في ظل غياب تيار المستقبل.. هكذا ترسم اللوائح خريطة التحالفات والمعركة الانتخابية في لبنان

على عكس كل التوقعات، توصف الانتخابات اللبنانية الراهنة بأنها محفوفة بالمجهول، نظرًا لضياع خيارات الشريحة الشعبية الواسعة التي سبق أن عبّرت عن نقمتها من أركان السلطة.

Government election officials carry ballot boxes which will be located in polling stations ahead of the country's May 6 parliamentary election, in Beirut, Lebanon, May 5, 2018. REUTERS/Mohamed Azakir
مسؤولو انتخابات حكوميون يحملون صناديق اقتراع قبل الانتخابات البرلمانية في بيروت عام 2018 (رويترز)

بيروت – أسابيع قليلة تفصل لبنان عن استحقاق الانتخابات البرلمانية المقررة في 15 مايو/أيار 2022، في حين رسمت اللوائح المسجلة في 15 دائرة انتخابية، خريطة التحالفات والمعركة التي حافظت على بعض الثوابت وأرست الكثير من التحولات، وقد تدفع البلاد نحو معبرٍ مفصلي جديد.

وفي مطلع الأسبوع الحالي، أغلقت وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية باب تسجيل اللوائح (القوائم) الانتخابية، وبلغت رسميًا 103 لوائح، بزيادة 36 لائحة عن انتخابات 2018، حين اقتصرت المعركة على 77 لائحة.

وللمفارقة، فإن معظم اللوائح حملت شعارات التغيير، في بلدٍ يغرق بواحدة من أسوأ 3 أزمات يشهدها العالم بحسب تقديرات البنك الدولي.

ورغم أن تيار "المستقبل" يغيب لأول مرة عن الاستحقاق الانتخابي، كما تغيب عنه قيادات الصف الأول لدى الطائفة السنية، سجّلت الدوائر ذات الغالبية السُنية كثافة ملحوظة بتشكيل اللوائح، فبلغت في دائرة الشمال الثانية (تضم طرابلس والمنية والضنية) العدد الأعلى بـ 11 لائحة.

ولأول مرة أيضا، تخوض قوى المعارضة المنبثقة من "حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019″، الانتخابات بعدد كبير من اللوائح.

وتشتد المعركة في الدوائر التي تحضر فيها القوى السياسية المسيحية، بينما تبدو أكثر انضباطا في الدوائر التي يحضر فيها الثنائي حزب الله وحركة أمل.

وفي قراءة أولية للمشهد الانتخابي اللبناني، عبر تفكيك وشرح طبيعة اللوائح، طرحت الجزيرة نت مجموعة من الأسئلة على كل من الأكاديمي والباحث في السياسات العامة أنطوان حداد، والباحثين والخبيرين بالشأن الانتخابي، ربيع الهبر وكمال فغالي.

من اليمين زعيم حزب الله حسن نصر الله والرئيس اللبناني ميشال عون وزعيم حركة أمل نبيه بري (الأوروبية)

ما أبرز السمات السياسية للوائح انتخابات 2022؟

يصف أنطوان حداد مشهد اللوائح المتنافسة، بمثلث الأضلاع، نظرا لانقسامها إلى 3 مجموعات أساسية، هي:

  • اللوائح التي تعكس تحالف ثنائي حزب الله-حركة أمل والتيار الوطني الحر (بزعامة جبران باسيل) مع حلفائهم.
  • لوائح القوى المعارضة التقليدية لحزب الله، وكانت منضوية تحت "لواء 14 آذار"، وهي اللوائح التي شكلها الحزب التقدمي الاشتراكي (برئاسة وليد جنبلاط)، وحزب القوات اللبنانية (برئاسة سمير جعجع)، واللوائح المدعومة من رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، وكذلك لائحة وزير العدل الأسبق اللواء أشرف ريفي.
  • لوائح قوى المعارضة، ومعظمها انبثقت من 17 أكتوبر/تشرين الأول ولم يكن لها تمثيل في انتخابات 2018، أو تلك التي كانت جزءا من السلطة التقليدية، وتعرّف عن نفسها حاليا كقوى معارضة مثل حزب الكتائب اللبنانية.

