على جبهات القتال والعلاج والإغاثة.. عرب بمواقع متقدمة في الحرب بأوكرانيا

من بين العرب عشرات انخرطوا في "قوات الدفاع الإقليمي" الرديفة للجيش الأوكراني بشتى المدن، متسلمين مهام القتال والحراسة وفق الضرورة.

رامي أبو شمسية رئيس اتحاد الأطباء العرب في أوكرانيا في أثناء عيادته أحد المرضى بأحد مشافي العاصمة كييف (الجزيرة)

كييف- في إحدى مشافي العاصمة الأوكرانية "كييف" يتجول رامي أبو شمسية، رئيس اتحاد الأطباء العرب في أوكرانيا، بين مرضاه، وبعضهم عرفوه رفيقا للسلاح أيضا.

وأبو شمسية واحد من أبناء الجالية العربية المقيمين بأوكرانيا منذ سنوات طويلة، وعرف منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي بمثابرته في علاج المصابين.

يقول أبو شمسية للجزيرة نت "عرفنا شعارات النضال منذ أن كنا أطفالا نعيش وندرس في فلسطين، لكننا لم نستشعر معانيه الحقيقية إلا هنا في أوكرانيا عندما كبرنا، لأنها باتت وطنا ثانيا بحق، والعدوان عليها وضّح صورة روسيا بالنسبة لي شخصيا، كدولة احتلال، هنا وفي سوريا وغيرها من الدول".

الطبيب رامي أبو شمسية اختار البقاء وعلاج المصابين منذ بداية الحرب على أوكرانيا (الجزيرة)

ويعتقد أبو شمسية أن "انسحاب الطبيب من موقعه خيانة لشرف المهنة وإنسانيتها". وقال إن كثيرا من الأطباء العرب جسّدوا معنى الثبات، والتحموا مع غيرهم في هذه المحنة، مترفعين عن الخلافات كما فعل السياسيون، وفي صورة تدعو للفخر"، على حد قوله.

ويعبر مرضى يتابعهم الطبيب أبو شمسية عن تقديرهم له، ويقول أحدهم للجزيرة نت "إنه شخص منا، حتى وإن كان اسمه عربي".

ومنذ بداية الحرب الروسية، شارك العرب الأوكرانيون في جبهات القتال المباشرة، أو في علاج الجنود والمدنيين الجرحى، إضافة إلى الانخراط في ميادين العمل التطوعي والإغاثي بشتى أشكاله.

أسرة الدكتور محمود أحمد تساعد في إعداد الضمادات بالمستشفى الذي بقيت فيه 50 يوما (الجزيرة)

50 يوما في علاج الجرحى

ووفق القائمين على بعض المستشفيات، كان الأطباء العرب "سبّاقين" إلى ميدان العمل منذ أول أيام الحرب، بل إنهم سخّروا لذلك كل وقتهم، وكذلك فعل أفراد أسرهم.

يقول الطبيب بوهدان دجوران، مدير أحد المستشفيات في العاصمة كييف "في الساعة السادسة من صباح أول أيام الحرب، اتصل بي أحد الأطباء العرب العاملين لدينا وقال إنه جاهز في موقعه، قبل بدء الدوام المعتاد حتى". وأضاف "شعرت بالخجل في حقيقة الأمر، لأنني أعلم أن فكرة النزوح راودت أطباء آخرين، حتى وإن لم يفعلوا ذلك".

أما قصة الطبيب محمود أحمد، المتخصص في جراحة الأوعية الدموية، فهي مثال نابض على الثبات، فقد قضى 50 يوما باستمرار في المستشفى، وكانت معه أسرته.

يقول أحمد للجزيرة نت "خصصت إدارة المستشفى لنا غرفة للإقامة فكنا مطمئنين، وكانت زوجتي وابنتي تساعدان على إعداد الضمادات والطعام للمصابين، إضافة إلى المشاركة في جمع المعونات الطبية وإيصالها؛ وفي الوقت ذاته، كنت أنا وابني الطبيب أيضا نعالج إصابات الجنود والمدنيين خلال أسابيع المعارك العنيفة بمحيط كييف".

وأضاف "قضينا أياما صعبة، لكنها كانت تجربة وحدة وتكافل بين جميع الأطباء وأسرهم وأهالي المصابين، وحتى بعض الحلاقين الذين بادروا بالحلاقة لنا في المستشفى عندما علموا أننا نقيم هنا طويلا".

أحمد شاب جزائري الأصل التحق بقوات الدفاع الإقليمي (الجزيرة)

جنود أيضا

ومن بين العرب عشرات انخرطوا في قوات "الدفاع الإقليمي" الرديفة للجيش الأوكراني بشتى المدن، متسلمين مهام القتال والحراسة وفق الضرورة.

وكانت الجزيرة نت قد تحدثت إلى الشاب أحمد، ذي الأصول الجزائرية، أثناء وجوده في موقع للتدريب بضواحي العاصمة كييف. ويرى أحمد أن "الخدمة واجب يفرضه شرف الدفاع عن الأرض والعرض، انطلاقا من الانتماء إلى أوكرانيا، كأرض أعيش فيها وأحمل جنسيتها وفيها كوّنت أسرتي".

وقال مفتي مسلمي أوكرانيا سعيد إسماعيلوف للجزيرة نت، في وقت سابق، إن نحو ألف من مسلمي كييف وحدها انخرطوا في "قوات الدفاع الإقليمي"، وبينهم أعداد كبيرة من العرب وغيرهم.

الدكتور حمزة عيسى (الثاني من اليسار) يوزع مساعدات تركية تترية على محتاجين في منطقة زابوريجا (الجزيرة)

إغاثة بدعم من خريجي أوكرانيا

وبرزت مشاركة العرب أيضا في ميادين الإغاثة والعمل التطوعي خلال الحرب على أوكرانيا. ومن بينهم الدكتور حمزة عيسى الذي يترأس المركز الثقافي الإسلامي في مدينة أوديسا، وهو أب لـ8 أطفال يحملون الجنسية الأوكرانية أيضا.

وكان بإمكانه الخروج من البلاد للنجاة بأطفاله، لكنه رفض وتفرغ للعمل الإنساني الإغاثي في شتى أرجاء أوكرانيا، منذ بداية الحرب.

يقول عيسى للجزيرة نت "كنت في لجنة لإجلاء الطلاب العرب من مدن أوكرانيا، ثم تفرغت للعمل الإغاثي، بإيصال المساعدات لمن يحتاجها، وكثير منها كان بمساعدة طلاب قدامى درسوا في أوكرانيا، ولم ينسوها، فكان لهم دور كبير في ظل تراجع أو غياب اهتمام المنظمات المعنية وحكومات الدول العربية".

ويضيف عيسى "بقيت في دونيتسك الانفصالية حتى 2018، ولم أخرج منها إلا عندما تعرضت للخطر. الأمر يتعلق بالواجب الديني والأخلاقي أمام المسلمين والعرب والمجتمع الأوكراني بشكل عام، وما أنا إلا واحد من كثيرين أمثالي في هذه البلاد".

وتطول قائمة العرب المشاركين في عمليات القتال والطبابة والإغاثة بأوكرانيا، لكن كثيرين منهم يفضلون عدم الحديث أو الظهور في وسائل الإعلام، لأسباب أمنية بالدرجة الأولى.

المصدر : الجزيرة