أزمات الأمن والسياسة عصفت بعلاقات الطرفين.. من يملأ الفراغ بعد الانسحاب الفرنسي من مالي؟

French soldiers carry their equipment after arriving on a US Air Force C-17 transport plane at the airport in Bamako January 22, 2013. The United States has started transporting French soldiers and equipment to Mali as part of its logistical aid to French forces fighting Islamist militants in the north of the country, a U.S. official said on Tuesday. REUTERS/Eric Gaillard (MALI - Tags: CIVIL UNREST CONFLICT MILITARY)
قوات فرنسية في مطار العاصمة المالية باماكو عام 2013 (رويترز)

تبدو العلاقات بين فرنسا والحكام الحاليين لمالي قد وصلت مرحلة اللاعودة، بعد أن كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم أحدث فصول القطيعة في مسارها المضطرب، منذ أن دارت رياح الخلاف بقوة بين الطرفين.

ففي خطوة قد تمثل منعطفا بالغ الأهمية على مستوى الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، أعلنت فرنسا وشركاؤها الأوروبيون وكندا -اليوم الخميس- انسحابهم العسكري من مالي، وإنهاء عمليتي "برخان" و"تاكوبا" العسكريتين لمكافحة "الجهاديين"، وذلك بعد 9 سنوات من التدخل العسكري الفرنسي في مالي لمحاربة الجماعات الإسلامية المسلحة.

تريد فرنسا حكاما عسكريين أو مدنيين لمالي يواصلون ولاء باماكو التقليدي لباريس، أما الحاكم العسكري لمالي قاسمي كويتا وأعضاء مجلسه العسكري وحكومته، فيحمّلون فرنسا المسؤولية عن كثير مما وصلت إليه مالي من انهيار سياسي وأمني، ويبحثون في الحضن الروسي عن سند جديد يعوضهم "فقد الحنان الفرنسي".

انسحاب أم تغطية على الهزيمة؟

قطعت فرنسا الجدل بالموقف اليقين، من خلال إعلانها صباح اليوم الخميس انسحابها وحلفاءها من مالي، وإعادة تموقع قواتها في النيجر.

ورأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في معرض تقديمه لمبررات الانسحاب، أن ما وصفها بـ"النوايا الخفية" للمجلس العسكري الحاكم في مالي هي التي أجبرت باريس وشركاءها الأوروبيين على إعلان سحب قواتها المخصصة لمحاربة الإرهاب في البلد الأفريقي.

وأضاف ماكرون -في مؤتمر صحفي بباريس- أن الأوروبيين لا يشاطرون حكام مالي العسكريين "إستراتيجيتهم ولا أهدافهم الخفية"، موضحا أن باريس وحلفاءها المشاركين في "قوة برخان" و"قوة تاكوبا" سيسحبون قواتهم بطريقة منسقة مع الأمم المتحدة والجيش المالي، على أن تعيد هذه القوات انتشارها قرب الحدود المالية إلى جانب القوات النيجيرية.

وقال البيان المشترك لفرنسا وشركائها (14 دولة أوروبية وكندا) إن "الشروط السياسية والعملياتية والقانونية لم تعد متوفرة لاستمرار نشاطها العسكري في مالي".

وبموجب هذا الانسحاب، فإن حوالي 2400 عسكري فرنسي سيغادرون مالي ليلتحقوا بحوالي ألفين آخرين من مواطنيهم المتمركزين في مناطق أخرى من الساحل.

وتوالت الانسحابات خلال الشهر المنصرم، حيث سحبت كل من الدانمارك وليتوانيا جنودهما من مالي، بينما تتجه ألمانيا هي الأخرى لسحب جنودها.

بينما ذكرت صحيفة "ليبراسيون" (Liberation) الفرنسية أن وجود مجموعة فاغنر الروسية غيّر كل شيء في مالي، لأنه لا أحد -بحسب قولها- يريد أن يرتبط اسمه بممارسات قوات "فاغنر" المتهمة بارتكاب انتهاكات في سوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى.

ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي قوله إن التعايش مع الروس (فاغنر) في مالي مستحيل للتشيكيين والإستونيين، وإن السويديين سيغادرون بعد انتهاء فترتهم في فبراير/شباط 2022 الجاري، بينما أعلن المجلس العسكري أن الدانماركيين غير مرغوب فيهم، ليغادروا، مما يعني أن التعاون العسكري على الأرض بدأ يعاني، حتى قبل إعلان الانسحاب.

وبمغادرة الجنود الأوروبيين الأراضي المالية، يطرح سؤال كبير آخر نفسه عن مستقبل الوجود الأممي في مالي، وهل ستتأثر القوة الدولية البالغ عددها 15 ألفا بالقرار الأوروبي، أم "ستقاوم الضغوط الفرنسية" من أجل السلام ومكافحة الإرهاب.

ورغم أن البعد السياسي للانسحاب كان حاضرا بقوة، فإن عمليات الخروج بدأت منذ عدة أشهر، حيث أكد قائد قوة برخان الجنرال الفرنسي إتيان دو بيرو في وقت سابق أن فرنسا ستبقى في الساحل، ولكن بشكل مختلف.

