ضمن قائمة أسوأ مدن العيش بالعالم.. هل يعيد قانون العاصمة مجد بغداد؟

الباحث همام الشماع يرى أن العاصمة لاتحتاج إلى قانون مثل هذا بقدر احتياجها إلى النظام، وهي تفتقر إليه حاليا، وهذا هو ديدن مشكلتها الأساسية.

ازدحامات مرورية في أحد شوارع بغداد (الجزيرة)

بغداد- تحرك نيابي جديد صوّب نحو بغداد لإعادة الحياة إليها بتشريع قانون جديد باسم "قانون العاصمة"، لتنقسم التوقعات بين تفاؤل وتشاؤم حول احتمالية تغيير واقع المدينة وكشف ملفات الفساد فيها، بعد غرقها في برك الدم والعنف والتدهور الخدمي والصحي والتربوي منذ الغزو الأميركي عام 2003، لتتصدر قائمة أسوأ المدن للعيش في العالم ولسنواتٍ متتالية.

طرح القانون الجديد جاء بمبادرة من حاكم الزاملي النائب الأول لرئيس مجلس النواب، لمنح صلاحيات أوسع لأمانة بغداد وإحداث ثورة إنمائية شاملة في المدينة، من خلال تطبيق أولى خطوات مرحلة الإصلاح تكون بفتح ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين لإيقاف الهدر في المال العام.

الزاملي (يمين) أثناء اجتماعه مع لجنة الخدمات النيابية بحضور أمين بغداد (الصحافة العراقية)

يأس الواقع

ومنذ العام 2003، تتراكم ملفات المشاكل على العاصمة دون أي حلول لها رغم الميزانيات السنوية الضخمة المخصصة لها، ولعل أبرز ما تعانيه بغداد منذ نحو عقدين ما يتعلق بأزمة السكن مع الزيادة الكبيرة في الكثافة السكانية، والعشوائيات التي تتوسع باستمرار، وتراجع منظومة الكهرباء، والاختناقات المرورية، وتكسر وتهالك الطرق والمجاري والمياه الصالحة للشرب، وتكدس النفايات، والتجاوزات على التخطيط الأساس للمدينة.

ومن الأسباب التي جعلت من بغداد واحدة من أسوأ المدن هو تراجع الاهتمام بإدامة المساحات الخضراء وزيادة نسبة التصحّر فيها، بسبب التجاوزات الحاصلة على المناطق الخضراء والحدائق العامة وتحويلها إلى أماكن سكنية أو محال تجارية.

وفي العام الماضي، انتقد وزير الزراعة محمد الخفاجي عدم تنفيذ قانون 154، وكذلك قانون التصميم الأساسي لمدينة بغداد للمحافظة على نسبة الأوكسجين فيها. حيث يضمن التصميم الأساسي أن يكون 40% مناطق خضراء و60% للسكن، إلا أن المساحات الخضراء في العاصمة الآن تبلغ 10% فقط، مما يعني أن العاصمة فقدت 75% من مساحاتها الخضراء المصممة وتحتفظ بـ 25% فقط.

وفي الشهر الماضي، أقال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أمين بغداد علاء معن من منصبه، على خلفية اتهامات وجهت للأخير بتهم فساد وتقاعس في أداء الواجبات المنوطة إليه.

امين بغداد المهندس عمار موسى كاظم يعلن انطلاق حملة #بغداد_تزرع بدئاً من قناة الجيش لزراعة ١٠ آلاف شجرة كمرحلة اولى ، مؤكداً ان هذه الحملة مستمرة لتشمل جميع انحاء العاصمة بغداد وخلق مسطحات خضراء تكون متنفساً صحياً وبيئياً لأهالي بغداد الحبيبة . #بغداد_تزرع #بغداديات #بغداد #امانة_بغداد

Posted by ‎أمانة بغداد‎ on Saturday, 4 June 2022

الساعدي: من أولويات القانون الجديد معالجة تردي الخدمات وتهالك الطرق وانتشار العشوائيات (الجزيرة)

الفساد أولا

ورغم ذلك، انتعش التفاؤل قليلاً بأن يعمل قانون العاصمة على إعادة الحياة إليها. إذ يقول النائب الأول لرئيس لجنة الخدمات النيابية باقر الساعدي إن من أولويات الخطط المشرّعة لهذا القانون الجديد لإدارة العاصمة معالجة تردي الخدمات المقدّمة للمواطنين وتهالك الطرق وانتشار العشوائيات.

ومن ضمن الفقرات المكوّن منها القانون أنه يهدف إلى إحداث دورة إنمائية شاملة في بغداد، وسيكون داعماً لدائرة الأمانة والمحافظة (الحكومة المحلية)، وفقاً للساعدي الذي يؤكد أنه فعلا بحاجة إلى إسناد قانوني وإداري وسياسي لإكمال كافة المشارع المتوقفة.

