عداء عسكري وسلاح الغاز.. هل تنجح بريطانيا في قيادة أوروبا لمواجهة روسيا؟

بخلاف دول أوروبية أخرى، استبقت بريطانيا أي غزو روسي محتمل بسن عقوبات على أي شخصيات لها علاقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، منها الحجز على أموالهم وعقاراتهم في بريطانيا، وهي كثيرة حسب الكثير من التقارير الاقتصادية.

Britain's PM Johnson visits Polish counterpart in Warsaw
بوريس جونسون أثناء زيارته القوات البريطانية التي نُشرت في بولندا على حدود بيلاروسيا ولتعزيز الوجود المتقدّم لحلف الناتو (رويترز)

لندن- اختارت بريطانيا السير على نهج منفرد في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، يتقاطع مع النهج الأميركي ويبتعد عن الخط الأوروبي المتمثل في الدور الفرنسي والألماني، فهذان البلدان ظهرا خلال الأزمة الأخيرة وهما يحاولان التهدئة مع الروس والابتعاد ما أمكن عن حدة الخطاب.

في المقابل، تتحرك بريطانيا سياسيا وعسكريا بالتنسيق مع الأميركيين بخطوات أكثر حدة وصرامة، وتمزج بين فرض العقوبات وتحريك الجنود والتلويح بورقة ضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO)، وهي الخط الأحمر بالنسبة لروسيا.

وللسلوك البريطاني أسباب كثيرة يختلط فيها ما هو اقتصادي بما هو سياسي بما هو عسكري، نستعرضها في النقاط التالية:

Defence Secretary Meets His Counterpart In Moscow
وزير الدفاع البريطاني بن والاس (يسار) يلتقي في موسكو نظيره الروسي سيرغي شويغو في الـ11 من الشهر الجاري (غيتي)

العقيدة العسكرية

تحدد وثيقة "المراجعة الشاملة" للسياسة الدفاعية، التي أعلنت عنها الحكومة البريطانية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، أخطر التهديدات التي تواجه المملكة المتحدة بعد الخروج من الاتحاد، وفي مقدمتها الصين وروسيا.

أما عن روسيا، فإنها باتت في عرف السياسة الدفاعية البريطانية "الخطر الأكثر إلحاحا" على أمن البلاد. ولعل هذا ما يفسر تصريحات القادة العسكريين البريطانيين عن اقتراب نشوب مواجهة مع روسيا.

وسبق لرئيس الأركان البريطاني السابق أن صرح بأن "الحرب مع روسيا باتت وشيكة"، ودعا للاستعداد لها، وهو ما جعل كل مكونات الجيش البريطاني في حالة استنفار دائم، خصوصا وأن هذه التصريحات تقاطعت مع تصريحات قادة سابقين في المخابرات العسكرية البريطانية "إم آي 6" (MI6)، التي تعتبر أن البلاد بالفعل في حالة حرب خفية مع روسيا.

سلاح الغاز

تجد ألمانيا نفسها في حرج عظيم للتعامل مع الملف الأوكراني بسبب عقدة الغاز الروسي، الذي تعتمد عليه بشكل أساسي لتوفير حاجياتها من الطاقة، وأيضا بسبب خط الإمداد "نورد ستريم 2" (Nord Stream 2) الذي يمكنه في حال إتمامه توفير 50% من حاجيات ألمانيا الطاقية، ولهذا فهي تتعامل مع هذه الأزمة بحذر ورويّة.

في المقابل فإن بريطانيا متحررة وبشكل كبير من التبعية الطاقية لألمانيا، إذ إنها لا تستورد إلا 5% من حاجياتها من الغاز من روسيا، وتحصل على نصف حاجياتها الطاقية من بحر الشمال التابع لها، والبقية من النرويج والجزائر.

واستبقت بريطانيا تحويل روسيا الغاز إلى "سلاح" دبلوماسي بفتح مفاوضات مع دولة قطر لتوفير الغاز المسال خلال السنوات المقبلة.

