"محاولة لطمس الجريمة".. لماذا تمتنع إسرائيل عن التحقيق مع جيشها في اغتيال أبو عاقلة؟

تؤكد الجمعيات الحقوقية أن تطبيق القانون العسكري الإسرائيلي تحوّل إلى منظومة هدفها طمس الحقائق، وهو ما يشير إلى أن الجهاز العسكري الإسرائيلي ليست لديه القدرة على إجراء تحقيقات مهنية وشفافة وعادلة

قوات إسرائيلية تهاجم مسيرة منددة باغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة في القدس المحتلة (رويترز)

القدس المحتلة- يعكس تطلع النيابة العسكرية الإسرائيلية لعدم فتح تحقيق جنائي في ملابسات اغتيال الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة برصاص قناص إسرائيلي خلال عملها الميداني في مخيم جنين، نهج الاحتلال في طمس الحقائق حول حوادث إطلاق نار ارتكبها جنوده ضد الفلسطينيين.

ووجّهت منظمات تعنى بحقوق الإنسان بإسرائيل وباحثون انتقادات شديدة اللهجة إلى المؤسسة الإسرائيلية في تعاملها مع ملابسات اغتيال أبو عاقلة، وأجمعوا على أن الامتناع عن فتح تحقيق من قبل الجيش الإسرائيلي يعكس نهج سلطات الاحتلال بالمماطلة والمراوغة وتبديل الروايات، بغرض طمس الحقائق ومحاولة تفريغ ملف التحقيق من مضمونه.

عاطف دغلس- من فعاليات التضامن مع الشهيدة شيرين ابو عاقلة اليوم- الجزيرة نت5
فلسطينيات يحملن ملصقات للشهيدة الصحفية شيرين أبو عاقلة (الجزيرة)

"فحص عملياتي" دون تحقيق

ويشير التوجه الأخير إلى الإخفاقات في آلية التحقيقات لدى النيابة العسكرية الإسرائيلية في مئات الانتهاكات وملفات قتل مئات الفلسطينيين برصاص الاحتلال، حيث أغلقت الغالبية العظمى منها حتى قبل استنفاد التحقيق، ودون مساءلة أو محاسبة للجنود والضباط.

وتظهر بيانات الجمعيات الحقوقية الفلسطينية والمنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان في إسرائيل، ومنها "ييش دين" – منظمة متطوعين لحقوق الإنسان- ومركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، أنه منذ انتفاضة الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2000، اكتفت إسرائيل بما تسميه "الفحص العملياتي" في حوادث قتل 47 فلسطينيا فقط، دون أن تفتح نيابتها العسكرية تحقيقات معمقة بحيثيات قتلهم، في حين لم يقدم أي جندي أو ضابط للمحاكمة.

وتؤكد الجمعيات الحقوقية الإسرائيلية التي توثق انتهاكات واعتداءات الاحتلال على الفلسطينيين، وتراقب متابعة النيابة العسكرية الإسرائيلية للشكاوى والملفات، أن نظام تطبيق القانون العسكري أخفق تماما وتحول إلى منظومة هدفها طمس الحقائق، وهو ما يشير إلى أن الجهاز العسكري الإسرائيلي ليست لديه القدرة على إجراء تحقيقات مهنية وشفافة وعادلة.

وتمتنع المدعية العامة العسكرية، يفعات تومر يروشالمي، عن إصدار تعليمات لفتح تحقيق في اغتيال الصحفية أبو عاقلة لدى وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية، بزعم أنه لا توجد هناك شبهات جنائية، وفقا لصحيفة هآرتس العبرية.

وتعتقد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن مثل هذا التحقيق من شأنه أن يثير معارضة وجدلا داخليين بالجيش والمجتمع الإسرائيلي، وكذلك في الحكومة وعلى المستوى السياسي.

غير معنية بالتحقيق

وتعليقا على تضارب الروايات التي يبثها جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن ملابسات اغتيال مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، تساءلت المديرة التنفيذية لـ "ييش دين"، زيف شتال، "من يحقق في إخفاقات طواقم التحقيق في الشرطة العسكرية ومنظومة النيابة العسكرية الإسرائيلية؟".

وقالت شتال للجزيرة نت إن إيذاء واستهداف الصحفيين أثناء عملهم الميداني والقيام بواجبهم يمثل "حالة بالغة الخطورة"، مؤكدة أنه "يجب عدم الاستخفاف بمقتل الصحفية أبو عاقلة، ولا بد من استنفاد التحقيق ومحاكمة من أطلق النار وكل من أعطى الأوامر لذلك".

وذكرت مديرة "ييش دين" أن امتناع النيابة والشرطة العسكرية عن فتح تحقيق جنائي في ملابسات مقتل الصحفية أبو عاقلة، يعكس التجارب في ملفات سابقة والتاريخ الحافل للنظام القضائي العسكري الإسرائيلي الذي كان يحقق بشكل صوري بملفات قتل فلسطينيين بنيران جنود الاحتلال، حيث أغلقت الغالبية العظمى منها وطُمست الحقائق دون محاسبة أو عقاب.

