بعد 21 عاما.. معضلة في تدريس هجمات 11 سبتمبر لتلاميذ أميركا

وجد استطلاع للرأي أُجري على 1047 معلما ثانويا أن أغلب معلمي التاريخ الأميركيين يميلون إلى الحديث عن الهجمات فقط في الذكرى السنوية كل عام، ويتم تدريسها غالبا بوصفها حدثا تذكاريا يتجنب التعمق في الدور التاريخي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

"كلاب الحراسة لم تنبح".. كتاب يكشف خبايا هجمات سبتمبر
جيل كامل من الأميركيين ممن ولدوا بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لا يملكون ذاكرة شخصية عنها (الجزيرة)

واشنطن- وُلد ما يقرب من 54 مليون تلميذ أميركي بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ويتوزع هؤلاء على 131 ألف مدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية في الولايات الخمسين والعاصمة واشنطن.

ونظرا لطبيعة نظام التعليم اللامركزي الأميركي، تتحكم الولايات -كل واحدة على حدة- في مناهج التعليم داخل حدودها، ولهذا السبب يغيب المنهج الموحد أو السردية الواحدة التي يتعلمها التلاميذ الأميركيون عن هذا الحدث التاريخي.

وانتهى تحليل لمواد التاريخ والدراسات الاجتماعية في المدارس الثانوية الحكومية في 50 ولاية بالإضافة إلى العاصمة واشنطن إلى نتيجة مفادها أن 26 ولاية تشير إلى هجمات 11 سبتمبر/أيلول، في حين ذكرت 9 ولايات الهجمات في سياق "ظاهرة الإرهاب"، أو "الحرب على الإرهاب"، وتجاهلت 16 ولاية أحداث 11 سبتمبر/أيلول ولم تتطرق إليها.

الرئيس الأميركي جو بايدن يضع إكليلا من الزهور قرب نصب تذكاري لضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 (رويترز)

ماذا نُدرّس؟

يفضّل أغلب المدرسين عرض أفلام وثائقية قصيرة لتعريف التلاميذ بما جرى، في حين يذهب آخرون إلى ربط الحدث بقضايا معاصرة كالانسحاب من أفغانستان على سبيل المثال. وعلى النقيض، يظهر تيار آخر يرفض التطرق لهذه الأحداث المعقّدة صعبة الفهم على تلاميذ تقل أعمارهم عن 18 عاما.

ويتمثل أحد جوانب معضلة تدريس أحداث 11 سبتمبر/أيلول في مسألة إذا كانت صور وفيديوهات الهجمات مزعجة وغير مناسبة لأعمار التلاميذ الصغار لاحتوائها على مشاهد دمار ورعب وقتلى ومصابين.

وذكرت معلمة في إحدى المدارس المتوسطة بمقاطعة مونتغومري بولاية ميريلاند المجاورة للعاصمة واشنطن للجزيرة نت أن "المدارس المتوسطة تركز على بطولات رجال الإطفاء والمسعفين وغيرهم ممن قاموا بمحاولات إنقاذ الضحايا، في حين أن المدارس الثانوية هي المكان الذي ربما ترى فيه المزيد من التركيز على الأسباب والأحداث التي أدت إلى وقوع هذه الهجمات، وكذلك على رد الفعل الأميركي عليها".

ونظرا لغياب مناهج محددة لدراسة هذه الهجمات وتعريف التلاميذ بها، بادرت عدة منظمات غير ربحية بتوفير موارد مجانية عبر الإنترنت تساعد في ملء هذا الفراغ. لكن يبقى القرار النهائي في ما يتم تدريسه أو الإشارة إليه بيد مسؤولي التعليم في كل ولاية أميركية.

بلا ذاكرة شخصية

تجتهد كل ولاية وكل معلم على حدة في مساعدة التلاميذ على فهم أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وفي الوقت الذي يتذكر فيه أغلب المدرسين الأميركيين كيف قضوا هذا اليوم بتفاصيله، وكيف علِموا بالهجمات، يبدو الحدث كأنه تاريخ قديم للتلاميذ الأميركيين.

