هل يمكن المطالبة بها مستقبلا؟ تساؤلات حول مصير أموال عائلة مبارك بالخارج

epa07249047 Former Egyptian President Hosni Mubarak (C) accompanied by his two sons Gamal (L) and Alaa (R) arrive at courthouse as Mubarak will testify in case related to a 2011 prison break, in Cairo, Egypt, 26 December 2018. According to reports, Mubarak appeared in a courthouse to testify in the retrial related to prison break in 2011 in which ousted president Mohamed Morsi and others are facing charges. Morsi, along with other senior members of the now-banned Muslim Brotherhood group, has already been sentenced to death over the charges in the first trial.  EPA-EFE/MOHAMED HOSSAM
الرئيس الراحل حسني مبارك وسط نجليه علاء (يمين) وجمال بعد شهادته في إحدى الجلسات ضد جماعة الإخوان المسلمين (الأوروبية)

القاهرة- طبقا لمؤشرات عدة، لم يكن مفاجئا إعلان محكمة الاتحاد الأوروبي والادعاء السويسري انتهاء فرض الحظر على أموال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وعائلته؛ فكيف تحول نظام مبارك من مدين تلاحقه قضايا فساد، إلى دائن ينتظر تعويضات قضائية؟

قبل أيام، أعلن الادعاء العام الاتحادي في سويسرا الإفراج عن أموال لمبارك وعدد من المحيطين به، التي كانت مجمدة في بنوك سويسرا، ضمن إطار تحقيق استمر نحو 11 عاما، حول مصدر تلك الأموال.

ومن المفترض أن تسترد أسرة مبارك ما يصل إلى 400 مليون فرنك سويسري (429 مليون دولار) بعدما أخفق الادعاء في توجيه اتهامات لأي شخص، لعدم كفاية المعلومات الواردة ضمن التعاون مع السلطات المصرية، وهي القضية التي فجرتها ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، بعد الإطاحة بحكم مبارك الذي استمر 30 عاما.

وجاء القرار السويسري بعد أيام من حكم المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في السادس من أبريل/نيسان الجاري، بتأييد إلغاء عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على مبارك وأسرته وفك تجميد أصولهم.

ورأت المحكمة الأوروبية، أن العقوبات كانت غير قانونية، وأمرت المجلس الأوروبي بدفع تكاليف التقاضي التي تحملتها أسرة مبارك.

ولم يكن قرارا المحكمة الأوروبية والادعاء السويسري وليد اللحظة، إذ يرجع إلى 3 أسباب رئيسية تلاشى على إثرها حلم المصريين في استعادة ما يصفونها بـ"الأموال المهربة"، وفق مراقبين تحدثت إليهم الجزيرة نت.

أولها تمثل في فشل الحكومات السابقة في إدارة الملف إهمالا أو تواطؤا، والثاني أحكام البراءة التي أصدرها القضاء المصري بحق مبارك ودائرة نظامه، والثالث عقد المصالحات والتسويات في إطار اتفاق ضمني حصلت من خلاله الحكومة على مبالغ مالية مقابل أحكام البراءة.

وتسعى الجزيرة نت إلى الإجابة عن تساؤلات حول مصير تلك الأموال، وهل أسدل الستار نهائيا على إمكانية استردادها؟ أم أنه يمكن المطالبة بها قانونيا مستقبلا، ولماذا التركيز على سويسرا وحدها؟

هل انتهت القضية أم يمكن المطالبة بها مستقبلا؟

رغم القرارات الأخيرة، فلم يفقد عبد الله الأشعل، أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق، الأمل في استعادة أموال بلاده المهربة بالخارج، وذك عبر مسار قانوني قد يبدو صعبا إن لم يكن مستحيلا.

وقال الأشعل إن القضية انتهت الآن لكن يمكن تحريكها مستقبلا، موضحا أنه من الناحية القانونية، الطريق لا يزال مفتوحا أمام إحياء القضية من جديد، شريطة وجود حكومة تطالب بذلك، بعد إعادة محاكمة نظام مبارك، ثم إصدار قرار بإدانته من محكمة مصرية، ثم المطالبة بتنفيذ الحكم في سويسرا لاسترداد الأموال.

لكن الدبلوماسي السابق استدرك بالقول إن ذلك يمكن فقط حال إبقاء الأموال المهربة في سويسرا من دون تحريكها إلى مكان آخر.

وعلى خلاف الرأي السابق، رأى الخبير الاقتصادي المصري عبد النبي عبد المطلب أن ملف استعادة الأموال المهربة قد انتهى وأصبح من الماضي؛ بعد أن أغلقت مصر باب المطالبة باسترجاعها.

لماذا لم فشلت جهود 10 سنوات؟

في هذا السياق، يشدد عبد النبي عبد المطلب على أن الأسباب كثيرة ومتعددة، أهمها افتقاد الخبرة في تتبع الأموال المهربة، وطريقة التعامل معها، وعدم الاستعانة بمكاتب عالمية متخصصة في هذا المجال.

كما أن سويسرا وإنجلترا وغيرهما من البلدان التي جمدت الأموال المصرية انتظرت -وفق عبد المطلب- أحكاما قضائية نهائية بأن هذه الأموال تم التحصل عليها عبر فساد أو استغلال النفوذ أو الرشاوي، لكنّ ذلك لم يحدث.