ويجد ربيع الهبر أن أبرز مؤشر سياسي، هو دخول قوى معارضة جديدة إلى المشهد مقابل عجزها عن التوافق والتوحد في ائتلاف عابر للدوائر. وقال "هناك لوائح وليدة لحظتها، وجاءت بداعي الحاجة فقط، نظرا لعدم عثور أفرادها على مكان بلوائح المجموعات الأخرى".

في حين يشير كمال فغالي إلى أن نحو 60% من اللوائح تعود لقوى التغيير الجديدة، ويوجد متوسط 4 لوائح بكل دائرة، مما سيؤدي، برأيه، لتشتت أصوات المعارضة. وأوضح أن الدوائر التي غاب عنها تيار المستقبل، كثرت فيها اللوائح، لأن بعض الشخصيات والقوى وجدت فرصة استثنائية للتقدم بمساحة فارغة كانت مغلفة أمامها، بعد انسحابه المفاجئ.

ما الثابت وما المتحول في اللوائح على مستوى التحالفات؟

المتحول الأهم في تركيبة اللوائح، بحسب أنطوان حداد، هو غياب تيار المستقبل، الذي كان يفوز سابقا بأكبر الكتل البرلمانية. والسؤال برأيه "من سيملأ فراغه؟". ويعتبر حداد أن ثمة صعوبة في تقييم قدرة القوى الخارجة من عباءة "المستقبل" على استقطاب الناخبين.

أما الثابت الوحيد، وفق باحث السياسات العامة، فهو استقرار النواة الصلبة التي شكلها حزب الله حوله بانتخابات 2018، واستمرارها بدرجة عالية من التجانس، وخاصة بعد أن قدم الحزب التسهيلات لحلفائه، حتى المتخاصمين، لخوض المعركة معه، باستثناء عدم قدرته على جمع حليفيه التيار الوطني الحر وتيار المردة (برئاسة سليمان فرنجية) في دائرة الشمال الثالث التي تختزل معركة القوى المتنافسة على رئاسة الجمهورية، وكان من الصعب التوفيق بينهما بلائحة واحدة.

وهنا، يضيف ربيع الهبر، أنه رغم تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر، لم يتوحدا في دائرة صيدا-جزين، ويخوضان المعركة بلائحتين معارضتين.

لكن أنطوان حداد يُدرج بعض الانفصالات بلائحتين أو أكثر، في خانة الأهداف التكتيكية، لكسب أكبر عدد من المقاعد. فمثلا، في دائرة بيروت الثانية، شكّلت جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) لائحة منفصلة عن حزب الله، و"ذلك تعزيزا لحظوظهم بوراثة أكبر عدد من المقاعد السنية التي كانت من حصة المستقبل".

والمتحول البارز بالنسبة للهبر، هو انفراط عقد قوى 14 آذار، بعد خروج تيار المستقبل، وانفصال تحالف القوات وحزب الكتائب، إضافة إلى انتقال بعض الشخصيات الحليفة للتيار الوطني الحر إلى الجبهة المعارضة له، مثل النواب ميشال معوض ونعمة فريم وميشال ضاهر.

ولم يتجسد تحالف 14 آذار، وفق حداد، سوى بلائحة واحدة جمعت حزب القوات والتقدمي الاشتراكي بمنطقة الشوف-عاليه (دائرة جبل لبنان الرابعة).

ويذكر كمال فغالي أن دعم الرئيس السنيورة لإحدى اللوائح في دائرة بيروت الثانية دون التحالف مع أركان أساسية من 14 آذار، تواجهه لائحة مضادة من أحد رجال الأعمال بالتحالف مع الجماعة الإسلامية، وتحظى هذه بدعم غير مباشر من بعض أقطاب تيار "المستقبل"، بهدف قطع الطريق على السنيورة من استقطاب الأصوات السنية المؤيدة للمستقبل.

