عادات جديدة فرضتها الحرب على الأوكرانيين.. تعرّف عليها

في تحول لافت، تساوى أصحاب الدخل المرتفع والمتوسط مع ذوي الدخل المحدود والمنخفض في استخدام وسائل النقل العامة، بسبب ارتفاع أسعار الوقود إلى 200%، خاصة في العاصمة كييف.

قلة الوقود وغلاء أسعاره تدفع الأوكرانيين إلى وسائل النقل العامة
قلة الوقود وغلاء أسعاره تدفع الأوكرانيين بمختلف طبقاتهم إلى وسائل النقل العامة (الجزيرة)

كييف- أمام إحدى المحطات في العاصمة الأوكرانية كييف، وقف السائق سيرهي في طابور طويل بانتظار تعبئة الكمية التي تتوفر له من الوقود، في ظل شحه وتحديد فترات بيعه.

وقال سيرهي -للجزيرة نت- إن شراء وتخزين كميات من الوقود جانبا بات عادة بالنسبة لكثير من الأوكرانيين، الذين يضعون في الحسبان إمكانية النزوح مجددا إذا تجدد القصف العنيف على كييف.

وحتى لحظات الحرب الأولى في 24 فبراير/شباط الماضي، لم يكن معظم الأوكرانيين مقتنعين أن الجارة روسيا ستشن هجوما عسكريا واسعا على بلادهم؛ وفي هذا تفسير وحيد لحالة "اللامبالاة" التي سادت، ومنعتهم من الاستعداد للحرب وظروفها.

ولكن، سرعان ما فرضت تداعيات الهجوم العسكري نفسها على السكان، وعلى مدى أكثر من 4 أشهر مضت، ظهرت عادات جديدة باتت جزءا روتينيا من حياتهم اليومية، من بينها التسابق على تخزين الوقود والغذاء.

القصف الروسي أدى إلى ندرة الملح وعدة سلع أخرى في أوكرانيا
القصف الروسي أدى إلى ندرة الملح وعدة سلع أخرى في أوكرانيا (الجزيرة)

تخزين مؤن ونقص بعضها

مؤخرا، لا يكاد يخلو منزل أوكراني من احتياطٍ يكفي عدة أسابيع من مياه الشرب ومواد التنظيف، ومن الأدوية والأغذية الأساسية، كالطحين والزيت والسكر والسميد والملح.

وتلاشت هذه المواد في أيام الحرب الأولى من على رفوف المتاجر، ومع أن الأمور عادت إلى طبيعتها، من دون نقص يذكر أو تضخم كبير في الأسعار، إلا أنه من الواضح أن إقبال الناس على التخزين للاحتياط باقٍ، وبات من أولوياتهم.

ويعود هذا السلوك لحقيقة أن كثيرا من مستودعات ومصانع الغذاء استُهدفت بالقصف، حتى أن الملح أصبح قبل فترة وجيزة نادرا وباهظ الثمن، بعد أن كان رخيصا، لدرجة أن العامة كانوا ينثرونه مع الرمل على الطرقات لإذابة ثلوج فصل الشتاء.

وهنا، بات الأوكرانيون يتناقلون نكاتا تسخر من هذا الشُح، وأظهرت بعض المنشورات المصورة -على سبيل المثال- صاحب كيس الملح على أنه غني تلتف حوله الفتيات طمعا في ثروته.

يسمح للأوكرانيين بتعبئة 10-20 لترا من الوقود فقط.
يسمح للأوكرانيين بتعبئة 10-20 لترا من الوقود فقط (الجزيرة)

شح الوقود وطوابير طويلة

في شهر الحرب الخامس، أصبحت طوابير السيارات أمام محطات الوقود واحدة من المشاهد اليومية السائدة في أوكرانيا، وتعبئته باتت أشبه بالفرصة غير المتاحة دوما، كما قد تعبر عن "حنكة ودهاء" من استطاع تأمينه.

وبات الكثيرون مضطرين للوقوف ساعات طويلة أمام محطات الوقود التي تفتح أبوابها لفترات وجيزة ومن دون إنذار مسبق، وتبيع الوقود بكميات محدودة تتراوح -غالبا- بين 10 و20 لترا فقط.

وقد انتشرت في الشهور الأخيرة طريقة الاعتماد على "الكوبونات" التي تُمنح للشركات حصرا، حتى تملأ سياراتها بنحو 40 لترا دفعة واحدة، وهذا نشّط حركة البحث عبر الإنترنت عن مصادر هذه الكوبونات في "السوق السوداء" وعبر "الوسطاء"، رغم توعّد السلطات بالعقاب لمن يحاول الاحتيال والتلاعب بالأسعار.

