بعد طرد سفيرها من مالي.. هل تتخلى فرنسا عن أحد أهم معاقلها بأفريقيا؟

بعد 9 سنوات من الوجود الفرنسي في مالي وفي منطقة الساحل، وبعد خسارة 53 جنديا منهم 48 في مالي، سيشكل سيناريو الانسحاب الفرنسي -تحت الضغوط الكبرى من المجلس العسكري الحاكم في مالي- صفعة قوية وسيناريو مشابها للانسحاب الأميركي "المذل" من أفغانستان.

Tribute ceremony to the 13 French soldiers died in Mali
ماكرون يشارك في تشييع 13 جنديا فرنسيا قتلوا في حادث تصادم مروحيتين بمالي عام 2019 (الأناضول)

باريس- بعد الجدل الإعلامي والسياسي الكبيرين الذي تسببت فيه حادثة طرد السفير الفرنسي من مالي مطلع هذا الأسبوع على خلفية تصريحات مسؤولين فرنسيين اعتبرتها السلطات المالية مسيئة لها، يبدو أن الأزمة بين باماكو وباريس مرشحة للتطور والتعقيد أكثر، بحسب مراقبين.

يأتي ذلك خاصة بعد تشبث وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بتصريحاته السابقة التي وصف فيها المجلس العسكري بـ"غير الشرعي وغير المسؤول" مع إضافة تصريحات جديدة الثلاثاء الماضي أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، أكد فيها أن فرنسا ماضية في مواصلة حربها ضد الإرهاب في منطقة الساحل حتى بعد حادثة طرد السفير، في وقت جدد فيه المجلس العسكري بمالي مطالبته السلطات الفرنسية بمراجعة الاتفاقيات العسكرية الموقعة في وقت سابق مع باماكو.

عزلة مالي

وفي رده على أسئلة النواب في الجمعية الوطنية حول احتمالات انسحاب القوات الفرنسية من مالي قال لودريان -الذي كان قد أشرف على التدخل العسكري في مالي عام 2013 عندما كان وزيرا للدفاع- إن "عزلة مالي اليوم جعلت من مرتزقة فاغنر شركاءها الوحيدين"، مؤكّدا أن محاربة الجهاديين ستستمر في منطقة الساحل مع "الدول الأخرى في المنطقة".

وفي جلسة المساءلة نفسها في البرلمان وفي السياق نفسه، قال رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستيكس إنّ نظام باماكو "يحمل بذور فقدان سيادة مالي"، منتقدا المجلس العسكري الذي وصفه بأنه "يواصل مضاعفة الاستفزازات وعزلة البلاد".

ومن جانبه، أوضح الناشط الحقوقي والمحلل السياسي بكار عزوز أن طرد السفير الفرنسي من باماكو يعد أمرا مفاجئا رغم التصعيد الكلامي الذي سبقه، إذ يعد شركاء باريس الأوروبيون هذه الحادثة أمرا غير مبرر وأنه تصعيد مجاني ستكون له نتائج سيئة على العلاقات مع هذا البلد.

وأضاف قائلا -للجزيرة نت- "هناك سعي حثيث في الكواليس من فرنسا لاحتواء هذه الأزمة، خوفا من تنامي الرفض للوجود الفرنسي في المنطقة، وبالتالي تحجيم نفوذ باريس في أفريقيا لفائدة القوى العالمية التي تتصارع من أجل توسيع وجودها ونفوذها في القارة السمراء، ولن يكون ذلك ممكنا إلا على حساب باريس".

وشكلت حادثة طرد السفير الفرنسي من مالي سابقة أولى ونادرة بين دولة فرنكوفونية وفرنسا، خاصة مع عمق العلاقات التاريخية، وخلفت ردود فعل داخلية "قوية" منددة من الطبقة السياسية والمعارضة الفرنسية على اختلافها، بدءا من زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان التي وصفت الحادثة بأكبر "إهانة"، والمعارض اليساري جان لوك ميلنشون الذي قال إن "الوقت قد حان للعودة إلى الواقع وإفراغ الدمّل مع السلطة الحاكمة في مالي حاليا، قبل أن تذهب تضحياتنا وموتانا من الجنود هناك سدى".

وعلى المستوى الأوروبي، شكلت حادثة طرد السفير الفرنسي "قلقا مضاعفا" و"موقفا محرجا" لباريس -بحسب أغلب المراقبين- إذ إنها بالكاد تسلمت الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي يناير/كانون الثاني الماضي، إضافة إلى أن هذا التوتر جاء بعد أيام قليلة من حادثة طرد الفيلق الدانماركي المشارك في العمليات العسكرية من الأراضي المالية، وما شكلته من ضربة عميقة لـ"عملية برخان" وقوة "تاكوبا" التي تعتبر رمز أوروبا الدفاعي، والتي لطالما نادى بها الرئيس ماكرون.