من ناحية أخرى، تظهر بعض العقبات أمام تدريس "هجمات 11 سبتمبر/أيلول"، ومنها معارضة بعض أولياء الأمور من المتشددين الأميركيين لمقولات المعلمين إن المتطرفين الإسلاميين الذين اختطفوا الطائرات لا يمثلون وجهات نظر جميع المسلمين ولا يعكسون تعاليم الدين الإسلامي.

كما يواجه المدرسون كذلك وجود طلاب يؤمنون بنظريات المؤامرة، التي تنفي بعضها سردية وقوع الهجمات على النحو الذي جرى، أو تدّعي أن الهجمات وقعت لكن تم التخطيط لها وتنفيذها من قبل الحكومة الأميركية.

وتقول إحدى المعلمات بواشنطن إنه "في 21 سنة التي تلت الهجمات، مر جيل كامل من الطلاب بنظام التعليم من دون ذاكرة شخصية لهذا اليوم، وكيف تغيرت الحياة بالنسبة للملايين من الأميركيين والملايين من غير الأميركيين خاصة في الشرق الأوسط".

وطالبت المعلمة (التي تحفظت على ذكر اسمها) "بضرورة إطلاع التلاميذ على أهمية هذا اليوم التاريخي والمأساوي على حياتهم، من خلال تعريفهم بأن إجراءات التفتيش في المطارات تم تعديلها وتشديدها بعد هذه الهجمات، وأن وجود معتقل غوانتانامو وبدء حربي العراق وأفغانستان ما هما إلا نتيجة مباشرة لهذه الهجمات".

11 سبتمبر.. هل تواطأت الاستخبارات الأميركية مع السعودية؟
أميركيان يضعان الزهور على صرح لأسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول (الجزيرة)

يوم وحد فقط

وتحاول العديد من الإدارات التعليمية -خاصة القريبة من أماكن وقوع الهجمات مثل ولايات نيويورك وبنسلفانيا وفيرجينيا- دمج ما أظهره ذلك الحدث من "وجه جيد" تمثل في وحدة الأميركيين وشعورهم بالمصير المشترك، وسرعة تبرعهم بالدماء، وتقديم الدعم والتعاطف لرجال الإطفاء والمسعفين، وفي الوقت ذاته التطرق لأهمية حل الصراعات سلميا، وتأكيد قيم التنوع والتسامح مع المختلفين في الأديان والثقافات.

وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، كان هناك تدفق من المشاعر المعادية للمسلمين وزيادة في جرائم الكراهية المعادية للإسلام في جميع أنحاء الولايات المتحدة وفي بلدان غربية أخرى.

من ناحية أخرى، وجد استطلاع للرأي أُجري على 1047 معلما ثانويا أن أغلب معلمي التاريخ يميلون إلى الحديث عن الهجمات فقط في الذكرى السنوية كل عام، ويحاول المعلمون أيضا مساعدة التلاميذ الذين ولدوا بعد وقوع الهجمات على فهم تجربة أولئك الذين شهدوا الأحداث على شاشة التلفزيون في ذلك اليوم.

وتقتصر غالبا الدروس على حصة فصل واحدة يتم تدريسها خارج السياق التاريخي بالنظر إلى أن الذكرى السنوية تتزامن مع بداية العام الدراسي، وفي الوقت ذاته تبدأ دراسة التاريخ الأميركي في المدارس الثانوية من حقبة الحرب الأهلية الأميركية منتصف القرن 19.

ويتم تدريس أحداث 11 سبتمبر/أيلول غالبا بوصفه حدثا تذكاريا يتم خلاله تجنب التعمق في الدور التاريخي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. من هنا لا يتم التطرق مثلا إلى تسليح المقاتلين المجاهدين ضد السوفيات في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي على يد أجهزة الاستخبارات الأميركية، أو عن القوانين غير الدستورية التي استهدفت المسلمين الأميركيين في الأساس مثل قانون الوطنية، الذي انتهك في كثير من الحالات حقوق مسلمي أميركا المدنية الأساسية.

المصدر : الجزيرة