المزيرعة لا "إلعاد" والخيرية لا "بني براك".. العمليات الفدائية تستعيد أسماء القرى الفلسطينية المهجرة

يقول المؤرخ صالح عبد الجواد إن الأجيال الفلسطينية الجديدة تجهل الأسماء الأصلية للقرى المهجرة ومواقعها لعدم قدرتها على الوصول إلى المناطق التي هجّر منها أجدادهم، ولتشوه السردية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو بتغيير المنهاج الفلسطيني تلبية لرغبة الممولين، وهو ما أثر على تكريس الأسماء الأصلية مقابل العبرية

قرية المزيرعة المهجرة،
معالم ما زالت شاهدة على بقايا قرية المزيرعة المهجرة كما تداولها نشطاء فلسطينيون (مواقع التواصل)

رام الله- منذ اللحظة الأولى لتداول نبأ العملية الفدائية التي نفذها شابان فلسطينيان في منطقة "إلعاد" كما يسميها الإسرائيليون أدرك الحاج أحمد داود الرمحي أن الحديث يدور عن "المستوطنة" التي أقيمت على أنقاض قريته "المزيرعة" التي هجّر منها في النكبة عام 1948.

وبعد ساعات قليلة تصدّر اسم "المزيرعة" حديث وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وتطور إلى حملة تدعو لاستعمال اسمها الفلسطيني بالحديث عن العملية الفدائية التي قُتل فيها 3 مستوطنين وجُرح آخرون.

يقول الرمحي (74 عاما) للجزيرة نت "قريتنا كانت ميتة، وكأن الحياة عادت إليها من جديد بعد العملية الفدائية، وبات كل طفل من أجيالها اللاجئة يعلم أن له أرضا فيها وله الحق بالعودة إليها".

فلسطين_عزيزة نوفل_رام الله_ الحاج أحمد داوود الرمحي_ الجزيرة
اللاجئ أحمد داود الرمحي يتحدث عن قريته المزيرعة التي هجّرت منها عائلته في النكبة (الجزيرة)

ومنذ تنفيذ العملية في 5 مايو/أيار الجاري يتابع الحاج الرمحي -رغم وضعه الصحي الصعب- كل ما ينشر عبر وسائل الإعلام عن المزيرعة، وكذلك مستجدات ومشاهد البحث عن المنفذين في الأحراش التي مشى فيها مع والده في العام 1972 عندما اصطحبه وأخوته إلى القرية بعد تقدمه في السن ليعرّفهم على بيتهم والأراضي التي يملكونها ليكونوا على علم بها.

يقول الرمحي "منذ ذلك الحين وتفاصيل القرية محفورة في ذاكرتي، الطريق ومكان بيتنا وأراضي والدي التي كان يزرعها بالقمح والذرة والسمسم".

واضطرت عائلة الرمحي للهروب في مايو/أيار 1948 بعد قصف القرى المجاورة لها، وكان عمر أحمد الرمحي شهرا واحدا فقط، وكل ما يذكره عن المزيرعة روايات من والديه وشقيقه الذي كان يكبره بـ10 سنوات، بعد أن استقر بهم الحال في مخيم الجلزون شمالي مدينة رام الله بالضفة الغربية.

كان الحاج الرمحي يتحدث قبيل ذكرى نكبة فلسطين هذا العام وهو على سرير المستشفى بعد إجرائه عملية جراحية، إلا أنه لم يُخفِ فرحته بعودة الحديث عن قريته التي كانت منسية، وقال "هذه العملية أعادت الذاكرة لكل أهالي البلدة، وبات كل العالم يعلم أن هناك قرية اسمها المزيرعة هجّر سكانها منها، ولهم الحق بالعودة إليها".

وهجّرت إسرائيل في النكبة أكثر من 530 قرية وبلدة فلسطينية ودمرت معظمها، بعد أن قتلت قرابة 13 ألف فلسطيني، وهجرت أكثر من 750 ألفا ليصبحوا لاجئين داخل وخارج وطنهم.

معركة مسميات

وليست المزيرعة فقط، فالعمليات الفدائية التي نفذها فلسطينيون خلال الفترة الماضية أعادت تسليط الضوء على الأسماء الأصلية للمناطق التي وقعت بها في الأراضي التي احتلتها إسرائيل بالنكبة كما هو الحال في عملية الفدائي ضياء حمارشة في 29 مارس/آذار الماضي في "بني براك"، والتي بنيت على أراضي قرية الخيرية المهجرة عام 1948.

يقول المؤرخ والباحث في دراسات النكبة بجامعة بيرزيت صالح عبد الجواد إن الاحتلال الإسرائيلي منذ بدايته تنبه إلى أهمية المسميات وضرورة تغييرها لتكريس العبرية بدلا من الفلسطينية، وكانت لديه خطط ممنهجة لذلك.