وأكدت شتال أن نهج وممارسات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ومنظومة القانون العسكري أثبت في عشرات الملفات الخطيرة والتي شملت قتل فلسطينيين بنيران بعض الجنود والضباط، أنها غير قادرة على التحقيق مع نفسها، وغير معنية بالتحقيق مع الجنود والضباط الضالعين بانتهاكات ارتكبت ضد الفلسطينيين، ولهذا تطالب "ييش دين" بفتح تحقيق دولي وتقديم قتلة أبو عاقلة إلى العدالة.

أستاذ القانون الدولي يوسف جبارين يشكك بجدية تحقيقات الجيش الإسرائيلي (الجزيرة)

توفير الحصانة لجنودها

ويقول الناشط الحقوقي وأستاذ القانون الدولي الدكتور يوسف جبارين، إن سلطات الاحتلال لا تقوم بأي تحقيقات جدية في الشكاوى المقدمة إليها ضد عناصر الأمن وجنود جيشها بحيث توفر حصانة لهم، وتماطل في معالجة الشكاوى لدرجة إهمالها بغية التستر على الجرائم التي تُرتكب ضد الفلسطينيين.

وشكّك جبارين، في حديثه للجزيرة نت، بجدية التحقيقات الأوّلية للجيش الإسرائيلي، في ملابسات اغتيال أبو عاقلة، واعتبرها محاولة إسرائيلية لكسب الوقت والمماطلة بالترويج لروايات متناقضة ومتغيرة بهدف التشويش وطمس الحقائق وطي الملف الذي يتم اقتصاره على التحقيق مع جندي واحد فقط.

وشدد أستاذ القانون الدولي على ضرورة أن تمارس محكمة الجنايات الدولية نفوذها في ملف اغتيال أبو عاقلة، خصوصا أن التقارير الحقوقية تؤكد غيابا ممنهجا للمساءلة والمحاسبة من قبل النيابة العسكرية الإسرائيلية، وتكريس أنماط تحقيق وآليات معالجة تعمل على طمس جرائم جنودها.

تحقيقات وهمية

ووفق المنظمة الحقوقية "ييش دين"، تقدّم الفلسطينيون بـ400 شكوى ضد جرائم قتل قام بها الاحتلال بين عامي 2017 و2018، حيث قدمت 3 لوائح اتهام فقط، وأغلقت 80% من الشكاوى دون أن يتم حتى فتح ملف تحقيق فيها رغم أنها تشمل حالات قتل وإصابات خطيرة برصاص جنود الاحتلال.

وأوضح يوسف جبارين أن هذه الإحصاءات تضاف إلى معطيات تتعلق أيضا بمئات الملفات التي وثقها مركز "بتسليم" الحقوقي حتى عام 2016 وغالبيتها العظمى أُغلقت دون لوائح اتهام ضد الجنود والضباط.

وأكد جبارين أن التجارب والمعطيات بشأن نهج النيابة العسكرية المتعلق بالتحقيقات الوهمية في الشكاوى والملفات المتعلقة بضلوع جنود الاحتلال بحوادث إطلاق النار وقتل الفلسطينيين، تُبدد المزاعم الإسرائيلية بأنها تجري تحقيقات مع الجنود والضباط.

وعليه، يقول أستاذ القانون الدولي "لا يمكن لإسرائيل أن تدعي أمام محكمة الجنايات الدولية أنها تقوم بالعمل بموجب ما ينص عليه القانون الدولي، وبالتالي فالمحكمة الدولية مطالبة برفض هذه المزاعم وبفتح تحقيقات بجرائم قتل جنود الاحتلال للفلسطينيين".

المحلل والباحث بالشأن الإسرائيلي محمد مجادلة يرى أن التحقيق باغتيال أبو عاقلة سيعمّق أزمات الحكومة الإسرائيلية (الجزيرة)

التخفيف من الأزمة الحكومية

على الصعيد السياسي، يقول المحلل السياسي والباحث بالشأن الإسرائيلي محمد مجادلة إن "الجيش الإسرائيلي بامتناعه عن التحقيق في اغتيال أبو عاقلة يسعى للتنصل من المسؤولية، حيث لا يريد التحقيق في ملف يمكن أن يدينه، وبالتالي إسقاط أي مسؤولية عليه".

وأوضح مجادلة للجزيرة نت أن توجه الشرطة العسكرية لعدم فتح تحقيق جنائي يعكس سياسة متجذرة في مختلف المؤسسات الإسرائيلية التي تمتنع عن تطبيق القانون في ملفات وقضايا خطيرة ومثيرة للجدل بالمجتمع الإسرائيلي، وتوفير الحصانة لسلطات إنفاذ القانون سواء الشرطة أو الجيش أو وزارة القضاء والنيابة العامة.

وتسعى إسرائيل بالامتناع عن التحقيق، حسب مجادلة، "إلى التقليل من حالة الاحتقان التي يمكن أن تنتج وتهيمن على المستوى السياسي، بحيث إن إقامة لجنة تحقيق سيكون مثار جدل إسرائيلي وسيتحول إلى أداة منافسة سياسية بين المعارضة والائتلاف الحكومي، وليس من المستبعد أن يؤدي السجال لتوسيع الخلافات والانشقاقات وتعميق أزمات الائتلاف الحكومي غير المستقر والهش أصلا".

المصدر : الجزيرة