A Lebanese election official empties a ballot box after the polling station closed during Lebanon's parliamentary election, in Beirut, Lebanon, May 6, 2018. REUTERS/Mohamed Azakir
فرز أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية اللبنانية عام 2018 (رويترز)

هل تُبدل هذه اللوائح المشهد الانتخابي مقارنة مع ما أفرزته انتخابات 2018؟

يجد أنطوان حداد أن تبدلات المشهد مرتبطة بما قد تحققه لوائح قوى المعارضة بعدما فرضت نفسها بحضور متعدد ومتخاصم بكل الدوائر. ويرى أن عدم توحّدها لا يعني عجزها عن تسجيل خروقات مهمة في البرلمان. والأيام المقبلة، برأيه، ستحدد مستوى قدرتها على استقطاب الناخبين.

وحسب حداد، هناك عاملان أساسيان قد يعيقان تبديل المشهد، وهما الإحباط الكبير لدى الناخبين، والعوائق اللوجستية التي تشكل ذريعة لعدم توجههم لصناديق الاقتراع، وأبرزها الكلفة الباهظة للتنقل نحو أقضية مسقط رأسهم.

ومن دلالات تبدل المشهد الانتخابي، يذكر ربيع الهبر، أن حزب القوات اللبنانية شكّل لأول مرة بمعظم الدوائر لوائح مناوئة لحزب الله. لكن تداعيات غياب "المستقبل"، ستضمر برأيه، المفاجأة الأبرز في صناديق الاقتراع.

من جهته، يرى كمال فغالي أن لبنان مُقبل على مشهد برلماني شبيه بما أفرزته انتخابات 2018، متوقعا حصول تبدل وحيد، وهو تمكن حزب الله من نيل أكثرية "ميثاقية" هذه المرة، إذا نجح بضم كتلة سنية بارزة إلى مقاعده.

مَن الرابحون والخاسرون من تركيبة لوائح انتخابات 2022؟

يرجح ربيع الهبر أن تصب كثرة لوائح المعارضة بمصلحة لوائح قوى السلطة التقليدية، لأنها ستسهل عليها المعركة، كونها موحدة بتحالفاتها وسط لوائح تتناحر ضد بعضها.

ويتوقع كمال فغالي أن يكون حزب الله أكبر الرابحين مع حلفائه. أما الخاسرون فيقسمهم إلى فئتين؛ القوى المعارضة أولا، ويليها قوى 14 آذار نظرا لتفككها السياسي، وتحديدا بالدوائر ذات الغالبية السنية، حيث تحولت لدوائر أقطاب تخوض الانتخابات ضد بعضها وبالأدوات والشعارات نفسها المعارضة لحزب الله.

من جانبه، يجد أنطوان حداد أن تركيبة اللوائح جعلت كل طرف يسجل مكاسب معينة:

  • أولا، كرّس حزب الله وحلفاؤه قدرتهم على إدارة مرحلة ما قبل تشكيل اللوائح بتبديد خلافاتهم، تطلعا للحفاظ على الأكثرية البرلمانية.
  • ثانيا، تمكنت بعض أقطاب 14 آذار من ترميم جبهتها السياسية جزئيا، عبر نواة السنيورة وجعجع وجنبلاط، وإن لم ترقَ لتجربتها في انتخابات 2005 و2009. لكن تحالفاتها راهنا أفضل مما كانت عليه في انتخابات 2018، لأن تيار المستقبل حينها تحالف انتخابيا مع كل خصومه السياسيين على حساب حلفاء 14 آذار.
  • ثالثا، على عكس كل التوقعات، هذه الانتخابات محفوفة بالمجهول، نظرا لضياع خيارات الشريحة الشعبية الواسعة التي سبق أن عبّرت عن نقمتها من أركان السلطة.
المصدر : الجزيرة