الاستفتاء على دستور تونس.. فتور في الحملة وجدل بشأن النزاهة وتساؤلات عن النتائج

الرئيس التونسي قيس سعيد يدعو التونسيين للتصويت بنعم على مشروع الدستور/قصر قرطاج/العاصمة تونس/يونيو/حزيران (صفحة رئاسة الجمهورية على مواقع التواصل)
الرئيس التونسي قيس سعيد دعا التونسيين للتصويت بنعم على مشروع الدستور (مواقع التواصل الاجتماعي)

تونس- انطلقت في تونس حملة الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، في ظل فتور ملحوظ واتهامات موجهة إلى هيئة الانتخابات بدعوى "الانحياز" للرئيس قيس سعيد، ووسط تساؤلات عما إذا كان الرئيس قيس سعيد سيلتزم بنتائج الاستفتاء إن رفض الناخبون مشروعه.

وتستمر حملة الاستفتاء حول مشروع الدستور الجديد الذي استبدل النظام السياسي القائم من البرلماني المعدل إلى النظام الرئاسي، وذلك من الثالث إلى 24 يوليو/تموز الحالي، لينطلق التصويت بـ"نعم" أو "لا" على مشروع الدستور يوم 25 من الشهر ذاته.

ولم تشهد البلاد أي نشاطات سياسية لافتة بأنها ستدخل قريبا مرحلة الاستفتاء على مشروع دستور جديد، نتيجة ضعف الحركية سواء عبر الاجتماعات الشعبية أو في مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام.

ولم تسجل حملة الاستفتاء منذ بدايتها أي حركية ملحوظة، سواء من قبل الأحزاب المعارضة أو المؤيدة للرئيس قيس سعيد. وتتسم حملة الاستفتاء بمقاطعة من أبرز الأحزاب، مثل حركة النهضة أبرز حزب سياسي شارك في منظومة الحكم بعد ثورة 2011.

وتتسم حملة الاستفتاء بالفتور مع عدم مشاركة منظمات وطنية بارزة، مثل منظمة رجال الأعمال واتحاد الفلاحين ورابطة حقوق الإنسان واتحاد المرأة والمحامين، بينما يشارك الاتحاد العام التونسي للشغل دون أن يلزم منتسبيه بأي موقف من مشروع الدستور.

واقتصرت المشاركة في الاستفتاء على أشخاص ومنظمات وأحزاب صغيرة مثل حركة الشعب، وحزب الاتحاد الشعبي الجمهوري، وحزب آفاق تونس، وحزب الراية الوطنية، وحركة تونس إلى الأمام، وحزب التيار الشعبي، وحزب التحالف من أجل تونس، وحزب السعادة، وحزب الحشد الشعبي، وحزب حركة الشباب، وحزب الشعب يريد، والائتلاف الوطني التونسي، وحزب الخضر للتقدم.

رسالة قيس سعيد

وتعد حملة الاستفتاء من أهم المحطات في المسار الانتخابي، لكن انطلاقها شهد، بقطع النظر عن الفتور، موجة من الانتقادات للرئيس قيس سعيد الذي نشر بيانا اليوم الثلاثاء، على صفحة رئاسة الجمهورية، داعيا فيه الناخبين إلى التصويت بـ"نعم" على مشروع الدستور.

وانتقد قيس سعيد في بيانه إلى الرأي العام التونسي منظومة الحكم ما قبل 25 يوليو/تموز 2021، محملا إياها مسؤولية إفقار التونسيين وتجويعهم واستشراء الفساد ونهب المال العام وضرب مؤسسات الدولة والتنكر لتحقيق مطالب الثورة التونسية من الحكام.

وقال سعيد إن مشروع الدستور الجديد يرمي إلى تصحيح المسار السياسي وضمان الحريات والتوزان بين السلطات وتكثيف مراقبة العمل الحكومي، وضمان التداول على السلطة بتحديد حق الترشح للرئاسة بمرة واحدة، معتبرا التشكيك في مصداقية مشروعه "افتراء".

هيئة الانتخابات تواجه انتقادات خلال حملة الاستفتاء/العاصمة تونس/يونيو/حزيران 2022 (صفحة هيشة الانتخابات على مواقع التواصل)
هيئة الانتخابات تواجه انتقادات خلال حملة الاستفتاء (مواقع التواصل الاجتماعي)

تشكيك في نزاهة الحملة

في المقابل شكك معارضون في نزاهة المسار الذي انتهجه الرئيس قيس سعيد منذ حكمه البلاد بمراسيم استثنائية بعد تجميده البرلمان وإقالته الحكومة السابقة منذ إعلانه تدابيره الاستثنائية قبل نحو عام، كما شككوا في حملة الاستفتاء على مشروع الدستور ونزاهة هيئة الانتخابات.

