قلعة الحديد بمصر.. مصنع أبو زعبل قصفته إسرائيل وسحقته الخصخصة والاحتكار

طابع بريدي أصدرته مصر لتسجيل القصف الإسرائيلي لمصنع أبو زعبل عام 1970 (الأرشيف الرقمي لطوابع البريد المصرية)

القاهرة – "إحنا العمال اللي اتقتلوا قدام المصنع في أبو زعبل، بنغني للدنيا ونتلو عناوين جرانين المستقبل"، بهذه الكلمات بدأ الشاعر المصري صلاح جاهين قصيدة تسجل المجزرة البشعة التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي ضد عمال مصنع أبو زعبل للحديد والصلب قبل 52 عاما.

عشرات العمال البسطاء سقطوا بين شهيد وجريح نتيجة قصف طائرات الفانتوم الإسرائيلية للمصنع بالصواريخ وقنابل النابالم في مثل هذه الأيام من عام 1970 وبالتحديد في الساعات الأولى من يوم 12 فبراير/شباط، وتحولت أجزاء واسعة من المصنع إلى حطام وركام، لكن جريمة الاحتلال لم تتمكن من كسر عزيمة المصريين آنذاك، وعاد المصنع للعمل بعد أيام قليلة.

وبينما صمد المصنع وعماله أمام القصف والدمار، جاء قطار خصخصة القطاع العام الذي انطلق في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك في تسعينيات القرن الماضي، ليسقط المصنع بالضربة القاضية وينهي تاريخ صرح صناعي وطني ظل يخدم البلاد عشرات السنين.

بداية القصة

يرجع تاريخ إنشاء مصنع الشركة الأهلية لإنتاج الحديد من الخردة في منطقة أبو زعبل بمركز الخانكة الواقع شمالي العاصمة القاهرة إلى عام 1946، حيث تأسس (مصنع أبو زعبل للحديد) برأسمال 120 ألف جنيه مصري.

بدأ المصنع الإنتاج باستخدام أفران مفتوحة تعمل بالمازوت لصهر الخردة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وامتلك المصنع فرنا من نوع "سمنر مارتن" كان الأول من نوعه في الشرق الأوسط كله.

بلغت المساحة التي أقيم عليها المصنع 106 أفدنة، حيث أقيم مصنع الدرفلة على 50 فدانا منها، وخصصت 50 فدانا أخرى للأفران والمخازن، و6 أفدنة للنادي الرياضي.

وفي ستينيات القرن الماضي خضع المصنع للتأميم ليصبح شركة قطاع عام تتبع الشركة الأهلية للصناعات المعدنية.

بلغت طاقة المصنع الإنتاجية عام 1970 نحو 75 ألف طن من حديد التسليح المستخدم في البناء، بحسب تصريحات الرئيس المصري وقتها جمال عبد الناصر في خطابه في عيد العمال بعد قصف المصنع.

مذبحة إسرائيلية

جاء عام 1970 وحرب الاستنزاف التي تخوضها مصر ضد الاحتلال الإسرائيلي على أشدها، ونجحت القوات المصرية يوم 11 فبراير/شباط 1970 في تنفيذ عملية نوعية ضد قوات الاحتلال في منطقة الشلوفة بسيناء المحتلة، ونجحت في قتل وإصابة 20 عسكريا إسرائيليا، وأسر اثنين آخرين من قلب حصون الاحتلال.

أصابت العملية إسرائيل بحالة هيستيرية، وكعادتها لم تجد طريقة للرد إلا استهداف المدنيين وارتكاب مجزرة وحشية بحق الأبرياء.

ومع الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، اتجهت طائرتان إسرائيليتان من نوع فانتوم إلى منطقة أبو زعبل (تبعد 18 كيلومترا عن القاهرة) وقصفتا مصنع أبو زعبل للحديد بالصواريخ وقنابل النابالم والقنابل الموقوتة.

ووجد نحو 1300 من العاملين بالمصنع أنفسهم تحت وابل من القصف الوحشي، وأصاب أحد الصواريخ ورشة الصيانة والإصلاحات، في حين ضرب صاروخ آخر محطة المحولات بالمصنع وجانبا من وحدة الدرفلة.

أسفرت المذبحة عن سقوط 88 عاملا شهداء وإصابة 150 آخرين، أغلبهم أصيبوا بحروق شديدة، كما أكد عبد الناصر في خطابه، مشيرا إلى أن الخسائر بلغت 350 ألف جنيه مصري.

ويقول شهود من قرية أبو زعبل في تصريحات سابقة لصحف محلية، إن الأهالي سارعوا إلى نقل المصابين إلى المستشفيات في سيارات المصنع، وجمعوا ما تبقى من أشلاء الضحايا والشهداء في براميل بلاستيكية، وكانت الجثث مشوهة تماما، وأنشئت مقبرة جماعية بمقابر أبو زعبل لشهداء المصنع.

تبرير إسرائيلي

"يبدو أن أحد الطيارين الإسرائيليين أخطأ وأصاب هدفا مدنيا"، بهذه البساطة حاول المتحدث العسكري لجيش الاحتلال تبرير الجريمة البشعة، ولاحقا صدر بيان إسرائيلي آخر يقول إن التحقيقات انتهت إلى أن إلقاء القنابل على هدف مدني كان بسبب "خلل فني".

لكن ما يكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية أن القصف جاء من على ارتفاع منخفض كما أكدت التقارير وقتها، كما شرعت الطائرات في إلقاء قنابل موقوتة لاستهداف فرق الإنقاذ وسيارات الإسعاف التي هرعت إلى المصنع عقب قصفه.

