السؤال الأكثر جدلا بين الإستراتيجيين.. هل تكون الحرب في أوكرانيا بداية نظام دولي جديد؟

يعطي الباحثون أهمية للحرب في أوكرانيا لقراءة موازين القوى الدولية وإمكانية تشكيل نظام دولي جديد من عدمه، لأنها تشكل معركة فرض إرادات على الساحة الدولية، فما مؤشرات تشكل هذا النظام؟ وما المعوقات في طريقه؟

تصميم لتحليل سياسي عن حرب أوكرانيا إن كانت تشكل بداية لنظام عالمي جديد،
مغامرة بوتين (يمين) في أوكرانيا تؤسس لتشكل نظام دولي جديد أو انكفاء روسيا كقوة مؤثرة دوليا (الجزيرة)

دخلت الأزمة الأوكرانية منعطفا جديدا ومهما مع إعلان موسكو عن عملية عسكرية في أوكرانيا. ومع دخول الخيار العسكري حيز التنفيذ، باتت الخيارات التفاوضية بين الغرب وموسكو أكثر تعقيدا، وقد تتراجع فرصها بشكل كبير.

النتائج المتوقعة للتدخل الروسي تحتمل سيناريوهات متعددة متعلقة بأهداف وشكل ومدى العملية العسكرية الروسية. وفي الوقت نفسه، يتركز اليوم النقاش في الأوساط الإستراتيجية والاستخبارية حول أن تكون الحرب في أوكرانيا بداية نشوء نظام دولي جديد؟ وهل ما يجري على الساحة الدولية كافيا للوصول إلى هذه الخلاصة؟ أم أن ما يحدث قد يؤدي -في نهاية المطاف- إلى تعزيز مكانة الولايات المتحدة، ويسمح لها بمزيد من التمدد والتفرد؟

عادة ما يُقصد بتغيير النظام الدولي، أو بداية نظام دولي جديد، نهاية الهيمنة والتفرد الأميركي في قيادة العالم. ومع كل تطور إستراتيجي أو حدث عالمي متعدي الأثر، يدور النقاش ذاته حول آلية النظام الدولي الحالي، وقدرة الولايات المتحدة على إدارة الشأن الدولي وفق رؤيتها.

سؤال له دلالته

ومجرد تكرار طرح هذا التساؤل له دلالة واضحة حول تنامي العديد من الظواهر التي تدعم وجهة النظر القائلة: إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ممارسة الأدوار الدولية نفسها التي تمارسها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.

أو على أقل تقدير، باتت بحاجة إلى تغيير في إستراتيجيتها الشاملة لتتعامل مع أنواع جديدة من التهديدات والتحولات في المشهد الدولي تتعلق عادة بنشوء قوى دولية جديدة، والحديث هنا عن الصين وروسيا "البوتينية" بشكل رئيسي، وتتعلق كذلك بتبدل في مفاهيم القوة الإستراتيجية، وزيادة تأثير عوامل الاقتصاد والاتصالات والتقنيات الدقيقة على حساب القوة العسكرية التقليدية، بالإضافة إلى التحديات الداخلية التي تتهدد الولايات المتحدة ووحدة المجتمع الأميركي.

فالمقصود بنشوء نظام دولي جديد يعني بالضرورة كيف ستتعامل القوة الدولية الصاعدة مع التراجع أو إعادة التموضع الأميركي الشامل لتعزيز مكانتها ومصالحها الدولية وتشارك في إدارة المشهد الدولي بشكل أوسع.

كما يواجه النظام الدولي الحالي العديد من التحديات الذاتية والمتعلقة ببنيته الداخلية، أو تلك المظاهر الناشئة كنتيجة له. فخلال العقد الأخير، شهد حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) العديد من الخلافات الداخلية، تجلت في فترة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وعادت للظهور مرة أخرى، وسط تباين في المواقف حيال التعامل مع روسيا، وحتى رؤية دول الناتو للصين وطبيعة الشراكة معها.

وإذا ما كان الاتحاد الأوروبي يعد أحد أعمدة النظام الدولي الحالي، فإنه يواجه تحديات عديدة تمس وحدة الاتحاد ومستقبله؛ إذ يشير فقدانه المملكة المتحدة إلى ذلك بكل وضوح.

وبشكل عام، يبدو النظام الدولي الحالي بطابعه الليبرالي غير مهيأ للتعامل مع المشكلات العالمية الملحة مثل تغير المناخ، والأزمات المالية، والأوبئة، والمعلومات الرقمية المضللة، وتدفق اللاجئين، التي يمكن القول إن الكثير منها نتيجة مباشرة لنظام مفتوح يروج التدفق غير المقيد للأموال والسلع والمعلومات والأشخاص عبر الحدود.

