري من جهة، والإطار التنسيقي الذي يضم جميع الكتل السياسية الشيعية الأخرى من جهة ثانية.

وبلغت الأزمة السياسية ذروتها في نهاية أغسطس/آب الماضي، عندما اندلعت اشتباكات مسلحة داخل المنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد، ثم ما لبثت أن علّقت معظم القوى السياسية أنشطتها وتصريحاتها الإعلامية خلال الأيام الأخيرة التي رافقت مراسم زيارة "أربعينية الحسين" التي انتهت السبت، ليأتي بيان رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي مؤكدا على أن العراق يمر بأزمة سياسية قد تكون الأصعب منذ عام 2003 (الاحتلال الأميركي العراق).

وتتصاعد مخاوف العراقيين مع الحديث عن استعداد التيار الصدري لتصعيد جماهيري داخل المنطقة الخضراء في حال أقدمت الكتل المنافسة على استئناف جلسات مجلس النواب العراقي، وهو ما قد يجدد الصراع المسلح على غرار ما حدث في 28 أغسطس/آب الماضي.

مبادرات عديدة

وتحاول العديد من الكتل السياسية من داخل الإطار التنسيقي ومن الكتل السنية والكردية تقريب وجهات النظر والخروج بحل يرضي جميع الأطراف، في ظل التقارير التي تشير إلى ضغوط دولية لحل الأزمة السياسية في البلاد سلميا.

وعلى وقع الحديث عن المبادرة الأخيرة المشتركة بين تحالف السيادة السني والحزب الديمقراطي الكردستاني، يقول الباحث السياسي الكردي محمد زنكنة إن الحزب والتحالف قدما العديد من المبادرات، إلا أن نجاح الأخيرة مرهون بقبول التيار الصدري الذي يشترط حلّ البرلمان والإعداد لانتخابات جديدة، مع ضرورة موافقة الإطار التنسيقي على ذلك.

وفي حديثه للجزيرة نت، تابع زنكنة -المقرّب من الحزب الديمقراطي الكردستاني- أن الإعداد لانتخابات جديدة بحاجة لانعقاد مجلس النواب ثم حلّه وفق المادة 64 من الدستور، مع ضرورة تشكيل حكومة بصلاحيات كاملة، "كما أن الانتخابات بحاجة لموازنة مالية لا تتوفر حتى الآن بسبب عدم إقرار الموازنة العامة للبلاد في 2022".

المتحدثة باسم تحالف النصر آيات مظفر تحدثت عن تعاط إيجابي مع مبادرة التحالف (مواقع التواصل)

وكان تحالف النصر الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، المنضوي في الإطار التنسيقي، قد تقدَّم بمبادرة مشابهة لمبادرة السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني.

وتقول المتحدثة باسم التحالف آيات مظفر إن هناك مؤشرات إيجابية لعقد جلسة للبرلمان العراقي قريبا، لإكمال الاستحقاقات الدستورية لمجلس النواب، وذلك تزامنا مع مبادرة كتلة النصر لتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات تعمل على الدعوة لحل البرلمان والتهيئة للانتخابات المبكرة.

وفي حديثها للجزيرة نت، أوضحت آيات أن أيّة معادلة لكسر الإرادات وإقصاء الطرف الآخر لن تكون من ضمن مبادرة التحالف، مؤكدة على أن المبادرة لاقت ترحيبا من غالبية الكتل السياسية، "ولا سيما أنه لا يوجد أي خارطة طريق للمرحلة القادمة أفضل من التي قدمت حتى الآن"، بحسب قولها.

تصعيد قد يقود إلى تدخّل دولي

ورغم هذه المبادرات، لا يستبعد الباحث زنكنة تجدد المواجهات والتصعيد الأمني في أية لحظة، "حيث لا يوجد ضامن لعدم حدوث ذلك، ولا سيما مع استعداد الفصائل المسلحة لبسط سيطرتها على كامل الوضع في العراق".

وبحسب الباحث السياسي، فإن خروج التظاهرات الصدرية من جديد قد يؤدي لاستفزازات من الجهات الأخرى، وهو ما قد يفضي إلى موجة تصعيد أخرى لا يمكن السيطرة عليها.

ووصف زنكنة المشهد السياسي بالضبابي و"السيئ جدا"، لافتا إلى صعوبة التنبؤ بالمستقبل. وحذّر من أنه في حال استمر الاحتقان السياسي إلى ما بعد الانتخابات المبكرة -إذا أجريت- فإن ذلك قد يجر العراق إلى تدخل دولي وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛ للسيطرة على الأوضاع المتأزمة.

حصرية - الباحث السياسي - مجاشع التميمي
الباحث مجاشع التميمي تحدث عن تهدئة لدى الأطراف السياسية باستثناء بعض قوى الإطار التنسيقي (الجزيرة)

تحذيرات أيضا

في غضون ذلك، يقول الباحث السياسي مجاشع التميمي إن الأطراف السياسية الشيعية ملتزمة بتهدئة الأمور حتى الآن، "باستثناء بعض المتشددين من قوى الإطار التنسيقي". لافتا إلى أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وافق من حيث المبدأ على استقبال الوفد الثلاثي الذي يضم: رئيس تحالف الفتح هادي العامري، ورئيس إقليم كردستان نيجرفان البارزاني، ورئيس تحالف السيادة محمد الحلبوسي.