وخلال النصف الأخير من السنة المنصرمة، أعلنت فرنسا عزمها تخفيض قواتها الموجودة في منطقة الساحل، والتي قدر عددها بنحو 5 آلاف عسكري في صيف 2021، حيث سيتم تخفيض هذا العدد إلى نحو 3 آلاف بحلول الصيف المقبل. كما سلمت فرنسا السلطات المالية قواعد عسكرية في تساليت وكيدال وتمبكتو، وهو ما يعني أن فرنسا بدأت تطوي حقائبها منذ مدة، على وقع الخسائر العسكرية المتلاحقة، وتصاعد النقمة الشعبية ضدها في مالي وعدد من دول الساحل.

أثمان البقاء

وتتفاعل في الانسحاب الفرنسي أسباب مركبة وخلفيات متعددة، وإذا كانت باريس قد اختارت الملف السياسي وعلاقتها مع المجلس العسكري الحاكم في مالي لتكون مشجب الانسحاب، فإن هنالك أسبابا أخرى جعلت الخروج من مالي ضرورة حتمية، ومن هذه الأسباب:

– ضريبة البقاء الثقيلة: لم تتمكن فرنسا من تحقيق أهدافها في مالي طوال السنوات الماضية، فلم تستطع فرض الأمن في مناطق الشمال، ولم تقض على الجماعات المسلحة هناك، وإن كانت قد حالت دون سقوط العاصمة باماكو سنة 2012 في أيدي الجماعات المسلحة.

وتعترف فرنسا بمقتل أكثر من 50 من جنودها منذ بدء تدخلها العسكري في مالي سنة 2013، هذا إضافة إلى حجم الاستنزاف المالي الهائل الذي فرض عليها البحث عن شركاء لإسنادها ماليا وعسكريا، في مواجهة تفاقم الأزمة الأمنية الثقيلة في الساحل، وخصوصا في مالي.

– الغضب الشعبي ضد فرنسا: وتبدو ملامح هذا الغضب الشعبي واضحة في عدد من دول الغرب الأفريقي، وفي مالي بشكل خاص، وقد تفاقم هذا الغضب بسبب ما يصفه بعض خصوم باريس بجرائم حرب ارتكبها الجيش الفرنسي في منطقة الساحل، وأدت إلى مقتل عدد كبير من المدنيين، زيادة على عجزه عن فرض الأمن الذي كان شعار وجود العمليات الفرنسية ومسوغها، وينضاف إلى ذلك حنق أفريقي متراكم على فرنسا بسبب جرائمها الاستعمارية، ودورها في استنزاف الثروات الأفريقية، ووأد أحلام الديمقراطيات في القارة السمراء.

آثار الانسحاب الفرنسي.. من يملأ الفراغ؟

يفتح الخروج الفرنسي المتسارع من مالي بوابة فراغ هائل، يصعب سده بالنسبة للقوات الحكومية المالية وحدها، وهو ما عبّر عنه الوزير الأول المالي الذي أكد في تصريحات سابقة أن الخروج الفرنسي من مالي جاء دون تنسيق مع حكومة بلاده.

كما عبر عن المخاوف من الفراغ رئيسا ساحل العاج الحسن وتارا، والسنغال ماكي سال، معتبرين أن جيوش المنطقة ينبغي أن تسعى إلى سد بوابة المخاطر التي قد يفتحها الانسحاب الفرنسي، وأن هذا الانسحاب سيجبر جيوش غرب أفريقيا على البقاء في الخطوط الأمامية لمحاربة الجهاديين بمنطقة الساحل.

وتظهر هذه المخاطر بالفعل، في ضعف قدرة الجيش المالي على التمدد والانتشار وفرض السيطرة على المنطقة، زيادة على توقف الدعم العسكري الفرنسي والأوروبي لمالي، وربما للوحدات الأفريقية الموجودة في الأراضي المالية، مما قد يرهق دولها، ويرغمها على سحب قواتها من الأراضي الملغومة، وهو ما قد يمنح الجماعات المسلحة فرصة لا تعوض لتسديد ضربات موجعة إلى الجيش المالي، وإلى القوات الدولية والأفريقية الموجودة في المنطقة.

وتبدو روسيا المرشح الأول لسد الفراغ في مالي، وهو ما بدأت مؤشراته منذ أشهر من خلال طلائع من قوات فاغنر التي بدأت انتشارها في مناطق متعددة من مالي، ينضاف إلى ذلك القوات الأممية التي تضم حوالي 13 ألف عسكري ضمن قوة "مينوسما" (MINUSMA)، إضافة إلى قوات دول الساحل، فضلا عن الجيش المالي.

ومهما يكن من مفاجأة وتأثير للخروج الفرنسي من مالي، فإنه لن يكون بالغ التأثير بشكل فوري، ولن يؤدي بشكل مباشر إلى انهيار واضح في موازين القوى في مالي، خصوصا أن فرنسا أصبحت تدرك أكثر من غيرها أنها قوة غير مرغوب فيها بالساحل، وأنها أيضا في تراجع مستمر سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وأن حماية مصادر اقتصادها الطاقي في النيجر قد يكون أولى من استمرار النزيف في مالي.

المصدر : الجزيرة + وكالات