تصلح لهجمات بعيدة المدى.. ماذا تستهدف القاهرة من صفقات السلاح الجوي الأميركي؟

1233202979 SUDAN-EGYPT-MILITARY-DRILL Soldiers disembark off an Egyptian Air Force CH-47 Chinook helicopter during the "Guardians of the Nile" joint military drill between Egypt and Sudan in the Um Sayyala area, northwest of Khartoum, on May 31, 2021. (Photo by ASHRAF SHAZLY / AFP) (Photo by ASHRAF SHAZLY/AFP via Getty Images)
طائرة شينوك تابعة للقوات الجوية المصرية خلال مناورة بالسودان العام الماضي (غيتي)

القاهرة – في صفقة ثالثة في مجال التسليح الجوي خلال 5 أشهر، تعتزم واشنطن إمداد القاهرة بمروحيات من طراز "شينوك-47" (CH-47F)، والتي يأتي الإعلان عنها بعد صفقة مقاتلات "إف-15" (F-15) المحتملة والتي واجهت عرقلة إسرائيلية لعقود. فما أسباب التحولات الأميركية الأخيرة تجاه مصر، ولماذا تسعى القاهرة نحو دعم سلاحها الجوي بمقاتلات ومروحيات بعيدة المدى؟

الخميس الماضي، أعلنت الخارجية الأميركية موافقتها على مبيعات عسكرية أجنبية مقترحة لمصر، تشمل ما يصل إلى 23 مروحية من طراز شينوك-47 والمعدات ذات الصلة بتكلفة تقديرية تبلغ 2.6 مليار دولار.

وذكرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن "البيع المقترح سيدعم السياسة الخارجية والأمن القومي، من خلال المساعدة في تحسين أمن حليف رئيسي من خارج الناتو (حلف شمال الأطلسي) لا يزال شريكا إستراتيجيا مهما في الشرق الأوسط" وفق الوزارة.

وأضافت أن البيع المقترح "سيحسن قدرات مصر لتعزيز دفاعها عن الوطن وردع التهديدات الإقليمية"، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنه "لن يغير التوازن العسكري الأساسي في المنطقة"، في إشارة قد تبدو إلى التفوق النوعي لصالح إسرائيل.

وثمة اعتبارات مصرية دفعت القاهرة لدعم أسطولها الجوي، تتمثل -وفق تصريحات مراقبين للجزيرة نت- في كون الصفقات الأخيرة، تأتي في سياق تعزيز القدرات القتالية لمواجهة تهديدات إقليمية محتملة، كون تلك المنظومة (من المقاتلات والمروحيات) تصلح لشن هجمات بعيدة المدى.

وفيما يتعلق بالاعتبارات الأميركية، تبدو الرؤى متباينة، بين كونها إرضاء لمصر كحليف ومشتر كبير للسلاح، ورأي آخر ينطلق من بيان البنتاغون باعتبار الصفقات العسكرية قائمة على مصالح الأمن القومي، وعدم تغيير معادلات التوازن في المنطقة بما يضر بإسرائيل.

الثالثة في 2022

ومنذ بداية العام الجاري، أعلنت واشنطن عن 3 صفقات محتملة مع القاهرة لدعم سلاح الجوي المصري، وذلك عبر المحطات التالية:

  • العاشر من مارس/آذار الماضي، بيع محتمل لـ 12 طائرة من طراز "سي-130" (C-130) (سوبر هيركليز)، والتي تعد جيلا متطورا من طائرات الشحن العسكري، بقيمة 2.2 مليار دولار. وهذه الصفقة كان قد تم تعطيلها في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد إعلان البيت الأبيض اقتطاع جزء من المعونة العسكرية لمصر؛ بسبب انتقادات لحقوق الإنسان.
  • في منتصف مارس/آذار الماضي، أعلن قائد القيادة المركزية، فرانك ماكنزي، أن بلاده تعتزم بيع مقاتلات "إف-15" لمصر، من دون تفاصيل حول الصفقة التي واجهت عرقلة إسرائيلية لعقود.
  • الخميس الماضي، أعلنت واشنطن عن صفقة مروحيات شينوك-47 المحتملة. ووفق الإجراءات الرسمية المتبعة، تتطلب تلك الصفقات موافقة الخارجية والكونغرس.
  • في التاسع من فبراير/شباط الماضي، كان ماكنزي قد وعد خلال زيارة لمصر بمساعدة عسكرية "قوية للغاية".