وأشار الساعدي في حديثه للجزيرة نت إلى أن من أولويات القانون فتح ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين، لإيقاف الهدر في المال العام الذي تسبّب بتوقف الخدمات والمشاريع المقدمة.

Residents gather at the Shorja wholesale market in central Baghdad, Iraq March 13, 2020. REUTERS/Thaier Al-Sudani
محللون يرون أن الأولوية يتعين أن تكون لإعادة بناء البنية التحتية لبغداد وبعدها كشف ملفات الفساد (رويترز)

وأكثر ما يزيد التفاؤل لدى الساعدي أن القانون المزمع تشريعه والتصويت عليه داخل قبة البرلمان يساند الخطط المستقبلية المترّسمة لتنفيذها دون أي من العقبات التي كانت تُعيق المشاريع المتنفذة. معزّزا تفاؤله بتأكيده أن الكثير من المشاكل الإدارية والفنية سيتم حلها في القانون الجديد، ليكون الهدف الرئيسي هو تقديم الخدمات العامة للعاصمة ومواطنيها.

الصاحب يرى أن القانون الجديد مجرد حبر على ورق (الجزيرة)

حبر على ورق

على عكس الساعدي، يبدو الباحث والمحلل السياسي علي الصاحب غير متفائلاً، إذ يقول في رده على سؤال للجزيرة نت عما إذا سيكون مصير هذا القانون مثل العشرات من القوانين مجرد حبرٍ على ورق إن "كل ما يجري على الساحة السياسية يخضع للمزايدات، وكل القوانين التي أصدرتها السلطة التشريعية أو التنفيذية ما هي إلا حبر على ورق"، عازياً السبب في ذلك إلى استشراء الفساد في كل الحكومات المتعاقبة.

ولا يرى الصاحب أي اختلاف بين قانون العاصمة والورقة البيضاء التي أطلقها الكاظمي مع الأشهر الأولى لترؤسه الحكومة، والتي تحولت إلى "ورقة سوداء" لأنها لم تضع حداً للفساد، ويؤكد أن إطلاق هكذا مبادرات ما هي إلا للاستهلاك الإعلامي مع حاجة البلد إلى حكومة تملك القوّة لمحاسبة كل من تسول له نفسه العبث بأمن واقتصاد العراق.

الصاحب يُخالف الزاملي والساعدي ويرى أن الأفضلية في هذا القانون في حال تطبيقه هو إعادة بناء البنية التحتية للعاصمة وبعدها كشف ملفات الفساد، ويشير إلى أن ملايين الدولارات التي تُخصص لتحسين العاصمة تذهب إلى جيوب الفاسدين بدلاً من الخدمات، وستبقى هذه الظاهرة جارية لعدم وجود رقابة متشددة.

ويؤكد الباحث السياسي أن العاصمة لا تحتاج إلى الكلام فقط بقدر حاجتها في هذه المرحلة تحديداً إلى قيادات حقيقية، تنتشلها من واقعها المزري وتُعيد الحياة والمجد والتاريخ والروح المعنوية إليها.

وكان رئيس اللجنة المالية النيابية حسن الكعبي قد كشف في وقت سابق أن قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، سيتضمن ولأول مرة منذ 18 عاما تخصيصات إضافية لأمانة بغداد قدرها 500 مليار دينار (أكثر من 342 مليون دولار) سيخصص لخدمة وإعمار العاصمة.

يأتي ذلك بعد أن شهدت العاصمة غيابا شبه تام للاستثمار والإنتاج والصناعة والزراعة والسياحة منذ نحو عقدين.

الخبير الاقتصادي همام الشماع الجزيرة 2
الخبير الاقتصادي همام الشماع (الجزيرة)

غياب النظام والدولة

اقتصادياً، لا يحمل قانون العاصمة أي أمل بإحداث تنمية اقتصادية واستثمارية فيها، إذ يربط الباحث والخبير الاقتصادي همام الشماع حدوث هذه الطفرة في الاقتصاد بإنهاء العملية السياسية الحالية أولا، ومن ثم البدء بأخرى جديدة وبدستور جديد بعيداً عن المحاصصة، مُتسائلاً: كيف يمكن أن تنمو بغداد اقتصاديا بغياب الموازنة والتخطيط؟

ويوضح الشماع في حديثه للجزيرة نت أن العاصمة لا تحتاج إلى قانون مثل هذا بقدر احتياجها إلى النظام وهي تفتقر إليه حالياً، وهذا هو ديدن مشكلتها الأساسية التي جعلت الدولة فيها غائبة تماما، لأن الأموال والاستثمار توزع فيها على الأحزاب لا على الخدمات.

المصدر : الجزيرة