تحول دولي مهم

وهنا ينظر للحرب في أوكرانيا كأحد أهم مظاهر التحولات الدولية الجارية، وسط صراع متعدد الأوجه لقيام نظام دولي جديد، أو قدرة الغرب على إعادة فرض هيمنته مرة أخرى، خاصة في ما ترتب على الحرب من مشهد بدت روسيا فيها قادرة على تحدي الغرب والتصدي لإستراتيجية الناتو في شرق أوروبا، بل وفرض ذلك بالقوة العسكرية في مشهد لم تعتد عليه أوروبا منذ عقود.

وتسعى روسيا لتعزيز مكانتها في ظل إعادة تموضع إستراتيجي أميركي وانسحابات عسكرية أميركية من "ساحات القتال" التي خاضتها مطلع الألفية الجديدة. وتركز روسيا -في مسعاها هذا- على تعزيز أهميتها لدى الصين على وجه الخصوص، التي باتت تمثل مركز الاهتمام الإستراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

فالصين بحاجة لتحصين موقفها الدولي وتعزيز تحالفاتها. وبالنظر لما ستؤول إليه الأوضاع في أوكرانيا وكيفية تصرف موسكو، وردة فعل الغرب وتأثير عقوباته الاقتصادية على روسيا، فإن كل ذلك سيؤثر على الموقف الصيني تجاه روسيا، والمدى الذي يمكن أن يذهب به الطرفان للتنسيق، وربما التحالف في مواجهة الغرب، واستثمار اللحظة الراهنة في وضع أسس لنظام دولي جديد تكون لهما فيه مساهمة أكبر في إدارة المشهد الدولي.

مؤشرات معززة

فكما كان للأزمة الأخيرة في كازاخستان تأثيرا في تعزيز روسيا لنفوذها في منطقة آسيا الوسطى -التي تعد ممرا حيويا لمشروع الصين "الحزام والطريق"- وهو ما يعني تزايد أهمية روسيا للصين، قد تؤدي الحرب في أوكرانيا لنتيجة مشابهة في تعميق القناعة الصينية بجدوى التقدم خطوات للأمام في العلاقات مع روسيا. وهو ما يؤشر -في الوقت ذاته- لمركزية الصين في التحركات الروسية ضد الغرب.

القمة الروسية الصينية الأخيرة، والبيان المشترك للقوتين، أعطيا إشارات لتحسن فرص التعاون بين الجانبين، إلا أن هذا لا يغير كثيرا من حقيقة العلاقة المعقدة بين الجانبين، التي تشمل عقبات عديدة وتخوفات مشتركة، بالإضافة إلى فجوة كبيرة في المقومات. ومع ذلك، فإن التحدي الغربي -والأميركي على وجه الخصوص- يشكل سببا كافيا لاحتمال تنامى نشوء تحالف بين القوتين ينتج عنه تحالف أوسع، وهو ما يعني بالضرورة أننا بتنا أمام نظام دولي جديد.

الحسم السريع أساسي

وحتى تسهم الحرب في أوكرانيا في مسار تشكيل نظام دولي جديد، يتطلب من موسكو أن تسرع في إنهاء عمليتها العسكرية، ومنع تطورها لحرب استنزاف طويلة. كما يجب أن تكون نتيجة كل هذه الأزمة هو إنجاز الأهداف الرئيسية التي سعت روسيا إلى تحقيقها؛ وهي بالدرجة الأولى الوصول لاتفاق مع الغرب حول ضمانات أمنية مشتركة في أوروبا، ومنع تمدد الناتو في الحدود الغربية والجنوبية لروسيا، وتعزيز مكانة روسيا بوصفها لاعبا دوليا قادرا على فرض خياراته.

هذه النتائج المباشرة لنهاية الأزمة بحاجة إلى أن تُبنى عليها قناعة مشتركة لدى عدة أطراف دولية مناوئة للنفوذ الغربي والأميركي لتشكيل تكتل صلب له أهداف ورؤية إستراتيجية مشتركة للقضايا الدولية الرئيسية، ويملك المقومات التي تسمح له بلعب أدوار على كافة الأصعدة.

أما في حال لم يستطع بوتين تحقيق أهداف الحرب سريعا، وانتقل الوضع من فرض لرؤيته بالقوة إلى دخوله في حرب طويلة، وتعززت صورة احتلال دموي روسي في أوكرانيا، فإن فرصة أن يكون لهذه الأزمة دور في التقدم نحو نظام دولي جديد، لا تكون فيه الولايات المتحدة متفردة في قيادة العالم، تتراجع وقد تكون النتيجة عكسية في هذا الصدد.

ودخول روسيا في حرب استنزاف طويلة ستسهم في إخراجها من ساحة التأثير الدولي، بما يسمح للولايات المتحدة والغرب بالتركيز على الصين، خصمهم الإستراتيجي الرئيسي؛ إذ إن استنزاف روسيا سياسيا وعسكريا ودعائيا سيعني بالضرورة تجاوز الغرب للمعضلة الروسية، وسيكون الطريق ممهدا لتعزيز الإستراتيجية الأميركية لمواجهة الصين وإحكام التحالفات حولها، خاصة في المحيطين الهادي والهندي وبحر جنوب الصين.

المصدر : الجزيرة