قدرات قتالية

الخبير في الأمن القومي والعلاقات الدولية اللواء محمد عبد الواحد، اعتبر صفقة شينوك-47 مؤشرا على ارتقاء الشراكة الإستراتيجية بين بلاده وأميركا لمرحلة أفضل مما كانت عليه. وعزز رأيه بالقول إن الصفقات الأميركية كانت كلها عالية التكنولوجيا، كما أنها لا تُمنح إلا لدول حلف الناتو أو الدول التي لها شراكة إستراتيجية قوية مع واشنطن.

ولمروحيات شينوك طراز "إف-47" (F-47) مهام قتالية متعددة -وفق الخبير الأمني المصري- باعتبارها:

  • الطراز الأحدث في منظومة شينوك التي تصنعها شركة بوينغ منذ عام 1962.
  • لديها قدرة عالية على المناورة والطيران في ظروف مناخية صعبة، وهي أسرع هيليكوبتر في العالم.
  • قادرة على نقل نحو 40 إلى 50 مقاتلا بكامل تجهيزاتهم العسكرية.
  • بها أنظمة ملاحية وإلكترونية ومراقبة وأرصاد متطورة.

وعما ستضيفه المروحية للسلاح المصري، ركز عبد الواحد على النقاط التالية:

  • مصر تمتلك مروحيات شينوك، لكن طراز 47 هو أحدث ما ستحصل عليه.
  • ستقدم طفرة في مجال نقل القوات المصرية المحمولة جوا، خاصة القوات الخاصة.
  • تستطيع تحقيق الدعم السريع لأية قوات على الجبهة وفي أماكن القتال بسرعة ومناورة عالية.
  • مداها العملياتي حوالي 600 كيلومتر، ويمكنها شحن 11 طنا، وهو رقم كبير بالنسبة للمروحيات في شحن الأفراد والمعدات الثقيلة كمدافع "هاوتزر" (howitzer) (سلاح بعيد المدى خفيف الوزن).
  • انضمام مثل هذه المروحية في سلاح الجو يعزز قدرات عمليات محاربة الإرهاب، وأعداء مصر في المنطقة.
  • التحديات الراهنة تتطلب جيشا قويا مزودا بأحدث المعدات والتكنولوجيا في العالم.
  • كان لزاما أن يبقى لمصر ذراع طويلة تصل إلى أي مكان في العالم يهدد أمنها القومي.

استباق تصاعد التهديدات

بدوره، أشار الأكاديمي والمحلل السياسي محمد الزواوي، إلى تقديرات خططية وإستراتيجية في مصر، تعمل على استباق تصاعد التهديدات بالمنطقة، ومنها إنشاء قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر، والحصول على مقاتلات متطورة كانت مطلبا ملحا للجيش المصري، خلافا للتقديرات الأميركية.

وفي هذا الصدد، أوضح الزواوي، أن أبرز هذه التقديرات تتمثل في:

  • رغم سعي مصر في السنوات الأخيرة في تنويع مصادر السلاح، خاصة المقاتلات بلجوئها إلى فرنسا لاستيراد الرافال وكذلك روسيا لاستيراد الميغ والسوخوي، إلا أن العمود الفقري للقوات الجوية يظل مقاتلات "إف-16" (F-16) الأميركية، التي تجري القاهرة مباحثات لتطويرها وتحديثها.
  • موافقة واشنطن على صفقة "إف-15" ربما تأتي كتعويض على عدم منحها طائرات "إف-35" (F-35)؛ والتي تقترب كثيرا من قدراتها.
  • هدف واشنطن من ذلك إرضاء مصر وإبقاؤها في الحلف الغربي كحليف ومشتر كبير للسلاح.
  • بعد امتلاك مصر طائرات النقل والاستطلاع الجوي إكس هيركليز، ومروحيات شينوك الخاصة بالنقل الثقيل، يكون التطور النوعي هو مقاتلات إف-15.
  • تلك المنظومة من المقاتلات ومروحيات النقل والاستطلاع، تصلح للعمل في شن هجمات بعيدة المدى على أهداف مثل سد النهضة الإثيوبي.
  • طائرات "إكس هيركليز" لها قدرة عالية على التشويش والاستطلاع والإسناد الجوي في العمليات بعيدة المدى، وكذلك قادرة على حمل صواريخ ذات الوزن الثقيل.
  • مروحيات شينوك، قادرة على حمل معدات ثقيلة مثل الدبابات والمدرعات.
  • ربما ذلك التسليح يعطي إشارة إلى إثيوبيا لتكون جادة في التفاوض والحفاظ على مصالح مصر المائية، لا سيما مع التقارب الإثيوبي الروسي مؤخرا؛ حيث عملت موسكو على مساندة الموقف الإثيوبي في مجلس الأمن ضد مصر.