وبحسب عبد الجواد، فإن نسيان الأجيال الفلسطينية الجديدة المسميات الأصلية كانت له أسباب كثيرة، أهمها عدم قدرتها على الوصول إلى القرى والبلدات التي هجّر منها أجدادهم كما هو الحال مع أحفاد الرمحي، فهم يعلمون أنهم من قرية المزيرعة ولكنهم لا يعرفون أن "إلعاد" مستوطنة أقيمت على أرضها، وهو ما جعلهم غير قادرين على الربط بين الحديث عن قريتهم وعن موقع العملية الفدائية لحظة الإعلان عنها.

ويقول عبد الجواد للجزيرة نت إن "تثبيت الذاكرة بالمحافظة على أسماء المناطق الفلسطينية هو قلب الصراع الآن".

وبحسب المؤرخ، فإن "اتفاقية أوسلو -التي كان من شروطها أن يتنازل الجانب الفلسطيني عن السردية الفلسطينية، وما تبعه بتغير المنهاج الفلسطيني تلبية لرغبة الممولين- أثرت على تكريس الأسماء الفلسطينية مقابل العبرية".

والدعوات لاستعادة المسميات الفلسطينية الأصلية لا تقتصر على المناطق المهجرة عام 1948 كما يقول عبد الجواد، ففي مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة يعمل الاحتلال أيضا على تغيير أسماء المناطق والاستعاضة عنها بأسماء مستوطنات عبرية.

مواجهة ثقافية

يعتبر الاحتلال تكريس مسمياته جزءا من المواجهة الثقافية لمحو التاريخ الفلسطيني وإنتاج تاريخ إسرائيلي مزور كما يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد "هي معركة روايات ضمن إستراتيجية متكاملة لتغيير الوعي بالأماكن".

وتابع شديد للجزيرة نت "أدرك الإسرائيليون أن هذه المعركة لن تنجح بدون بناء وعي جديد للفلسطيني يرافقه تغيير في المبنى الطبوغرافي للأماكن يساهم في تقبل الأسماء العبرية اليهودية".

ولمواجهة ذلك، يرى شديد أنه لا بد من إستراتيجية فلسطينية واضحة أساسها توحيد الخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني لينسجم مع الرواية الوطنية "فليس من المقبول الحديث عن تل أبيب دون معرفة جغرافيا المكان قبل النكبة مثلا".

ويرى أن نجاح هذه الإستراتيجية مرتبط بالتنسيق مع القوى الوطنية والنشطاء والباحثين في الداخل المحتل لقربهم من الأماكن ومعرفتهم بها.

ويقول شديد إن الأحداث على الأرض هي التي تخلق الوعي بهذه الأماكن وتاريخها، ويقصد بذلك العمليات الفدائية، فقد أصبح "كم المعرفي النوعي أضعاف ما كان عليه في السابق بفعل هذه العمليات"، وهو ما يمكن البناء عليه باعتقاده.

 

تكريس المسميات إعلاميا

الوعي الذي أشار إليه شديد كان واضحا من خلال النشاط الإلكتروني الملحوظ لتكريس المسميات الفلسطينية الأصلية عند الحديث عن العمليات الفدائية، فقد أعاد عشرات النشطاء نشر معلومات عن قرية المزيرعة مثلا تحت وسم "المزيرعة لا إلعاد".

وفي هذا السياق، أسس مجموعة من الصحفيين مبادرة على الواتساب تحت عنوان "رواية إخبارية فلسطينية"، لتصحيح مسميات القرى والمناطق عبر وسائل الإعلام خلال تغطياتهم الإخبارية.

الإعلامي نواف العامر كان من المبادرين لتأسيس هذه المجموعة، وقال إنها تهدف إلى "التأثير على الرأي العام الفلسطيني والعربي من خلال تكريس الرواية الفلسطينية"، فباعتقاده أن "هناك هيمنة إسرائيلية هائلة على وكالات الأنباء الأجنبية، خاصة التي لديها مكاتب في القدس ويعمل فيها إسرائيليون، أصبحنا الآن نسمع المراسل يصف مدينة الخليل مثلا بأوصاف مثل (ذات الأغلبية الفلسطينية)، و(القدس المتنازع عليها)".

ولتكريس المسميات الأصلية -يقول العامر- "لا بد من ورشات عمل لتعريف ليس فقط الإعلاميين وإنما السياسيين والناطقين بالمسميات الفلسطينية الصحيحة لإحداث الاختراق، فإذا تبنى الإعلام الرسمي وكبريات الفضائيات العربية والعالمية هذه المسميات يحدث التغيير".

المصدر : الجزيرة