وقال القيادي بحزب التيار الديمقراطي المعارض هشام العجبوني إن الرئيس "أخل" بقواعد حملة الاستفتاء التي ضبطتها هيئة الانتخابات بسبب دعوته التونسيين للتصويت على مشروع الدستور بنعم.

وحددت هيئة الانتخابات شروط وقواعد المشاركة في الحملة الانتخابية، مشددة على ضرورة الإدلاء بموقفهم من الاستفتاء وتقديم جملة من الوثائق الإدارية التي تخول لهم المشاركة، فضلا عن فرض جملة من التدابير كنبذ الكراهية والعنف أو توظيف دور العبادة أو مؤسسات تربوية في الحملة أو قبول تمويلات أجنبية أو عرقلة عمل مراقبي الهيئة من القيام بأنشطتهم وغيرها.

ويقول العجبوني للجزيرة نت إن "تغاضي هيئة الانتخابات عن هذه التجاوزات هو كيل بالمكيالين وانحياز مفضوح للرئيس"، مشيرا إلى أن ضوابط حملة الاستفتاء تسمح للرئيس بتوضيح مضمون مشروع الدستور في ورقة تفسيرية وليس التأثير المباشر في الناخبين. ولم يتسن الحصول على مسؤول بهيئة الانتخابات للرد على هذا الاتهام.

من جهة أخرى، اعتبر العجبوني أن ما جاء في الرسالة التي وجهها قيس سعيد اليوم إلى التونسيين "مغالطة كبرى"، مؤكدا أنه "صاغ مشروع الدستور الجديد على مقاسه للتفرد بالحكم والهيمنة على السلطة التنفيذية والقضائية مع تضمين بنود تمنع محاسبة الرئيس".

وقال العجبوني إن الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد "لن يكون استفتاء على مضمون وإنما مبايعة للرئيس"، متوقعا أن يحظى بالموافقة في غياب ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات، خاصة دون تحديد حد أدنى من مشاركة الناخبين في الاستفتاء.

وتبدو الصورة غامضة في ذهن هذا المعارض السياسي بشأن السيناريو الذي قد تنزلق فيه البلاد إن تم رفض مشروع الرئيس ولم يلتزم بنتائج الاستفتاء إن كانت في غير صالحه، قائلا "لا علم لنا بالاستتباعات التي قد تحصل إذا تم رفض مشروع الدستور".

مشروع لتصحيح المسار

من جهة أخرى، أكد أسامة عويدات القيادي بحركة الشعب، المناصر لمشروع الدستور، أن حث الرئيس قيس سعيد التونسيين للتصويت لفائدة مشروع الدستور "أمر بديهي" باعتباره صاحب المشروع.

وقال عويدات للجزيرة نت إن المعارضين للرئيس يقدمون "حججا واهية" بأنه أخل بقواعد وضوابط الحملة الانتخابية، مشيرا إلى أن الرئيس من حقه حث التونسيين على مشروعه الذي يسعى من خلال إلى "تصحيح مسار الثورة المغدورة".

وأشار إلى أنه من الطبيعي في مناخ ديمقراطي مبني على قاعدة حرية التعبير أن ينتقد المعارضون للمسار الذي انتهجه الرئيس، لكنه يرفض ما يطرحونه من مخاوف حول إمكانية عودة الاستبداد وهيمنة حكم الفرد على السلطة في تونس بناء على مشروع الدستور.

وأكد أسامة عويدات للجزيرة نت أن حزبه منخرط في حملة الاستفتاء بهدف حث الناخبين على التصويت لصالح مشروع الدستور، باعتباره "بارقة أمل" لإخراج البلاد من حالة الدمار التي كانت ترزح تحتها قبل فترة 25 يوليو/تموز 2021.

وعن مدى التزام الرئيس التونسي قيس سعيد لنتائج الاستفتاء في حال لم يحظ مشروع الدستور بموافقة وقبول أغلب الناخبين، قال عويدات إنه لا يمكن الجزم عندها بالسيناريو الذي ستؤول إليه البلاد.

وأكد أن الاستفتاء على مشروع الدستور هو استفتاء على مضمونه وليس على شخص قيس سعيد، وأن رفضه من الناخبين يعني "سقوط مشروعه في الماء" وهو ما قد يفتح البلاد على المجهول مثل السيناريو الليبي.

ويتوقع مراقبون أن يشهد الاستفتاء عزوفا من الناخبين الذي يناهز عددهم في الداخل 9 ملايين شخص، مرجعين هذا العزوف خاصة إلى تقلص مشاركة الناخبين في المسارات الانتخابية جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

المصدر : الجزيرة