دلالات الموقف الأميركي

وحول دلالات التحول الأميركي مع مصر في الآونة الأخيرة في ضوء الفتور في زوايا أخرى من العلاقات الثنائية، أشار الصحفي المصري المتخصص بالعلاقات والسياسة الدولية، عبد الرحمن يوسف، إلى أن أية اعتبارات لتوريد السلاح الأميركي إلى مصر أو أية دولة أخرى، دائما تبنى على مسألتين؛ مصالح الأمن القومي، وعدم تغيير معادلات توازن المنطقة ضد إسرائيل.

وأوضح يوسف، وهو مقيم بواشنطن، أن العلاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن -لا سيما ما يرتبط بمبيعات السلاح- ليست ذات اتصال قوي دائما بقضايا حقوق الإنسان، ربما كان ذلك مختلفا في بعض العقوبات أو المنع في ظروف خاصة.

واستشهد بما حدث بعد صيف 2013 حين واجهت مصر أزمة مع استمرارية واردات التسليح أو المساعدات العسكرية؛ إثر إطاحة الجيش بالرئيس الراحل محمد مرسي، واعتبار دوائر غربية الأمر "انقلابا عسكريا" بشكل غير رسمي.

ووفق يوسف، فإن مسألة مبيعات السلاح تسير بشكل سلس في معظم الوقت، وفقا للمصالح الأميركية وهي تعود بالنفع على مصانع السلاح وتسعد لوبيات التسليح، ومصر ستدفع ثمنها الآن أو آجلا.

وفيما يخص صفقة "شينوك-47″، استبعد الكاتب الصحفي أن تكون قد أُبرمت في إطار تشجيع مصر على إعادة النظر في صفقات التسليح مع روسيا أو الصين، موضحا أنها لا تدخل في إطار هذه المعادلة، وربما ينطبق ذلك على صفقة مقاتلات إف-15.

وعزا ذلك إلى كون شينوك، لم تكن صفقة محظورة على مصر، بل هي أسلحة اعتيادية تأتي في سياق طبيعي، تسير فيه مصر بشكل مكثف، ما وضعها في المرتبة الثالثة عالميا من بين أكبر مستوردي الأسلحة في العالم بعد السعودية والهند في الفترة من (2016 – 2020)، وفق معهد ستوكهولم الدولي للأبحاث.

تعقيدات وتحديات

ومن منظور غربي، حذرت دراسة صدرت مؤخرا عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (مقره واشنطن) من نتائج عكسية إذا مورست ضغوط بتقييد برامج التسليح على القاهرة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

وقال الخبير العسكري الأميركي، ديفيد ويتي، في الدراسة التي حملت عنوان "العلاقة العسكرية الأميركية المصرية.. تعقيدات وتناقضات وتحديات"، إن الضغوط الأميركية قد تدفع القاهرة إلى اللجوء إلى دول أخرى في صفقات التسليح، كما حدث في السنوات الأخيرة.

وأوصى ويتي بلاده بأن تنظر إلى المساعدات العسكرية المقدمة إلى القاهرة باعتبارها نفقات تشغيل، وهذه طبيعتها الحقيقية، بدلا من اعتبارها هبة لمصر.

كما دعا إلى ضرورة المرونة في تقديم المعدات التكنولوجية المتطورة إليها، مشيرا إلى أن ذلك لن يؤثر على توازن القوى الإقليمي بشكل جذري كما كان في الماضي.

المصدر : الجزيرة