لوموند: ميلاد العالم المتعدد الأقطاب الذي تريده روسيا يبدأ بوحشية شديدة

عمال حفر يعملون تحت أنقاض المباني المنهارة في بلدة بوروديانكا في شمال غربي العاصمة الأوكرانية كييف (الفرنسية)

بعد أكثر من 30 عاما من سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تتقبل روسيا أبدا أن تكون جارتها أوكرانيا دولة مستقلة وحرة في خياراتها الإستراتيجية، فكيف وافقت أوكرانيا على الانضمام إلى رابطة الدول المستقلة إلى جانب روسيا وبيلاروسيا عام 1991 رغم أن استقلالها بالفعل على المحك؟

من هذا السؤال انطلقت صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية في مقابلة مع تاتيانا جان كاستويفا، المتخصصة في شؤون أوروبا الشرقية، لتسترجع معها 3 عقود من العلاقات المتوترة بين دولتين من مكونات الاتحاد السوفياتي السابق، هما روسيا وأوكرانيا، في وقت بدا فيه أن سقوط الاتحاد السوفياتي كان فرصة للجمهوريات السوفياتية السابقة، ولكنه في الوقت نفسه كان خطرا.

روابط سابقة قوية

كان التداخل بين الاقتصاد الأوكراني والروسي -كما أوردت المقابلة التي أجراها غايدز مانادسيان- قويا لدرجة أن التمزق الوحشي للروابط بينهما لو حدث من شأنه أن يزعزع استقرارهما، ومع ذلك احتفظت أوكرانيا بفرصة للمناورة عندما امتنعت عن الإسهام في إنشاء اتحاد سوفياتي جديد، برفضها التوقيع على قوانين رابطة الدول المستقلة من دون أن تغادرها، ومحاولتها الترويج لمنظمات بديلة من دون روسيا.

ومثل زوجين يندفعان إلى التوقيع على الطلاق قبل الانتهاء من تقاسم الممتلكات المشتركة، وقعت روسيا مع أوكرانيا على ميثاق الصداقة والتعاون والشراكة عام 1997، وذلك تحت ضغط الأزمات الداخلية والرغبة في التقرب من الغرب، وتضمن الميثاق الاعتراف بحدود لا تقبل المساس وبوحدة التراب الأوكراني بما فيه شبه جزيرة القرم، وذلك بعد تسوية القضية النووية بتنازل كييف عن وضع الدولة النووية وتسليمها جميع الأسلحة الذرية إلى روسيا.

جراثيم الصراع

وتقول كاستويفا إن مسألة شبه جزيرة القرم ومسألة أسطول البحر الأسود كانتا جراثيم الصراع، وبقيتا مصادر للتوتر، وإن كان السياسي الماهر ليونيد كوتشما استطاع أن يقدم ضمانا للاستقلال الذاتي لشبه جزيرة القرم ويطمئن موسكو، لتبقى شبه الجزيرة بقدم واحدة في روسيا والأخرى في أوكرانيا، كما تم التفاوض على أسطول مشترك في البحر الأسود، كما أوضحت تاتيانا جان كاستويفا.

وأشارت الخبيرة إلى أن الدول التي انبثقت من الاتحاد السوفياتي لديها مشكلة مشتركة، لأنها بقيت في انتقال غير مكتمل مدة 3 عقود، إذ تستقطب روسيا إنتاجها وتوفر لها خدمات الأمن وسوق العمل، ولكن من دون اقتراح نموذج جذاب للتحديث الاقتصادي والسياسي، أما الاتحاد الأوروبي فهو لا يفتح احتمالات واضحة لعضوية هذه البلدان خلافا لدول أوروبا الوسطى، ومن ثم لا تجد هذه البلدان فرصة للخروج من النمط القائم، وأوكرانيا بالذات، وسواء كان رئيسها مقربا من أوروبا أو روسيا، فإنها تبقى في قبضة قلة من المفسدين المعتمدين اعتمادا شبه مريح على روسيا.

غير أن الكرملين كان يرى، وفقا لما تقوله كاستويفا، يد الغرب في كل مكان؛ في أوكرانيا وغيرها، علما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعارض أصلا وجود الدولة الأوكرانية، ولكن سقوط الاتحاد السوفياتي جعل أوكرانيا دولة ذات سيادة وعضوة في الأمم المتحدة، وإن كانت موسكو لا تزال ترى السيادة محدودة لبلدان الاتحاد السوفياتي السابق.

وقد استعاد بوتين شبه جزيرة القرم لأسباب أمنية وسياسية، وذلك استباقا لانجراف أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) والتهديد المحتمل لأسطول البحر الأسود، مع الشعور بأن استعادتها لن تكلفه طلقة نار واحدة، ولكن مفاوضات أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي تعثرت بسبب عدم قدرتها على التفاهم مع الانفصاليين الذين يعدّونهم دمى موسكو في دونباس.

محو إهانة جيوسياسية

وعند السؤال عن سبب هجوم روسيا في 24 فبراير/شباط 2022 على أوكرانيا، رغم معرفتها أنها ستعدّ معتدية، عزت الخبيرة تصرف موسكو إلى سوء تقدير بوتين وحساباته المغلوطة والمعلومات غير الدقيقة التي تمدّه بها مخابراته، ولذلك فهو يريد الحرب وإعادة كييف إلى الحظيرة، كما يريد إعادة إنشاء اتحاد سلافي بعد 100 عام من إنشاء الاتحاد السوفياتي عام 1922، كأن هذا الاتحاد وسيلة لمحو إهانة "أعظم كارثة جيوسياسية" في نظره وهي تفكك الاتحاد السوفياتي.

ومع العلم أن النصر التام لروسيا لا يبدو ممكنا، فإن الفشل غير مقبول لدى بوتين، وذلك يعني من ثم مواصلة "العملية العسكرية الخاصة" مهما كان الثمن، كما لا يبدو من المعقول التخلي عن إقليم دونباس (شرقي أوكرانيا) والمناطق الجنوبية التي غزيت بالفعل، بل إن الروس بدؤوا يغيرون بسرعة البرامج في المدارس وحتى اللافتات من الأوكرانية إلى الروسية، كأن هناك سعيا لتقسيم البلاد وضمّ هذه المناطق إلى أوديسا (جنوب).

محاذير غربية

ومع أن الغرب معجب بشجاعة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فإن الخشية من الانجرار إلى حرب أكبر، بخاصة إلى حرب نووية، يجعله يحدّ من المساعدات العسكرية في أوكرانيا من دون أن يوقفها، ويزيد من العقوبات من دون تعريض اقتصاده للخطر، ويتجلى ذلك في عدم الاتفاق على حظر النفط الروسي، ومن المحتمل -كما تقول الخبيرة- أن تتسع الهوة إذا استمرت الحرب، وتتضاءل الثقة بين الأوروبيين والأميركيين، بل بين الأوروبيين أنفسهم.

وخلصت الخبيرة إلى أن مستقبل العلاقات الروسية الأوكرانية يعتمد على المصالحة بعد الحرب، وما إذا كان الروس سيتقبلون ذات يوم وجود أوكرانيا المستقلة ويقدمون ضمانات كافية على عدم تكرار العدوان، غير أن هذه الحرب ستعزز الهوية الوطنية الأوكرانية وربما تعزز أيضا القومية المعادية للروسية.

المصدر : لوموند