لم يتوقف المصنع طويلا عقب القصف الإسرائيلي، وعاد للعمل تدريجيا عقب 21 يوما فقط.

بداية النهاية

لسنوات واصل المصنع عمله، حتى بدأت سياسة خصخصة القطاع العام التي انتهجها نظام مبارك في تسعينيات القرن الماضي، لتبدأ قصة النهاية لمصنع ساهمت منتجاته في بناء السد العالي وبناء حوائط الصواريخ الدفاعية التي استخدمت في المواجهات مع إسرائيل.

كانت بداية النهاية مع سعي رجال أعمال قريبين من النظام للسيطرة على الصناعات الإستراتيجية، وعلى رأسها الحديد والصلب، التي كانت من نصيب رجل الأعمال أحمد عز، القيادي بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم والصديق المقرب لجمال مبارك نجل الرئيس الأسبق.

تأسست شركات عز للحديد في عام 1994 وبدأ نشاطها يتصاعد على حساب منافسيه من شركات القطاع العام، بينما أصدرت الحكومة وقتها عددا من القرارات التي ساهمت في التضييق على الشركات المحلية لصناعة الحديد.

ومع اشتداد المنافسة وتعدد العراقيل، جاء عام 1999 ليصدر القرار بتوقف مصنع أبو زعبل للحديد عن العمل وتسريح عماله، ليتحول المصنع إلى أكوام من الخردة، والمباني المهجورة.

وبحلول عام 2002 أعلنت الشركة الأهلية للصناعات المعدنية تصفية المصنع بسبب ديونه التي وصلت لنحو مليار ونصف مليار جنيه، وطرح المصنع في مزاد عام 2008 ليكون من نصيب مستثمر إماراتي بمبلغ 460 مليون جنيه، لكن المستثمر تعثر في السداد، لتنهار آمال إحياء المصنع وتغلق أبوابه مجددا في انتظار معجزة.

جاءت ثورة يناير عام 2011 ورحل نظام مبارك وكثيرون من رجال أعماله، وعاد بصيص أمل لعمال المصنع في إعادته للحياة بعد التراجع عن قرار التصفية، وازداد الأمل بعد أن أعلن الرئيس الراحل محمد مرسي في مايو/أيار 2013 في خطاب الاحتفال بعيد العمال وقف برنامج خصخصة شركات القطاع العام.

وأبدى مرسي وقتها اهتماما شديدا بصناعة الحديد والصلب واختار مجمع الحديد والصلب بحلوان ليكون مكانا للاحتفال بمناسبة عيد العمال.

لكن حكم مرسي انتهى سريعا إثر تدخل الجيش في صيف 2013، وجاءت حكومة المهندس ابراهيم محلب عام 2014 بأمل جديد حين وافقت على إعادة فتح وتشغيل المصنع، وتم تشكيل لجنة من الخبراء لبحث إمكانية إعادة العمل بالمصنع سريعا، لكن الأمر لم يتجاوز القرارات دون خطوات عملية، ليظل المصنع مغلقا.

ورغم تأكيد العديد من الخبراء أن المصنع يمكنه العودة للعمل إذا أرادت الحكومة، ولكنهم أرجعوا عدم رغبتها في ذلك إلى محاولة الاستفادة من الأرض المقام عليها المصنع.

في هذا السياق، يرجع الخبير الاقتصادي مدحت نافع، فشل كل المحاولات المتعدد لبيع أو إحياء أو تطوير مصنع أبو زعبل، إلى وجود مستفيدين من بقاء أشلائه على هذا النحو كأطنان من الخردة والكابلات المردومة وأرض فضاء تغري بالتعدي عليها.

وفي سلسلة مقالات بعنوان "الحديد والصلب المصرية… مشهد النهاية"، يكشف نافع الذي شغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية (مارس/آذار 2018 – يونيو/حزيران 2020) اتخاذه العديد من القرارات لتصفية الشركة، بينها تحويل أرضها إلى الغرض السكني، ونجاح مزادات لبيع ما وصفها بالكتل المهملة في الشركة والتي كانت تعيق استغلال الأرض، حسب قوله.

الخصخصة من جديد

إلى اليوم يقبع المصنع جثة هامدة، وتباع معداته وآلاته كخردة، بينما عاد رجل الأعمال أحمد عز إلى نشاطه القوي في صناعة الحديد واشترى مؤخرا عبر شركته العز الدخيلة للصلب حصة رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة في شركة حديد المصريين لإدارة مشروعات مصانع الصلب، بينما تم تصفية آخر قلاع صناعة الحديد والصلب الحكومية، وهي شركة المصرية للحديد والصلب (مصنع حلوان جنوب القاهرة) مطلع عام 2021.

ومؤخرا عادت الخصخصة لتطل برأسها من جديد، بعد إعلان وزيرة التخطيط المصرية هالة السعيد في يناير/كانون الثاني الماضي أن بلادها تعمل على بيع حصص في شركات مملوكة للدولة كل شهر أو شهرين، وستضع قريبا قائمة بقطاعات الاقتصاد المختلفة التي ستُفتح أمام الاستثمار الخاص.

وفي 2018، حددت مصر 23 شركة مملوكة للدولة لخصخصتها، لكن جميع عمليات البيع تقريبا تأجلت لأسباب من بينها اضطراب السوق المرتبط جزئيا بجائحة كورونا.

المصدر : الجزيرة