وأضاف أن جماعة الإخوان المسلمين أدارت الملف خلال فترة حكمها بين عامي 2012 و2013 بطريقة سيئة، على حد قوله، ثم جاء النظام الحالي ليجري تسويات ومصالحات، مما دفع نجلي مبارك إلى المطالبة بأرصدتهما في البنوك الأوروبية لعدم قدرة الدولة المصرية على إثبات اتهامات الفساد، وهو ما لاقى استجابة من الجانب الأوروبي.

ومن جهته، قال السياسي المصري وعضو لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس الشورى السابق، ثروت نافع، إن قضية الأموال المهربة لم تلق عناية جيدة من قبل حكم الإخوان، رغم العمل عليها جيدا عبر أساتذة متخصصين، مشيرا إلى أنه بعد الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي كان طبيعيا ألا تعتني الدولة العميقة التي تدير البلاد منذ عقود بملف الأموال المهربة.

وأضاف نافع أن الكثير من رجال الدولة العميقة لديهم أموال مهربة في الخارج، لذلك كان إهمال الملف، وكذلك لم يكن في صالح أحد منهم الكشف عن أسماء أخرى مدانة، وقد تكون موجودة حاليا في السلطة، وفق اعتقاده.

ويتفق مع الرأي السابق ما كشفه سابقا محمد محسوب، وزير الشؤون القانونية بعهد مرسي، أن ملف الأموال المهربة يعد من أهم الملفات التي دافعت عنها الدولة العميقة بعد الثورة، محملا حكومة مرسي مسؤولية فشل استرداد الأموال المهربة؛ بعد أن تركت الأمر للجنة قضائية شكلها المجلس العسكري الحاكم بعد الإطاحة بمبارك.

وذكر محسوب -الذي قال إنه استقال من منصبه بسبب فشل ملف استرداد الأموال المهربة من الخارج- أن اللجنة القضائية أنفقت ما يزيد على 60 مليون جنيه آنذاك في سفريات بالخارج، من دون أن تسترد شيئا، وساندتها في ذلك الدولة العميقة.

وأوضح -في لقاء سابق مع قناة الجزيرة- أن الأموال التي هربها نظام مبارك كانت ضخمة ولا تقل عن 220 مليار دولار، عبر شبكة فساد كبيرة.

من أين أتت عائلة مبارك بكل تلك الملايين؟

يرى السياسي والبرلماني السابق ثروت نافع أن أموال مبارك ملف شائك، ولا يوجد ما يمكن أن يحقق لمبارك وأولاده وأركان نظامه مثل هذا الكم من الأموال، حتى لو كانت استثمارات عديدة.

واعتبر نافع حجم الأموال المهربة إدانة لنظام مبارك قبل كل شيء، بما في ذلك ما وصفه بـ"امتداده المتمثل في النظام الحاكم حاليا"، متوقعا وجود كثير من الأموال المهربة قبل ثورة 2011 لم يتم الكشف عنها.

لماذا التركيز على سويسرا فقط، هل لا توجد أموال مهربة في دول أخرى؟

استبعد الدبلوماسي السابق الأشعل وجود تعمد بالتركيز على سويسرا، موضحا أنها بلد معروف بالتستر على الأموال المنهوبة من دول العالم الثالث، على حد قوله، إضافة إلى بقاء احتمالية وجود أموال مصرية أخرى مهربة بأسماء أشخاص آخرين في سويسرا.

وهو ما اتفق معه الخبير عبد المطلب بالقول إنه لم يتم حتى الآن الكشف عن أموال مهربة لمبارك ونظامه إلا في سويسرا وإنجلترا وفرنسا، موضحا أن هذه هي الدول التي أفصحت عن وجود حسابات لمبارك وأولاده ونظامه، بينما لم تعلن باقي الدول عن ذلك.

وأشار إلى أن السلطات المصرية نفسها لم تعلن عن وجود 9 مليارات في حساب شخصي باسم مبارك داخل البنك المركزي إلا عام 2014.

كما تعد سويسرا وإنجلترا -من بين عدة دول كشف عنها الوزير السابق محسوب- وجهة لأموال مبارك، موضحا أن دولة مثل الإمارات لم تتعاون مع مصر في ملف استرداد الأموال.

وشدد محسوب على أن الدول العربية التي أيدت الإطاحة بمرسي بها النسب الأكبر من الأموال المهربة بعهد مبارك، لكن يبقى من الصعب معرفة حجمها بسبب دور الدولة العميقة في قتل الملف أو عدم التعاون مع حكومة مرسي.

هل القرار السويسري الأخير يتعلق بعائلة مبارك فقط؟

استهدفت التحقيقات السويسرية في البداية عددا كبيرا من دائرة مبارك وأسرته، غير أن مكتب المدعي العام أشار إلى أن الجزء الأخير من التحقيق ركز على 5 أشخاص فقط من دون تحديد هوياتهم، مما أثار تساؤلات حول موقف الآخرين خاصة بعد تحقيقات صحفية غربية كشفت أسماء جديدة.

وفي فبراير/شباط الماضي كشفت التحقيقات الصحفية عن حسابات لرجال أعمال وسياسيين محسوبين على نظام مبارك، من بينهم مدير المخابرات العامة الأسبق ونائب مبارك اللواء عمر سليمان، ورجل الأعمال حسين سالم، ووزير الإعلام الأسبق أنس الفقي.

ووفقا للتحقيقات، فقد جاءت مصر في مقدمة الدول التي يمتلك مسؤولوها حسابات سرية في مصارف سويسرية.

المصدر : الجزيرة