7 سنوات من التغيير.. كيف انقلب المشهد الأوكراني منذ 2014؟

منذ عام 2014، حاربت سلطات أوكرانيا القوى السياسية المجاهرة بالولاء لروسيا، فأنهت وجود القوى الشيوعية، وضيّقت الخناق على رموز سياسية، وعلى أحزاب جديدة ظهرت، وعلى ما لديها من نفوذ ووسائل إعلام.

صورة لأحد المباني المدمرة بسبب الحرب في مناطق شرق أوكرانيا نشرتها صفحة وزارة الدفاع على صفحتها في فيسبوك
صورة لأحد المباني المدمرة بسبب الحرب بمناطق شرق أوكرانيا (صفحة وزارة الدفاع الأوكرانية في فيسبوك)

كييف- منذ الاستقلال قبل 30 عاما، مرت العلاقات الأوكرانية الروسية بالكثير من المطبات، ولعل أشهرها الثورة البرتقالية في 2004-2005، التي لفتت الانتباه إلى رغبة أوكرانية جامحة بنزع العباءة الشرقية، وارتداء أخرى غربية، حتى قبل أن تضع كييف موطئ قدم لها في معسكر الغرب.

أخفقت ثورة البرتقاليين، وعادت البلاد إلى حكم الموالين لموسكو سنوات قليلة، لكن أحداث 2014 وما تبعها، شكلت المنعطف الأكبر في تاريخ هذه العلاقات بين البلدين وبداية تحوّل جذري مرت بها أوكرانيا، ابتعدت بموجبها عن إمكانية العودة طوعا إلى فلك الموالاة لروسيا، وربما إلى الأبد، وفق كثيرين.

من احتجاجات الميدان في كييف 2014 -
من احتجاجات الميدان في كييف 2014 (الجزيرة)

موالون قلة وأصوات أقل

وتفسيرا لهذا، يبرز سريعا العامل السكاني في إطار واقع جديد يقول إن شبه جزيرة القرم "محتلة"، وإقليم دونباس متوتر بدون توقف.

فأصوات سكان القرم (نحو 2.5 مليون نسمة) ودونباس (نحو 4 ملايين نسمة) كانت سببا رئيسا لتقدم حظوظ الموالين لروسيا عند كل انتخابات، بحكم أن نسبة كبيرة منهم تنحدر من أصول روسية.

ولكن في باقي مناطق الشرق والجنوب الأخرى، التي شكلت قاعدة شعبية للموالين لروسيا أيضا، تغير المزاج العام نحو الحقد على روسيا باعتبارها "عدوا"، وتنامى بالمقابل الحس الوطني الأوكراني، فيها وفي باقي مناطق البلاد.

كما حاربت سلطات أوكرانيا القوى السياسية المجاهرة بالولاء لروسيا، فأنهت وجود القوى الشيوعية، وضيّقت الخناق على رموز سياسية، وعلى أحزاب جديدة ظهرت، وعلى ما لديها من نفوذ ووسائل إعلام.

تشهد العلاقات بين كييف وموسكو توترا متصاعدا منذ نحو 7 سنوات بسبب ضم روسيا شبه جزيرة القرم لأراضيها (الأوروبية)

تركيز على بناء الجيش

وخلال 7 سنوات مضت، عملت أوكرانيا حثيثا على بناء جيشها وتسليحه بمساعدة الغرب لمواجهة "المعتدي"، وفق قرار خاص أقره البرلمان، بعد أن كان الجيش رمزيا قبل 2014 وبتعداد لا يتجاوز 120 ألفا، ونسبة مخصصات لا تتجاوز 1% من الميزانيات السنوية.

وحتى نهاية العام 2021، وفق مسؤولين أوكرانيين، بات الجيش الأوكراني يحتل المركز العاشر على أوروبا، والـ25 على مستوى العالم، بقوام يضم نحو 230 ألف جندي، قابل للارتفاع إلى نحو 450 ألفا، اعتمادا على قوات الاحتياط و"الحرس الوطني" و"الدفاع الإقليمي"، وبمخصصات تقدر بنحو 6% من ميزانية الدولة.

وفي هذا الإطار أيضا، عملت أوكرانيا حثيثا على تنفيذ إصلاحات وتطبيق معايير الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، أملا في عضويته، وتحقيقا لنهج دستوري ذي صلة، أقرته في 2019، بعد أن خلعت عن نفسها صفة "عدم الانحياز" في 2016.

فك ارتباط وفتح أسواق جديدة

ولفك الارتباط الاقتصادي عن روسيا قدر الإمكان، خاصة بعد إغلاق حدود الأخيرة، تحولت 70% من صادرات أوكرانيا إلى وجهات أوروبية وآسيوية، وتعزز ذلك بدخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في سبتمبر/أيلول 2017.

وكانت هذه الاتفاقية شرارة أشعلت الأزمة في 2014، بسبب إحجام الرئيس السابق الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش عن توقيعها في نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

وبالتزامن مع ذلك، انحسرت العلاقات الاقتصادية بين البلدين شيئا فشيئا، لتقتصر -بشكل رئيس- على نقل الغاز بدون شرائه مباشرة، وهذا الأمر كان -ولا يزال- معقدا وصعبا على أوكرانيا.

قطيعة اجتماعية ودينية

وبحكم الأمر الواقع، بعد وقف حركة السفر جوا، وتشديد إجراءات العبور على الحدود، تراجع حجم الروابط الاجتماعية بين البلدين، ما دفع كثيرا من الأوكرانيين نحو الاستقرار في مكان ما، سواء في أوكرانيا، أو في روسيا.

كما حاولت أوكرانيا فصل الولاء الكنسي عن التبعية لبطريركية موسكو الأرثوذكسية في نهاية 2018، كآخر فصول الارتباط الديني والاجتماعي مع روسيا؛ ونجحت إلى حد ما في هذا الصدد.

صورة نشرتها اليوم السفارة الأمريكية لدى أوكرانيا على صفحتها في فيسبوك لما قالته إنها من تدريبات أوكرانية أمريكية مشتركة سابقة فوق سماء كييف
صورة نشرتها السفارة الأميركية لدى أوكرانيا على صفحتها بفيسبوك لتدريبات أوكرانية أميركية مشتركة فوق سماء كييف (مواقع التواصل)

نحو عباءة الغرب

وعلى خلفية ما سبق، يبقى التغيّر الأبرز في مشهد الأزمة الأوكرانية هو السعي الحثيث المعتمد على نهج دستوري نحو التكامل والعضوية الكاملة في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "الناتو".

وتحت هذا الأمر، تنضوي الكثير من التحالفات والاتفاقيات والمناورات، وكم كبير من المساعدات المالية والعسكرية؛ وكلها عوامل تعتبر روسيا أنها أوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم من توتر.

وتعتبر المحللة السياسية يوليا تيشينكو أن "موسكو أدركت جيدا أن أوكرانيا -على أهميتها بالنسبة لها- خرجت بعد 2014 عن السيطرة وإمكانية العودة إلى الحضن الروسي، ولكنها في حقيقة الأمر بدأت في تلك السنة خطة إستراتيجية بعيدة المدى، قلبت الموازين على الساحتين الإقليمية والدولية".

وتضيف تيشينكو للجزير نت "بغض النظر عن كل التحديات التي شهدناها -ولا نزال- يبقى الأكيد أن أوكرانيا اليوم خرجت من إطار التبعية، وتحصل على "استقلال حقيقي"، يدفعها لبناء نفسها وإحياء هويتها من جديد"، على حد قولها.

المصدر : الجزيرة