ونبّه التميمي -في حديثه للجزيرة نت- إلى ضرورة توفر حلول واضحة للأزمة لدى هذه الأطراف، وفي مقدمتها إجراء الانتخابات المبكرة وحلّ قضية تشكيل الحكومة المؤقتة أو التمديد لحكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي.

وحذّر التميمي -المقرّب من التيار الصدري- من نفاد الوقت، قائلا إنه "في حال لم يتم التوافق على هذه المبادرة، فإن الأمور ربما تخرج عن السيطرة". معللا ذلك بأن مقتدى الصدر لم يتنازل عن مشروع الإصلاح الذي دعا إليه، وأن بوادر عودة متظاهري تشرين للساحة من جديد ستفرض مزيدا من الضغط على القوى الشيعية، بما يتطلب الوصول إلى حل قبل فقدان السيطرة كما حصل عام 2019.

أبعد من خلافات الأحزاب

من جانبه، يقول رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري إنه لا مؤشرات على وجود تهدئة بين أطراف الأزمة، ولا سيما مع عجز الإطار التنسيقي عن تحقيق نصاب ثلثي أعضاء البرلمان (220 نائبا من مجموع 329) اللازمة لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس للوزراء، وإن كتلا سياسية داخل الإطار التنسيقي ما تزال مترددة في الذهاب نحو تشكيل حكومة بعيدا عن موافقة التيار الصدري.

ويضيف الشمري -في حديثه للجزيرة نت- أن التصعيد لن يتحقق إلا في حال مضي الإطار التنسيقي لتحديد موعد لجلسة البرلمان دون موافقة التيار الصدري، وأن استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه قد يتوافق مع طبيعة الطرح الصدري الذي يدعو إلى بقاء رئيس الجمهورية والوزراء وتحديد موعد جديد للانتخابات.

ولفت الشمري إلى أن أزمة العراق لا تتعلق بالأحزاب السياسية وخلافاتها بقدر ارتباطها بضرورة اعتماد تعديلات دستورية، والسيطرة على السلاح خارج إطار الدولة، وفرض القانون ومكافحة الفساد، "فهذه المشكلات لن تُحل بانتخابات مبكرة أو تشكيل الحكومة"، واصفا الأزمة بـ"انعدام" ثقة الشعب العراقي بالطبقة السياسية الحاكمة.

Curfew declared in Iraqi capital as cleric’s supporters storm palace
الصدامات المسلحة في الشهر الماضي أعطت انطباعا عن رفض عراقي ودولي لأي اقتتال محتمل (الأناضول)

تهدئة متوقعة

على الجانب الآخر، يرى رئيس مركز القرار العراقي حيدر الموسوي أن الوضع في البلاد متجه إلى التهدئة، على اعتبار أن التصعيد السابق في نهاية الشهر الماضي أعطى تصورا لجميع الأطراف بأن هناك تذمرا شعبيا وإقليميا ودوليا من أي توجه لاقتتال داخلي، وقال إن المجتمع الدولي والإقليمي لن يسمح باندلاع فوضى شاملة.

ولا يستبعد الموسوي -المقرب من الإطار التنسيقي- تصعيدا في وسائل الإعلام أو من خلال الاحتجاجات كما حصل في تظاهرات تشرين (أكتوبر/تشرين الأول 2019)، "إلا أن الأوضاع لن تتطور إلى ما حدث نهاية الشهر الماضي، ومن سيقدم على أي تصعيد أمني سينتحر سياسيا"، على حد قوله.

وعن مبادرة الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة، قال الموسوي إن جميع الأطراف لا تريد التخلي عن مكاسبها السياسية ومشاركتها في الحكومة، مشيرا إلى أن هذه المبادرة اشترطت تشكيل حكومة واستئناف انعقاد البرلمان، وهو ما ضيّق الفجوة على خيارات التيار الصدري في حل البرلمان.

وبالتالي، يقول الموسوي "اتجهت هذه القوى لتشكيل وفد ثلاثي للتواصل مع التيار الصدري، بما قد يفضي لتنازلات من جميع الأطراف للوصول إلى منطقة رمادية ترضي الجميع".

Iraqi Prime Minister Mustafa Al-Kadhimi
رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي يتجه إلى نيويورك مع التوقعات بوجود ضغوط دولية للتهدئة في العراق (الأناضول)

الكاظمي إلى نيويورك

وفي خضم الأوضاع السياسية المعقدة التي تشهدها البلاد، تحدّث مصدر حكومي عن توجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي رفقة وفد وزاري رفيع إلى الولايات المتحدة الأميركية الاثنين، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سيعقد عدة لقاءات مع قادة العالم لمناقشة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

وقال القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني مهدي عبد الكريم إن توجّه الكاظمي إلى الولايات المتحدة بهذا التوقيت مهم، خصوصا في ظل ما يشهده العراق من صراع سياسي. وقال إن العراق عنصر مهم في استقرار منطقة الشرق الأوسط والعالم بصورة عامة، ورجّح أن يكون للمجتمع الدولي رأي في الوضع العراقي، مع إمكانية تدخله بصورة غير مباشرة لحل الأزمة السياسية، ولا سيما بعد الصدام المسلح قبل أسابيع.

المصدر : الجزيرة