نحو المواصلات العامة والكهربائية

بسبب شُح الوقود وارتفاع أسعاره بنسبة قاربت 200%، اتجه الأوكرانيون للاعتماد على وسائل النقل العام الحكومية، التي لم ترفع أسعارها، خاصة أن كثيرا من هذه الوسائل تعتمد على الكهرباء.

واضطر أصحاب الدخل المرتفع والمتوسط إلى اعتماد نموذج حياة أصحاب الدخل المحدود والمنخفض، حتى باتت وسائل النقل العامة ممتلئة أكثر من أي وقت مضى، خاصة في العاصمة كييف، رغم أن ثلث سكانها لم يعودوا من بلاد اللجوء ومناطق النزوح بعد.

وحسب دراسة أجراها موقع "آر بي كا" الأوكراني، زاد في أوكرانيا الطلب على وسائل النقل الكهربائية، بدءا من الدراجات، ومرورا بألواح السكوتر، وحتى السيارات، بفارق 3 أضعاف عما كانت عليه الحال قبل الحرب. في حين يشهد سوق السيارات العادية شللا شبه كامل تقريبا.

أولويات صرف جديدة

وهكذا، بات من الواضح أن أولويات الصرف لدى الأوكرانيين تغيّرت خلال أشهر الحرب الأربعة الأولى، ويتمسك الناس بعاداتهم الجديدة حتى بعد الهدوء النسبي في بعض المناطق.

وتشير إحصاءات بنك "بريفات" الأوسع استخداما وانتشارا في البلاد، إلى أن الأوكرانيين اليوم ينفقون نحو 50% من أموالهم على المواد الغذائية، و27% على الوقود.

وتشير الإحصاءات أيضا إلى عودة تدريجية لارتياد المقاهي والمطاعم منذ مايو/أيار الماضي. لكن الأوكرانيين -حتى اليوم- يحجمون عن سوق الأجهزة والإلكترونيات، التي لم تعد من أولوياتهم على ما يبدو، كالهواتف وأجهزة التلفاز وغيرها، حيث هوى الإقبال عليها بنسبة 41%.

Over 1 Million Ukrainians Arrive In Poland Seeking Refuge From Russian Invasion
أوكرانية بأحد مراكز النزوح في بولندا تتابع مشاهد القصف الروسي على بلادها (غيتي)

تواصل افتراضي مع الأهل

ومن العادات التي أصبحت روتينا يوميا في حياة الأوكرانيين داخل البلاد، التواصل "افتراضيا" مع الأهل النازحين واللاجئين بعيدا.

وتشير الإحصاءات الحكومية إلى أن أكثر من 8 ملايين أوكراني غادروا البلاد إلى دول الجوار وغيرها كلاجئين، منذ بداية الحرب، معظمهم من النساء والأطفال. ويتواصل هؤلاء يوميا مع الأزواج والآباء عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.

في أحد أحياء العاصمة كييف، قال أنتون (45 عاما) -للجزيرة نت- "أنا ممنوع من السفر، وأسرتي لا تستطيع زيارتي لأكثر من 21 يوما في السنة، وإلا سيحرمون مع المعونات في ألمانيا. نتواصل يوميا عدة مرات عبر الإنترنت، فيرسلون إليّ صورا ومقاطع فيديو، وهذا يخفف عني وعنهم ألم الفراق".

نسيان حياة الليل

وفي صورة غير مألوفة في هذه البلاد، تعوّد الأوكرانيون في الشهور الأخيرة على نظام حظر التجول، فحذفت من قواميسهم حياة الليل تماما، وخاصة بين فئة الشباب الذين كانوا يجدون فيها "الترفيه والمتعة".

وفي هذا السياق، أصبحت الشرطة الأوكرانية تطارد مخالفي حظر التجول وتقتحم الملاهي التي تفتح أبوابها ليلا. وفي كثير من الأحيان، توزع أوامر الالتحاق العاجل بصفوف الجيش على المتخلفين عن سنة الخدمة الإلزامية.

في حديث مع الجزيرة نت، يقول الشاب أندريه "كنت أحب التجول ليلا بالسيارة مع أصدقائي، والوقوف عند مطاعم المأكولات السريعة، كل هذا اختفى؛ فبعد الساعة 11 ليلا في كييف لا نستطيع حتى الحديث معا في الشارع".

ويضيف "لا أنتقد حظر التجول، فهو ضروري حتما، لكني آمل أن تنتهي الحرب وتعود الأمور إلى طبيعتها ونستعيد حياتنا التي كانت مفعمة بالمرح والنشاط".

المصدر : الجزيرة