سيناريو أفغانستان

ويرى مراقبون أنه بعد 9 سنوات من الوجود الفرنسي في مالي وفي منطقة الساحل، وبعد خسارة 53 جنديا منهم 48 في مالي، سيشكل سيناريو الانسحاب الفرنسي -تحت الضغوط الكبرى من المجلس العسكري الحاكم في المالي- صفعة قوية وسيناريو مشابها للانسحاب الأميركي "المذل" من أفغانستان.

وتبقى كل السيناريوهات مفتوحة في ما يخص انسحاب القوات الأوروبية والفرنسية من مالي والساحل، وهو ما لم ينفه الناطق باسم الحكومة الفرنسية في سياق تصريحاته السابقة، ففي إجابته عن سؤال إذا ما كانت القوات الفرنسية ستنسحب من مالي، رد بالقول إن "باريس خفضت تدريجيا وجودها وستواصل القيام بذلك".

في حين يشرح ويحلل عزوز خلفيات هذه التصريحات، مؤكدا أن الفرنسيين يقدمون انسحابهم من مالي على أنه إعادة للتموقع والانتشار بشكل مختلف، حتى لا يفهم على أنه هزيمة أخرى تمنى بها باريس نتيجة سياساتها التي لم تتطور والتي تتخلص في "نحن أو لا أحد".

وبخصوص وصول العلاقات الفرنسية المالية إلى نقطة اللاعودة، ومدى إمكانية تخلي فرنسا عن وجودها في أحد أهم معاقلها التاريخية بالقارة الأفريقية، يرى الدكتور جمال بن كريد -الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ديكارت 5 باريس من حرم السوربون- أن فرنسا من المستحيل أن تتخلى عن مصالحها الكبرى في منطقة الساحل، ومع ذلك عبر عن اعتقاده أن هناك تخبطا وأخطاء وإفلاسا دبلوماسيا أيديولوجيا للسياسة الفرنسية في أفريقيا.

ومثلما يرى أغلب الملاحظين أن توسيع التعاون بين مالي وروسيا هو القشة التي قصمت ظهر العلاقات التاريخية العميقة بين مالي وفرنسا، أكد بن كريد أن روسيا نجحت إلى حد كبير في تحييد الدور الفرنسي في مالي، لأن قوات فاغنر قد اكتسبت قوة وعمقا في أفريقيا حيث تلعب هذه القوات دورا محوريا في النيجر وبوركينا فاسو وليبيا ومالي، في حين تعيش فرنسا التخبط الدبلوماسي والسياسي والعسكري أيضا.

(FILES) A picture taken on February 17, 2013, near Bourem, northern Mali, shows a Puma helicopter fyings above French military vehicles during a French-led military intervention launched against Islamist rebels in Mali. Some 24,000 jobs will be cut in the French army within 2019, according to Defense Minister Jean-Yves Le Drian's report, handed over to French president on April 29, 2013. 54,000 jobs have been already cut in 2009 during Nicolas Sarkozy's presidency. AFP PHOTO PASCAL GUYOT
مروحية تحلق فوق مركبات عسكرية فرنسية خلال تدخل عسكري ضد المسلحين الفرنسيين في مالي (الفرنسية)

وعن طبيعة الاتفاقيات العسكرية التي طالبت باماكو بمراجعتها، ودورها في تعميق الخلاف بين باريس وباماكو، شدد المحلل السياسي بكار عزوز على أن هذه الاتفاقات تمثل أهم عنصر من عناصر توتر العلاقة بين البلدين والمجلس العسكري، ولقد وصفها رئيس وزراء مالي بأنها "اتفاقيات غير متوازنة وتمس كرامة وأمن البلد"، مشيرا إلى أن الطيران الوطني لا يمكنه أن يحلق فوق الأراضي المالية إلا بإذن فرنسي مسبق، على سبيل المثال، وهو ما دعاهم إلى تقديم طلب رسمي لباريس لمراجعة هذه الاتفاقيات وجعلها أكثر توازنا.

ويعول الرئيس ماكرون -الذي تسلمت بلاده رئاسة الاتحاد الأوروبي مطلع يناير/كانون الثاني الماضي- على القمة الأوروبية الأفريقية التي ستنظم يومي 17 و18 فبراير/شباط الجاري، لكي يحاول إعادة نظم عقد الثقة الذي انفرط بين باريس وعدة دول أفريقية آخرها مالي، فهل ينجح في ذلك؟

يجيب الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ديكارت 5 باريس عن هذا السؤال بالقول "هناك بعدان للمسألة: أحدهما إستراتيجي والآخر سياسي؛ فأما البعد السياسي فيتمثل في أن أغلب الدول الأفريقية تعتبر أن فرنسا ليس لها مصداقية ولم يعد لها مكان في أفريقيا. وأما البعد الإستراتيجي فيتمثل في كون المنطقة تعيش منعرجا تاريخيا بإفلاس الدبلوماسية الفرنسية في معقلها التاريخي".

ويشدد في الأخير على أن هذه القمة ستكون قمة شكلية في مضمونها، ولن تكون لها أبعاد حقيقية على أرض الواقع؛ لأن روسيا والصين وحتى تركيا هي من تهيمن على أرض الواقع.

المصدر : الجزيرة