ورغم أن أي قطع للغاز الروسي عن أوروبا سيؤدي لرفع الأسعار بشكل صاروخي حتى في المملكة البريطانية، فإن الأخيرة تتحمس لوقف خط الغاز "نورد ستريم 2" في حال إقدام روسيا على الغزو.

الحليف الأميركي

لدى الأوروبيين قناعة بأن بريطانيا هي الحليف الأقرب لواشنطن، مهما كانت الظروف، وأن لندن لا يمكن أن تتحرك أبدا خارج الخطوط التي تحددها الولايات المتحدة.

ويبدو هذا جليا في التنسيق الأميركي البريطاني في التحرك عسكريا داخل حلف الناتو، ذلك أن بريطانيا هي من أخذت المبادرة لترجمة الرغبة الأميركية في حشد قوات الناتو بإعلان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون خطة إعادة نشر قوات الحلف في أوروبا الشرقية.

وتحاول لندن إقناع واشنطن بأنها تبقى الحليف الأقرب والأكثر حماسة الذي يمكن التعويل عليه في مواجهة النفوذ الروسي، خصوصا بعد "البريكست" (Brexit).

وحسب العديد من التقارير الإعلامية البريطانية، فإنه مباشرة بعد البريكست، كان التوجه الأميركي هو تكليف بريطانيا بمواجهة النفوذ الروسي، مقابل تفرغ أميركا لمواجهة النفوذ الصيني.

صفر علاقة

كان أول شيء قام به وزير الدفاع الروسي خلال لقاء نظيره البريطاني في موسكو، هو وصف التعاون بين البلدين بأنه "قريب من الدرجة صفر"، محذرا من وصوله لمناطق سلبية خطيرة تؤثر على البلدين.

ولم يخطئ المسؤول الروسي في توصيف العلاقة بين موسكو ولندن المتدهورة منذ سنوات، خصوصا بعد محاولة تسميم العميل المزدوج سيرغي سكريبال في لندن، مما أدى لأزمة دبلوماسية غير مسبوقة، تم على إثرها طرد العشرات من الدبلوماسيين الروس.

وبخلاف دول أوروبية أخرى، استبقت بريطانيا أي غزو روسي محتمل بسن عقوبات على أي شخصيات لها علاقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بما في ذلك الحجز على أموالهم وعقاراتهم في بريطانيا، وهي كثيرة حسب الكثير من التقارير الاقتصادية.

وستكون العقوبات سلاحا لضرب مصالح الكثير من رجال الأعمال الروس الذي لهم صلة بالحكومة الروسية، والذين يجدون في العاصمة لندن ملاذا للكثير من استثماراتهم.

حسابات سياسية

تتجلى الحسابات السياسية للزعماء الأوروبيين وبقوة في تعاملهم مع الأزمة الأوكرانية، إذ إن شغل الرئيس الفرنسي الشاغل حاليا هو الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي تضعه في منافسة قوية مع المرشح اليميني المتطرف إيريك زمور.

أما في ألمانيا فهناك مرحلة انتقالية للخروج من مرحلة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، وهذا ما يفسر انكفاء أكبر بلدين أوروبيين على شؤونهما الداخلية أكثر من قيامهما بدور قيادي في الأزمة الأوكرانية.

في المقابل فإن الوضع السياسي الداخلي البريطاني يجعل من التصعيد مع روسيا خادما لمصالح رئيس الوزراء بوريس جونسون، الذي يحاول الظهور بمظهر القائد القادر على إظهار بلاده قوية أمام النفوذ الروسي، عكس صورته المهتزة داخليا وتراجع شعبيته بسبب فضائح تنظيم الحفلات خلال أيام الإغلاق العام.

أما المكسب السياسي الممكن جنيه من هذا التصعيد البريطاني فهو يخدم فكرة "بريطانيا العالمية" التي جاء بها أنصار البريكست، وفي القلب منها أن بريطانيا ستعود كقوة عالمية للتأثير في القرار العالمي، ويمكن للأزمة الأوكرانية أن تكون أكبر اختبار لهذا الشعار.

المصدر : الجزيرة